شرعنة العنف: آلية لتبرير النظام

آراء وأفكار 2019/10/07 08:31:49 م

شرعنة العنف: آلية لتبرير النظام

علي عبد الرحيم صالح

على الرغم من موجات العنف والاعتداءات المادية واللفظية المستمرة التي يتعرض لها المواطن العراقي عند المطالبة بحقوقه في الشارع ومراجعاته لمؤسسات الدولة ودوائرها الحكومية والتعليمية والأمنية،

فإننا نجد أن البعض ممن عانى هذا العنف أو شاهده، أصبحوا يتعاطفون مع سلوكيات التعذيب لجلاديهم، وذهبوا نحو إيجاد مبررات عقلية، والبحث عن أسباب يقنعوا بها أنفسهم بأن هذه السلوكيات شرعية، وضرورية لبقاء النظام وحفظه وديمومته، وكأنما المواطن يقوم بتزويد النظام بالوقود (الأسباب) من أجل استمرار قمعه، والدفاع عنه. تظهر هذه المبررات على شكل معتقدات وأفكار يؤمن بها المواطن العراقي، ويكبل بها عقله، ويكبح انفعالاته، واندفاعاته خوفاً من انفجار خبراته المكبوت داخليا، واستيقاظ مشاعر الحرية التي سجنها في عقله الباطن. ومن المؤلم إن هذه المعتقدات لا تظهر بين المواطن والنظام فحسب، وإنما تمتد في جميع مرافق الحياة ، إذ يعتقد المسؤول أن القوة عنصر أساس في ضبط الآمن، واعتقاد المدير أن التعنيف يحفز موظفيه على عدم ارتكاب الأخطاء، وإيمان الأستاذ بأن الخوف يضبط طلبته، واعتقاد رب الأسرة بأن الضرب يعدل سلوك أبناءه، ووهم رجل الدين بأن السلطة الإلهية تحتم عليه جلد المذنبين!!

شرعنة العنف 

يتمثل هذا السلوك في قيام الأفراد بإضفاء الشرعية على السلوكيات العدائية التي يتعرضون لها أو يواجهها الآخرون، بهدف جعل هذا سلوك منطقي، ومقبول، وقابل للتأييد ، مما يجنب الجاني المسؤولية، والمساءلة، واللوم؛ ويعرض الضحية لكافة أشكال العنف والأساءة والتعذيب؛ لذا فهي موافقة صريحة تدعم النظام وتمنحه السلطة والوكالة في عقاب الضحايا من دون أن يواجه هذا النظام أي أدانة ومعارضة واحتجاجات. وهذا ما يصفه العالم أبتر Apter (1997) بأنه المفتاح لاستمرار العنف بطرائق شرعية وقانونية، وتوجيهها نحو الجماهير بطريقة مقبولة، ولاسيما العنف الموجه ضد التظاهرات والمعارضين والأحزاب الديمقراطية، ويعلل "أبتر" ظهور هذه الشرعية بأنها تهدف للحفاظ على الصورة الإيجابية للنظام، ومنحه تأييداً ودعما من أجل بقاءه؛ كذلك يعرفها سنو وهانت وبنفورد (Snow, Hunt and Benford, 1992) بأنها حجج مختلفة يستعملها الناس من أجل تبرير عنف جماعتهم؛ وهذه الحجج تعد العنصر الأساس المؤدي للعنف واستعماله بشكل مريح ضد الآخرين، في حين يرى هيستون ، جاسبارز ولالي Hewstone, Jaspars and Lallje, 1982أن شرعية العنف تظهر عندما يرى الناس أن الضحايا خصوم لهم حتى لو كانوا من بني جلدتهم، إذ إنهم لا يوالون النظام الذين يدعم هويتهم الاجتماعية والسياسية، مما يظهر العنف كوسيلة مشروعة للدفاع عنهم، والحفاظ على مصالحهم المادية والمتخيلة، وبهذا تظهر شرعنة العنف بعد تجريد الضحايا من خصائصها الإنسانية، وتشويه صورتها، ودوافعها، وأفعالها من أجل تبرير العنف الموجه نحوها.

المنظور الثقافي لشرعنة العنف

يفترض هذا المنظور أن شرعنة العنف لها أصول ثقافية عميقة في المجتمعات الإنسانية، إذ يمكن أن تعمل الثقافة على تثقيف المجتمع بواسطة تأييد بعض الأفعال العدائية، بمعنى الإقرار بشرعية الأعمال العدوانية، بوصفها وسيلة للحفاظ على تماسك المجتمع، وتهذيب وضبط أبناء الجماعة، وهذا ما يعمل على تشريع العنف، وجعله سلوكاً مستساغاً في التعاملات اليومية. وترى النظرية أن الثقافة يمكن أن تشرع العنف من خلال أدواتها الثقافية مثل الأمثال والقصص والفن والأفلام، حيث تشجع العنف وتسمح به بوصفه استجابة للتغلب على العقبات المختلفة.

