فاسدون...

آراء وأفكار 2019/10/07 07:40:07 م

فاسدون...

 د. لاهاي عبد الحسين

هناك الكثير مما يمكن أنْ يحصل على الصعيد الاجتماعي نتيجة التباطؤ والتلكؤ في إعلان الحرب على الفساد المالي والإداري بمختلف أشكاله وتجلياته في المجتمع.

ينتشر الفساد ويتعاظم في المجتمع كما ينتشر الورم الخبيث، وبخاصة اذا ما أصاب عضواً رئيساً ومهماً في جسم الإنسان كالرأس والأمعاء والقلب.

هذه مقاربة قد لا تكون مقبولة علمياً بصورة ممتازة من حيث أنّ هناك فروقاً نوعية ومهمة بين جسم الإنسان الفرد وبنية المجتمع ذات السعة الملايينية والطبيعة المؤسساتية ولكنّها تسهم بتقريب الفكرة وتوضيحها. فالفساد في المجتمع إذا ما مورس بلا رقابة ومحاسبة واستئصال فوري من قبل من يتحكم بمؤسسات الدولة وهيئاتها المتقدمة سرعان ما يعطي الضوء الأخضر لانتشاره على مستويات أخرى متتابعة تصل إلى أصغر الحلقات وأكثرها خطورة على مستقبل البلاد كالأطفال والشباب. يتعلم هؤلاء كيفية التندر والتمثل به حتى يصبح طريقة فعالة من طرق التدريب عليه واستدخاله من دون أنْ يشعروا مما يؤدي بهم إلى تخزينه ذاتياً وقبوله فردياً وممارسته عملياً. 

يتساءل كثير من الناس ببراءة أو قل بسذاجة عن أسباب انتشار الفساد والتحايل على نطاق واسع حتى ليتبادر إلى الذهن أنْ لا أحد يبرأ من الفساد في العراق، اليوم. يحصل هذا ابتداءً من التعامل مع أصحاب محال المواد الغذائية وباعة الفواكه والخضراوات وحرّاس البنايات ومخاتير المحلات ممن يختفون فلا تراهم حتى تبحث عنهم وتتعقبهم لتستجدي منهم توقيعاً لأمر ما. وهذا ما يحدث أيضاً مع المعلمين والمدرسين ممن يبدو وكأنّهم هجروا طريقة التعليم بالروح والضمير الذي يمليه عليهم الواجب والمسؤولية تاركين المجال واسعاً للمتحمسين بالعمل في مجال التعليم الخصوصي لقاء المال. وقل مثل هذا حول التدريسي في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي الذي يعيد ويكرر ما قاله وفعله في السنوات السابقة حتى إنّ بعضهم يصف المواد الدراسية التي يقوم بتدريسها بالسهلة بسبب عدم قيامهم بتجديد أنفسهم وتطوير إمكاناتهم وشحذ هممهم ليقدّموا أمثلة يقتدى بها فعلاً تؤسس لنماذج مبتكرة وغير مطروقة، وهكذا دواليك. 

انتشر الفساد المالي والإداري حتى بلغ مستوى أنّه صار جزءاً من العادة والغاية والتقليد. لا يتفاجأ مواطن عندما يخبره آخر بأنّ عليه أنْ يدفع مبلغاً من المال تسمى "هدية" أو "نوع من المساعدة" لما يعرف حقيقة بعنوان "الرشى"، لترويج معاملة رسمية أو تسهيل أمر. ولا يستغرب كثيرون عندما يعلمون أنّ دوائر الدولة تغلق عملياً عند الظهر بينما يفترض أنْ ينتهي الدوام الرسمي عند الثالثة بعد الظهر. وهناك من يعتقد أنّ التحايل على الدولة للحصول على راتب وإنْ كان ضئيلاً بموجب قانون الحماية الاجتماعية الذي يسمح له نظرياً بالاستفادة منه كونه يقع في واحدة من الفئات المحددة بالقانون مشروع ولا غبار عليه لأنّه مواطن وهذا من حقه. 

