أزمة أو محنة العراق والعراقي

أزمة أو محنة العراق والعراقي

عبد العزيز الحيدر

إن مجمل المحن ولا أقول الأزمات لأن الأخيرة يمكن التخطيط العلمي لتجاوزها أما الأولى فهي ممتدة في محوري الزمان والمكان أو أحداهما ,

وهي تكاد ترتبط بعناصر من الجوهر اكثر من ارتباطها بالوصف والمظهر, والمحنة لا تبدو للسطح تاسيساً على ذلك وربما انعكست في مظهر الأزمة فهي هنا مالية أو نقدية وهناك إدارية أو معيشية أو خدماتية الى آخره.

المحنة بهذا المعنى حزمة من الأزمات ترتبط في جذورها بأرضية واحدة مشتركة إنها أزمة الأزمات. 

المحنة في الزمن العراقي الجديد (القريب جدا والقريب)هي محنتين أساسيتين من وجه نظر علمي الأخلاق والمنطق.

محنة الأخلاق وتدهورها وانحلالها ,والمحنة هنا ليست في القياسات الفردية وما أكثرها يومياً بل في القياسات الجمعية 

وفي أرقى مراتبيتها وهي تنسحب بالضرورة الى علل في المؤسسات التي تعنى بمتابعة النشاط الأخلاقي الاجتماعي وإبراز جوانبها باستمرار والعناية بازدهارها من خلال التعريف باهميتها باستمرار والتوعية بها وعبر الأداء المؤسساتي للمؤسسة الدينية والمؤسسة التربوية المؤسسة الحزبية والمؤسسة الثقافية والابداعية بكل حلقاتها المختلفة ونشاطاتها.

وكل هذه المؤسسات غائبة وبشكل مخيف في المجتمع العراقي الحالي والذي ارتد وبشكل شامل ومفاجئ الى عصور الظلام والجهل والعصبية في دويلات المدن قبل بزوغ العصر البابلي..... فلم يعد من دور للمؤسسة الدينية سوى الجلوس الى جنب خوفاً من سقوط الحجارة (القنابل)على رأسها وليس لها من مصلحة من تناول التوعية الأخلاقية طالما أن الكتلة الاكبر للحراك السياسي للبلد تلبس عباءة الدين في سعيها المحموم للسيطرة على السلطة لاستحصال المزيد من المال والسلطة والقوة في غياب القيم الأخلاقية الرابطة الجامعة وتغازل العواطف الدينية التي ليس لها علاقة من أي شكل بالمعيشة والحياة في ظل برامج للاقتصاد والصحة والتربية والتعليم والثقافة والفن ....الخ, والدين لم يعد ديناً موحداً شاملاً إنسانياً بل هو نكوص وارتداد الى التشبث بوقائع تاريخية فقط ( يخطط للمجتمع أن لا يتجاوزها للنظر في حاضره الجهنمي والمخيف), ولم يعد الدين مبادئ وقيم إنسانية مستمرة الى يوم يبعثون لكونها حاجات انسانية اساسية... الدين أصبح المذهب والمذهب أصبح المطالبة السياسية والمطالبة السياسية أصبحت اللعب على ذقون الجماهير من الناس وتعميق الفساد الإداري والمالي وبمختلف السبل المبتكرة وتوجية الصراعات المذهبية والقومية والعشائرية والمناطقية والحزبية وكل ما هنالك من أنواع قطع عرى المواطنة ووحدة الوطن ووحدة المصير للعراقيين.

الأحزاب التي كانت راعية لقيم ومبادئ أخلاقية( على الأقل أحزاب اليسار) من خلال الجوهر الثوري المتجدد والمواجهة المباشرة لأي شكل من أشكال الظلم والتعسف وقيادة الجماهير وإنارة الطريق أمامها في سعيها للحصول على فرص الحياة الكريمة أصبحت أكثر من ذيلية للواقع وتجليات تخلفة وأصبحت رهينة العجز عن التحليل والتصدي وتخلت عن الفكر جملة وتفصيلاً في صالح السياسية التي أصبحت هي الأخرى حكراً على الاتجاهات الطائفية والقومية فتم اقصاها واستبعادها ليس من قبل السياسييين والكتل السياسية في لعبات الانتخاب المتكررة بل من قبل الجماهير العريضة للطبقات الكادحة المضللة وجماهيرها من شغيلة اليد والفكر.

المؤسسة التعليمية هي الأخرى منشغلة عن التربية الى التعليم التجاري والمناهج المقدسة التي لا يمكن المساس بها والأساليب في الاداء تتمركز على أعلى قدر ممكن من الفساد المالي والاداري.

