ليس بالصدقات...

آراء وأفكار 2019/10/12 06:52:40 م

ليس بالصدقات...

 د. لاهاي عبد الحسين

لم تجف بعد دماء الصبية والشباب الذين أستهدفوا قبل أيام في عدد من المحافظات العراقية ومنها بغداد والمثنى وواسط وذي قار وميسان والقادسية وهم يحملون الأعلام العراقية أو الحسينية ليقرر مجلس النواب العراقي رفع جلساته إلى ما بعد الزيارة الأربعينية.

يعلم مجلس النواب العراقي جيداً أنّ الزخم البشري خلال هذه الفترة يتحول تدريجياً بإتجاه محافظة كربلاء مما يجعل العمل في بغداد ممكناً وبخاصة لمن يتخذ من المنطقة الخضراء مقراً للسكن والإقامة إلى جانب الظروف الخاصة والإستثنائية التي تتطلب مزيداً من العمل وليس إنقاصاً أو تهرباً منه. ظهر الرئيس الألماني فرانك والتر شتاينمر قبل يومين على شاشات التلفزة حاملاً الورد بيديه ليعزي بمقتل شخصين إثنين فقط في عمل إرهابي مؤكداً أنّ الدولة وإنْ لم تكن سبباً مباشراً فيما حدث بيد أنّها تتحمل مسؤولية كبرى في حالات من هذا النوع لأنّها الراعي والحامي لمواطنيها. وهذه تظاهرات الشباب في هونغ كونغ تستمر للأسبوع التاسع عشر على التوالي ضد مشروع قانون يقضي بتسليم المجرمين إلى الصين. تراجعت الحكومة عن مشروع القانون ولكنّ التظاهرات استمرت بسبب الإجراءات التعسفية التي استخدمتها لتفريقهم وإجبارهم على الإنصياع. الشعوب لا تستكين بطبيعتها. فكيف وقد صدرت في العراق تصريحات وظهرت فيديوهات وقوائم بأسماء الضحايا تبرهن على ضلوع أطراف حكومية أو من يحسب عليها بتجاوزات أدت إلى إزهاق أرواح مئات الشباب وآلاف الجرحى! 

لم تخرج الإجراءات الحكومية في العراق على زحمتها والموسيقى العسكرية التي ترافق الإعلان عنها عن نطاق اطلاق الوعود لحل مشاكل المتظاهرين من خلال الإعلان عن تشكيل اللجان وتكليفها بدراسة مشروعات قوانين يمكن تضمينها في موازنة العام القادم والشروع بدراسة توسيع حدود البلدية والتفكير بحل الإشكالات القانونية والإدارية والبيروقراطية، إلخ. ولم تتعد تحليلات المراقبين والمحللين المتكررين على القنوات الإعلامية الصديقة للحكومة عن دائرة التطمين والتعجب وأحياناً كثيرة السب والشتم لمن يتهم بزعزعة حالة الأمان والإستقرار والسلام التي تنعم بها البلاد!. فات هؤلاء إدراك أنّ للأمان والإستقرار والسلام حدوداً جغرافية وأخرى اقتصادية واجتماعية ينعم فيها البعض فيما يجرد منها البعض الآخر. وهذا ما أدى إلى تظاهرات تصاعد سقفها بصورة طبيعية من تظاهرات مطلبية محدودة إلى أخرى تطالب بتغييرات جوهرية تطال النظام السياسي برمته.

لعل الأكثر أهمية أنّ مشكلة الدولة في العراق وبضمنها الحكومة تكمن في غياب نظرة أساسية تقرب من أنْ تمثل فلسفة لها يصبح معها ممكناً أنْ تضع معالجات حقيقية وفق تصورات شمولية تخلصها من حزمة القوانين والقرارات المتعددة التي تختلط بها الجماعات وتتشتت فيها الموارد مما يساهم في إضعافها وبعثرة الجهود التي يمكن أنْ تكون صادقة فيها. ليس واضحاً ما إذا كانت الدولة تتعمد ذلك أم أنّها تفتقر فعلاً إلى القدرة على تبني تصور يمكنها من وضع كل شيء في نصابه. يبدو هذا واضحاً من خلال اقتراح السيد محمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب اقتطاع نسبة من دخول أعضاء مجلس النواب العراقي ووضعها في صندوق مصرفي يخصص لتقديم منح مالية مستعجلة للشباب المحتاجين إليها والتي قدرها بما لا يقل عن ترليوني دينار عراقي. وصدر ضمن مبادرات من هذا النوع الوعد بكثير من الدراسات وتكليف اللجان والإستماع إلى مطالب المتظاهرين وتوزيع الأراضي على العوائل المستحقة لها. 