فقد كشف باحثون اجتماعيون ميدانيون، أنّ هناك الآلاف ممن لا يتأهلون للحصول على راتب الحماية الاجتماعية المتواضع جداً (150) ألف دينار عراقي، للفرد الواحد ولكنّهم يقدمون للحصول عليه ويتقاضونه. وعندما تمت مواجهتهم بأنّهم لا يستحقون هذا الراتب بحكم حالتهم الاقتصادية الجيدة بالواقع مقارنة بآخرين يحتاجونه فعلاً، فقد أحتجوا وقاوموا ورفضوا رفع أسمائهم من قوائم المستفيدين. بل وهدد بعضهم بالاستعانة بظهيره العشائري ضد الباحث الميداني الذي يقوم بالتحقق من مصداقية التأهل. وكان المبرر الذي أعطي من قبل هؤلاء أنّ ما يحصلون عليه يعتبر بنظرهم حقاً وهو لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من حصتهم كمواطنين في الثروة النفطية التي يقدر أنّها تدر على البلاد ما يزيد على المئة مليار دولار سنوياً. وترى ما يشبه هذا في أكثر من مكان ومؤسسة، حيث تعقد الندوات وتقام المؤتمرات واللقاءات دون تحقيق نقلة حقيقية على مستوى حل المشاكل والأزمات المعطلة للبلاد. فالانقسام الديني والمذهبي والعرقي يتعمق يوماً بعد آخر والأحلام بالمصالحة والاستقرار والوئام الاجتماعي تتحول تدريجياً إلى حالة من التعايش السلمي المشوب باليقظة والحذر، بدل من أنْ يصار إلى اتخاذ خطوات قوية وراسخة على طريق التعايش الوطني الصريح والمعلن بلا مواربة أو خوف. بل وترتفع الأصوات رسمياً من أعضاء ممثلين لكتل وجماعات سياسية داخل مجلس النواب العراقي لتحرك أنصارها على الصعيد الشعبي معلنة الاصطفاف مع هذا البلد الجار أو ذاك حتى يظهر وكأنّ البلاد تمر في نفق التحول من الولاء والانتماء الوطني إلى فضاء الولاء الدولي الواسع والمفتوح على أكثر من احتمال خطير. 

هذه ظواهر وشواهد تنتشر لتمزق وحدة البلاد وتفككها يعود أحد أهم أسبابها إلى صدى ما يحدث من عمليات تمويه وفساد كبرى تسهم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بكشفها وتسليط الضوء عليها مما تنعكس بتأثيراتها الارتدادية على المستوى الشعبي والمجتمعي على أكثر من دائرة وطوق. سيكون من المؤكد أنْ تزداد مثل هذه النتائج ترسخاً كلما تباطأت عمليات محاربة الفساد وشابها التلكؤ في معالجته واتخاذ الإجراءات اللازمة والفاعلة والفورية لوقفه. 

سمحت ظروف الحصار الاقتصادي الأممي في التسعينات من القرن الماضي، بظهور حالات الفساد وشرعنة الرشى بصورة غير رسمية في المجتمع العراقي والتغافل عن الكثير من التجاوزات بسبب تنازل القيمة الشرائية للرواتب والأجور لعموم المشتغلين في الدولة. إلا أنّ التجاوزات غير المسبوقة التي طالت الملكية والمال العام بعد 2003 والتي رافقها ضعف بيّن في مستوى الإدارة والمتابعة والضبط والحساب ساهمت بالسماح لظواهر الفساد بالاستشراء بنسب متصاعدة صارت حديث الجماعات والقوى الوطنية التقدمية التي تدرك أنّ طريق العودة إلى الوراء سيكون صعباً، ولكنه مكلف جداً. بل إنّ الاستمرار بطريقة الاستغراق البيروقراطي وتقديم أجوبة مبتسرة وجاهزة من قبل المسؤولين تسلط ضوءاً على تخلف واضح في مستوى النظر لمعالجة هذه الآفة الخطيرة التي تغذّ الخطى لاقتحام السياقات الذهنية والمنظومة القيمية التبريرية للمواطنين. 