ويمكن القول إن المجتمع العراقي يزخر بالعديد من الأمثال والحكايات الشعبية والقصص الأسطورية، فضلا عن الفتاوى التاريخية التي تشرع العنف وتوجب طاعة الخليفة المنصب من الله!!، وتحريم الخروج عن سلطته. إن هذه النماذج يمكن أن تهيئ البنية العقلية (منذ الطفولة) على تقبل العنف، واستعماله في عمليات السيطرة على الآخر، وإجباره على الخضوع له، حتى لو كان غير مشروع مادام هذا السلوك موجه من سلطة خارجية؛ ووفقاً لنظرية التحليل النفسي، يمثل النظام السياسي والتربوي والاجتماعي (السلطة الأبوية) التي يجب إطاعة أوامرها، والسكوت عنها عند تلقي عقوباتها، وبما أن المجتمع يدعم سلطة الأب، فأن النظام يكتسب شرعيته من المجتمع الذي يرسخ وجوده.

أوهام ستوكهولم

تعد متلازمة ستوكهولم أحدى العوامل المؤدية إلى شرعنة العنف، وتشير هذه الظاهرة إلى تأييد الأفراد لسلوكيات العنف الموجه نحو أبناء جماعتهم، والتضامن مع المعتدين، ومحاولة تبرير أفعالهم بمجموعة من الأسباب والمبررات، إذ أن الأفراد الذين يقعون تحت تأثير هذه المتلازمة يظهرون مشاعر إيجابية مع الجناة تصل الى درجة الدفاع والتضامن، رغم معرفتهم بما أصاب الضحية من أذى جسدي ونفسي وخسائر مادية، ويظهر هذا التضامن على شكل تأييد لفكر المعتدي، ومساعدته في بعض الأحيان، والوقف بالضد لمن يحاول انتقاده؛ ورغم استغراب البعض لهذه الظاهرة، إلا أن علماء النفس وجدوا أنها وسيلة لحل مشكلة التعايش مع الجلاد، والتوافق مع نواهيه وعواقبه، من خلال التعاطف معه، وإظهار التأييد له، وبهذا فأن إيمان الضحية بنفس مبادئ وأفكار النظام يضمن عملية حمايتها وبقائها، لأن من يكتسب خصائص النظام وهويته، يصبح جزءاً منه، ويحافظ على ذاته من الأذى والقهر.

خصائص المشرعين للعنف

يحمل الأفراد الذين يشرعون سلوكيات عنف النظام ضد المواطنين سمات وخصائص شخصية مشتركة، إذ يفتقد هؤلاء الأفراد لمظاهر الديمقراطية والكرامة والرغبة في التحرر، فهم ينزعون نحو فكرة الهيمنة، وينتقدون فكرة حرية المواطنة، ويميلون نحو الحفاظ على النظام بما هو عليه من مساوئ وبطش وظلم. ويمكن القول إن هؤلاء المخدوعين بأصولهم الثقافية السلطوية يؤمنون بالماضي، وتسيطر عليهم الأساطير والخرافات، ويظهرون درجات مرتفعة على سمة العصابية، والعدائية، وفقدان الثقة الاجتماعية المتبادلة، ويشعرون بالخوف والقلق عندما يواجهون مظاهر جديدة من التمدن والحداثة والانفتاح. كذلك تبين الدراسات (Lexington& Volkan,1997; Bar-Tal et.al,2009) إلى أن الذين يشرعون عنف السلطة لا يؤمنون بالمساواة بين جميع الإثنيات ، ويظهرون تحيزاً تجاه جنسهم، ويدعمون نظامهم الأبوي، والتراتب الاجتماعي بين الطبقات الاقتصادية.

هل نحتاج فعلا إلى تبرير النظام؟

يقول عالم النفس الاجتماعي "جوست" إننا نملك ميلاً نفسياً واجتماعياً لتبرير ودعم النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحالية، إذ نحن في كثير من الآحيان نحتاج الى حماية هذه النظم لأنها تساعدنا في السيطرة على البيئة، وتخفيض مشاعر الخوف والقلق من عدم وجود نظام حاكم، وتطوير الإحساس بالواقع المشترك مع الآخرين، وبهذا يندفع الناس إلى الدفاع عن النظام ومساندته وتبرير أفعاله حتى لو كانت ظالمة وقاسية تجاه أبنائه. ورغم مصداقية هذه النظرية إلا أن الباحثين وجدوا أن تبرير النظام لا يستمر لفترة طويلة من الزمن، ولاسيما عندما يصاب النظام بتدهور خطير في وظائفه وشرعيته، وهذا ما يجعل الناس عاجزين عن إيجاد مبررات مقنعة لبقائه، مما يدفعهم نحو البحث عن نظام جديد يلبي حاجاتهم واستقرارهم وطموحاتهم، ومن هنا تظهر عملية التغيير الاجتماعي والسياسي، والبحث عن بدائل أخرى. 

أستاذ وباحث في جامعة القادسية

تعليقات الزوار

  • حامد الخالدي

    حياك الله استاذ كانت مقاله مثمرة ومفيدة وترتبط بواقعنا المرير.دمت بخير

  • حيدر عبدعلي

    حياك الله استاذي مقاله رائعه جدا استمر

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top