جسد الإنسان.. والبيئة المساعدة  على التحلّل

جسد الإنسان.. والبيئة المساعدة على التحلّل

في بعض الولايات الأمريكية تُذوّب أجساد الحيوانات النافقة في محلول قلوي مركز يُعالج لاحقاً في محطات الفضلات العضوية لغيره من النفايات، ويقال بأن ذلك يقتل الجراثيم، ويحافظ على البيئة من التلوث. يقول الأوروبيون والأمريكيون إن استخدام هذه الطريقة للتخلص من أجساد البشر بدلاً من الدفن أو الحرق سيخفض من التكاليف، لأنها أقل كلفة من الحرق بعشرة أضعاف، علماً أن الدفن يكلف أضعاف تكلفة الحرق. كما أن تكلفة المحارق تكون عالية جداً في المناطق الريفية حيث يقل عدد السكان فلا يتوافر العدد المناسب من الموتى الذي يكفل إبقاء فرن الحرق مشتعلاً بصورة مستمرة ودائمة، وإلاّ فإن تعاقب الحرارة والبرودة بسبب الإشعال والإطفاء بشكل متكرر يتلف المادة المبطنة للمحرقة، فتتشقق وينقص عمرها الافتراضي، مما يزيد تكلفة التشغيل. لكي تكون المحرقة مجدية اقتصادياً يتعيّن أن يتوافر حد أدنى من الموتى على قائمة الانتظار، لكي تغطي إيرادات حرقهم تكاليف الإبقاء على نار المحرقة مستعرة باستمرار دون توقف.

الجهاز المستخدم في إذابة أجساد الحيوانات النافقة يتكون من حوض عميق مستدير الشكل من المعدن الذي لا يصدأ له غطاء محكم وكأنه قدر عملاق كاتم للبخار، معلق فوقه مصفاة تتحرك أفقياً ورأسياً بواسطة رافعة مثبتة في السقف، وهي عبارة عن وعاء معدني مثقّب كالغربال، ومماثل في الشكل للحوض وأقل منه في القطر، بحيث يمكن وضع المصفاة بداخل الحوض وإخراجها منه بكل سهولة ويسر. يشابه ذلك الحوض ومصفاته القدر والمصفاة الملحقة به المستخدميْن في عملية قلي أصابع البطاطس؛ بيد أنه يفوقهما في الحجم أضعافاً مضاعفة! وثمة رافعة أخرى يتحكم في تشغيلها وتحريكها أحد العاملين ليلتقط بها أجزاء الحيوانات المقطعة على هيئة كتل كبيرة ويضعها في المصفاة، وعندما تمتلئ المصفاة يقوم المشغل بتنزيلها بواسطة الرافعة الخاصة فتدخل مع محتوياتها في جوف الحوض المستدير. يغلق المشغل بعد ذلك غطاء الحوض ويفتح الحرارة، ويتركه لمدة ست ساعات تحت ظروف من الضغط العالي والغليان. يُفتح الغطاء بعد مضي الوقت المحدد وتُرفع المصفاة التي لن يتبقى فيها إلاّ فضلات عظمية قليلة بعد أن كانت ممتلئة إلى حافتها بالكتل الحيوانية.

إذا تصورنا استخدام هذه الطريقة لإذابة أجساد البشر، فيمكن أن تجفف البواقي العظمية وتطحن لكي تنثر في أماكن مختلفة حسب رغبة الأقارب أو وصية المتوفى، أو توضع في صندوق صغير لتدفن، أو ليحتفظ بها بطريقة أو بأخرى، على غرار ما يُصار إليه الرماد المتخلف عن حرق الأجساد.