تدخل الدول في مراحل الخطورة العليا لمواجهة الفساد حتى وإنْ كان على مستوى استهانة أعضاء بارزين بما يتحتم القيام به من إجراءات فعالة وحاسمة فيها بسبب الخشية لما لمثل هذه التجاوزات من تأثيرات إرتجاعية على حشود المواطنين. لذلك فإنّ التلويح بمحاربة الفساد واستهداف صغار الفاسدين واستخدام شماعات التبرير بإسم القانون أو الوضع الأمني لن تؤدي إلا إلى مزيد من الهدر بالموارد والإمكانات الشعبية الحكومية والسياسية. 

فهل يعقل أنْ تسلم رواتب ما يقرب من عشرة ملايين موظف ومتقاعد في الدولة العراقية شهرياً وبحسب جداول محددة، يدوياً. هذا فيما تتفوق دول ذات مستويات تنموية مماثلة باستخدام أسلوب تنزيل الراتب مباشرة في الحساب المصرفي للفرد المعني من دون الحاجة إلى دفع المواطنين لقضاء ساعات في طوابير يتزاحمون فيها مع بعضهم البعض ويعرضون أنفسهم لمختلف المتاعب الصحية والنفسية والاجتماعية وهم يتنافسون للوصول إلى مقصورة الموظف المعني بتسليم الرواتب وكأنّهم يستعطون منه! وهل يعقل أنْ تضج الدوائر والمؤسسات بالمراجعين المتجمعين في ظروف انتظار مهينة انتظاراً لتوقيع أو تأشيرة بدل الاعتماد على أنظمة الإتصال التقني مع توفر موظفين يقومون خلال هذه المرحلة الانتقالية بمساعدة المواطن الذي لا يتقن استخدام هذه الطريقة لإنجاز معاملته وصولاً إلى مرحلة أنْ يكون حاضراً بصفته الشخصية المباشرة. 

وهل يعقل أنْ تسلّم الأموال بصورة مباشرة إلى وزارات ومجالس محافظات لم تفعل غير أنْ تثبت فشلها في معالجة مشاكل المواطنين وهمومهم، فضلاً عن التأكد من استغلال معظمهم لما يردهم من موارد لتلبية حاجاتهم الفردية لترتيب أمورهم الشخصية والعائلية. وهل يعقل أنْ تستمر ظواهر الاستجداء التي يمارسها أعضاء بعض الجماعات المحسوبة على ميادين الثقافة والفن لتأمين مزيد من المكاسب الشخصية والفردية من قبيل المطالبة بالحصول على قطع أراضٍ أو شقق سكنية في الوقت الذي يخرج فيه الشباب المحتجون في مدن الشمس والملح والقفار في الجنوب العراقي للمطالبة ببعض من حقوقهم الأساسية كمواطنين مثل الماء والكهرباء والعمل! وهل يعقل أنْ يحبس المسؤولون أنفسهم في مناطق واسعة تحرس بفيالق عسكرية وشرطوية من دون أنْ يحيطوا علماً بما يحدث لمواطنيهم. 

الدول لا تتقدم من خلال التحرك على مستوى ردات الفعل المباشرة نتيجة الخوف والقلق. إنّما تتقدم الدول من خلال وضع الخطط الستراتيجية اللازمة التي تحدد خطوات محسوبة لإحداث التغيير المطلوب أولاً. وتشرع بعد ذلك أو في موازاة ما عزمت على القيام به في "أولاً"، على تعبئة الرأي العام والشروع بتغيير نمط التفكير الاجتماعي الذي ألف التعايش مع الفشل والنمطية والأداء الروتيني الرتيب والبطيء بكونه حاضنة مريضة لا بد من القيام بمعالجتها وإعادتها إلى المسار السليم. وهذا لا يحصل إلا من خلال استهداف رؤوس الفساد وخاناته المحروسة بعناية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top