مؤسسات الثقافة والإبداع ماتت وتم دفنها بدون مراسيم للدفن لأن المؤسسة الحاكمة (المتبجحة بالدين) تستحرم على ما نعتقد عن أداء الصلوات على جثة الشعر أو المسرح أو السينما أو الموسيقى أو الرسم.... لأنها في عرفها من الموبقات الشيطانية.... تلك الوسائل التي لم يبدع العقل البشري أبدع منها منظماً وموجهاً وجامعاً وخالقاً للفكر الانساني.

وكل هؤلاء اعلاه لا ينكرون ما نقوله اعلاه بل يستهجنونه فكل واحد منهم يقول بان ليس له دور لا من قريب ولا من بعيد بهذه المحنة التي نتحدث عنها.

غياب كل هذه المؤسسات جعل من الممكن الحديث عن سرقة حلال وسرقة حرام وقتل للناس حلال لأن به فتوى من أي معمم أوغير معمم وقتل حرام لابد من الثأر له إن مس أي من عشيري ولا حياء في الكذب والفساد الإداري والمالي إن هو الا ترزق على باب الله..... الجار لا يعرف حرمة جاره وأهمية أن تربطه به أخلاق تنمي العلاقات والآواصرالانسانية والرجل لم يعد يحترم أهل بيته ولا يراعي حقوقهم ولا يراعونه بالمثل ..الإخوة والقرابة أصبحت مفاهيم بالية لاتشترى احترام القانون (إن وجد) هو جبن وخضوع واذلال وليس تنظيم للعلاقات وتحقيق للعدالة طالما أن أي مادة من أي قانون له ثمن يمكن دفعة والتغاضي عنه وبإرادة حرة بريئة للحارس عليها......تلك محنة المحن في العراق وقديماً قيل,وسيقال

انما الأمم الأخلاق مابقيت

فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا

أما المحنة الثانية الاساسية للعراق والعراقيين فهي محنة العقل...محنة غياب المنطق ...وسلامة تسلسل الاستدلال ....والقدرة على التحليل ..تحليل الواقع

وتركيب الاستقراءات وصولاً الى وضع فرضيات الحلول..ناهيك عن الحلول البديلة المفترضة لأية مشكلة في أي حقل ...التفكير بالمنهج المفترض عليه الحياة منهج النسبية معدوم في الاساس في المنطق العقلي العراقي, فهو منطق كلي شمولي مطلق , يسير باتجاه واحد ,فالعراقي يفكر في الزمن على انه الماضي والماضي فقط وتلك طامة كبرى ، إنه غير قادرعلى التفكير السليم في حاضرة حتى تتزامن المشكله وتغدوا من الماضي لتجد لنفسها عبر التغيرات غير الجوهرية والانزياحية التقليدية مخارج لتبدل وجه المشكلة فقط.. فالعراقي بحاجة الى من يحكمه (على الدوام) ولكن بحكم أن يكون قوي فالامام (المايشور) يسمى ابو الخرق والعراقي بحاجة دائماً الى من يفديه بدمة ودم أبناءه وعشيرته(بالروح بالدم نفديك ياهو الجان) العقل العراقي( حين نتحدث عن العقل بكونه عراقي اوغير عراقي) فنحن نعني الغالبية العظمى من العقل الجمعي ...المحرك للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحالية...العقل العراقي حين وعلى سبيل المجاز يريد التحدث ولو بالغيب عن المستقبل يقول العراقي ان هذا مذكور في كتب التاريخ ؟؟ وكأن التاريخ هو الماضي والمستقبل بل هو الحاضر للاستشهاد به كدليل..

محنة العقل عند العراقي تتجلى في عدم إعمال العقل في المشكلة لأن العقل هنا نظري بحت بإرادة من صاحبه أو بدون إرادة ولم يتعود هذا العقل على إعطاء حلول عملية فهو عقل غير تطبيقي وغيرعملي... وأساس هذه المشكلة هو في طبيعة الفكر البدوي أولاً والمعتمد على عناصر الغيب الذي لا إرادة للانسان فيه(الطبيعة الصحراوية واعتماد الرعي على المطر الذي لم تخلق حوله منظومة علمية لدراسة احواله) ثم جاء الإسلام ليعمق الإيمان الغيبي الذي كان بالضد من البرهان المنطقي والاستدلال العقلي طوال التاريخ...العقل العراقي من أكثر العقول عرفانية وكل العراقيون شحاذون على أبواب الغيب والدروشة والسلطه المستمرة لا يدرون الى أين ومن أين وكيف والى متى... نود هنا أن نشيرالى الجهد الكبير الذي بذله العلامة المرحوم محمد الجابري في دراسته للعقل العربي... وسبق أن كتبنا في هذا وجوبهنا أيضا بالرد العنيف والاتهامات الباطلة ..ونستميح القرّاء عذراً عن الإطالة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top