وفي السويد التي يُحرق فيها 70% من الموتى طبقاً لوصيتهم أو اختيار ذويهم، ظهرت حديثاً فكرة جديدة للتخلص من أجساد الموتى حيث يجري تجميدها فورياً بواسطة النيتروجين السائل، ثم يفتت الجسم الجليدي عن طريق الموجات فوق الصوتية أو بالذبذبات الميكانيكية. ويتفتت الجسد المتجمد بسهولة بسبب تكوينه المائي حيث يشكل الماء 70% إلى 90% من الجسم. ويُستخدم الفتات الناتج بديلاً للتربة لاحتوائه على مواد بيولوجية غنية، أو سماداً للتربة الطبيعية، وذلك بعد تركه ليتخمر بفعل البكتيريا لمدة شهر ونصف تقريباً. الاستفادة من بقايا الموتى ليس الهدف الوحيد وراء الفكرة السويدية؛ بل إنها تستهدف في الأساس تقليل التلوث البيئي الذي يتخلف عن الحرق. أنصار هذه الفكرة الجديدة يقترحون أن تستخدم التربة البديلة المصنوعة من جسد الميت لزراعة شجرة في حديقة المنزل تتغذى على جسمه وتكون أثراً حياً من الفقيد ينمو ويترعرع إلى جوار أقاربه وأحبائه ليخفف عنهم ألم الفراق ولوعة الفقدان! قد تروق هذه الفكرة للجمهور السويدي العلماني، فهم أمة تعشق الحدائق بما فيها من أشجار وأزهار، وتعي مخاطر التلوث البيئي وتحذر عواقبه. كما أنهم شعب عملي يحب البساطة ويكره الإسراف، مما يزيد من احتمالات تقبل هذه الوسيلة المبتكرة المبنية على إعادة تدوير أجساد الموتى. أعطت الحكومة السويدية أصحاب المحارق مهلة لتطوير أجهزتهم بحيث تمنع انبعاث الزئبق من الأسنان المحشوة به، غير أن ذلك يتطلب مصاريف باهظة تفوق المصاريف المترتبة على التحول إلى الطريقة الجديدة. يُعتبر مبدأ المشاركة في القبر أحد أسباب نفور الشعب السويدي من الدفن، حيث يُفتح القبر بعد مضي خمس وعشرين سنة على دفن صاحبه ويستخرج الجسد ثم يُزاد عمق القبر ويُعاد الجسد القديم ويوضع الجسد الجديد فوقه.

قبل توافر المبردات في السفن التجارية والعسكرية كان يُلقى بأجساد الذين يموتون على متنها في البحر، ضمن طقوس دينية كاملة بطبيعة الحال، وبعد أن تُربط بأثقال تكفل استقرارها في قاع البحر، وكان ذلك يسمى (الدفن البحري). الأجساد التي تظل في البحر لمدة طويلة، سواء الغرقى أم الذين يدفنون فيه، تصير طعاماً سائغاً للأحياء البحرية، وتتحول إلى عظام مفككة خلال مدة تتراوح بين عدة أسابيع وعدة أشهر. هذه الطريقة الطبيعية لإعادة التدوير تعتبر مثالية، خاصة إذا أكل الإنسان السمك أو سرطان البحر الذي تغذى على بني جنسه.

وبينما كنت أفحص جثة رجل انتشل جثمانه من نهر دجلة بعد مضي حوالي شهر على غرقه وجدت سمكة داخل تجويف صدره؛ والطريف في الأمر أن السمكة لا بد وأن تكون دخلت عن طريق فجوة البطن (التي حدثت بسبب التحلل ونهش الأحياء المائية) ثم علقت بداخل الصدر حيث لم يتبق من الضلوع إلاّ العظم فصار الصدر وكأنه قفص فعلي يحتوي على السمكة التي ماتت بعد استخراج الجسد من الماء. ما حدث للسمكة مشابه لفكرة صيد السمك بواسطة (القراقير) ومفردها (قرقور) وهي طريقة مستخدمة في دول الخليج العربي، حيث يصنع قفص معدني على هيئة قبة لها فتحة جانبية قمعية الشكل تضيق من الخارج إلى الداخل، فلا تستطيع الأسماك التي اجتذبها الطعم فدخلت من القمع المشبك أن تجد الفتحة الضيقة فتظل في القفص الذي يسحبه الصياد إلى القارب عن طريق حبل مثبت في قمته، ثم تُستخرج الأسماك التي وقعت في الفخ. 

بالنسبة للمسلمين يظل الدفن الطريقة الوحيدة المعتمدة للتخلص من الأجساد، ولا يختلف اليهود كثيراً عن هذا النهج. وبينما سمحت المراجع الدينية الكاثوليكية بالحرق على مضض، بشرط دفن الرماد المتبقي وعدم نثره كما يفعل أهل مذاهب مسيحية أخرى، فإنها لم تسمح بعملية التذويب في المحلول القلوي لأنها تتضمن التخلص من الأنسجة المذابة في المجاري، وذلك يتنافى مع كرامة الإنسان. أما عملية التجميد الفوري والتفتيت فربما تنال موافقة الكنيسة الكاثوليكية بشرط دفن الفتات وعدم استخدامه للزراعة بذاته أو بإضافته إلى التربة على هيئة سماد .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top