مما يؤسف له أنّ كل هذه الأفكار المتواضعة التي لا تداوي جرحاً على حد زعم التعبير الشائع تقع ضمن ما يسمى بسياسة "الصدقات" والتفضل من أعلى إلى أدنى. فما قيمة استقطاعات مؤقتة لشراء تهدئة قصيرة الأمد لا تعالج أوضاعاً حقيقية وتكتفي بتسكينها في أحسن الأحوال! تشير إجراءات من هذا النوع إلى أحد أمرين: إما أنّها تعبر عن جهل بصنعة الإدارة السياسية كعلم وعمل يتطلب الكثير من المتابعة والمراقبة والحضور للمسؤولين المعنيين وإما أنّها تعبر عن تقصد في الإهمال والإستبداد والإصرار على الإستهانة والإزدراء بالمجتمع. يعرف ويدرك المواطن العراقي جيداً حقوقه وهو لذلك يعرف الطريق لحل أزماته. ولعل من أوائل ما ينبغي اتخاذه ليس فقط الوعد بإطلاق قوائم بأسماء الفاسدين والتطرق إلى حيتان الفساد دون النيل منها وإنّما بإستئصال أسباب الفساد ابتداءً من إلغاء تقاعد البرلمانيين بأثر رجعي واسترجاع الأموال التي نهبت بهذه الطريقة بمبررات قانونية مزيفة. يكتفى لأغراض عمل النائب بتخصيص منحة مالية لا تزيد على خمسة ملايين دينار عراقي على افتراض أنّ لديهم ما يقومون به اجتماعياً وتحجب هذه المنحة حال الخروج من عضوية المجلس بالخسارة أو التغيير أو أي سبب آخر. يأتي مع هذا شطب كل الإمتيازات المالية الأخرى للسكن والطعام بما فيها تناول الشاي والقهوة أثناء العمل ليتحملها العضو من ميزانيته الخاصة ومعالجة أوضاعه الصحية أسوة بباقي موظفي الدولة العراقية. يضاف إلى ذلك التخلص من الأعداد الفائضة للمستشارين ممن جاءوا لأغراض سياسية هدفها الترضيات والموازانات المريبة لما لذلك من إرهاق لميزانية الدولة وهيكيلتها البشرية.

يلاحظ أيضاً الوعد بتخصيص قطعة أرض توزع على أرباب العوائل. وهذه واحدة من الأمور التي يتحتم النظر إليها بمنظار واسع ومستقبلي. إذ يحدث أنْ تتغير العوائل وتتشعب وتتقدم أعمار أعضائها. يؤخذ في هذه الحال التوزيع بحسب الأفراد لتفادي التصادمات ولحماية العائلة من المنافسات غير المشروعة التي يمكن أنْ يمارسها البعض الأكثر هيمنة على البعض الآخر من حيث العمر والجندر. ستعاني النساء على وجه التعيين من انعدام العدالة على هذا الصعيد مما يؤدي إلى تمكين الرجال وتقويتهم وإضعاف النساء. يمكن أنْ يساهم التوزيع على أساس الملكية المشتركة للزوجين أو الوالدين إلى تعزيز مكانة الزوجة والأم ويقي من احتمال استئثار الزوج أو الأب في حال سجلت القطعة بإسمه فقط. وفيما يمكن للحكومة أنْ تتصرف آنياً وجراحياً فإنّ على المختصين في مجال القانون والعلوم الاجتماعية أنْ يتعاونوا لإحداث التغييرات القانونية اللازمة بما يعزز سلطة الفرد ويحميه من أي تسلط محتمل سواء قبل الزواج كونه عضواً في عائلة أو بعد الزواج عندما يشرع بتأسيس عائلته المباشرة. ويأتي هذا منسجماً مع ما جاء في دستور 2003 المادة (30) الذي نص في المادة أولاً: تكفل الدولة للفرد والأسرة وبخاصة الطفل والمرأة – الضمان الاجتماعي والصحي والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة". 

لعل أكثر مشروعات القوانين أهمية العمل على شمول كل العراقيين بقانون التقاعد والضمان الاجتماعي للحد من النزعة للحصول على وظيفة حكومية تتمثل ميزتها الرئيسية في هذا الجانب التطميني في المستقبل. فلو أحتسبت الخدمة التي يقوم بها المواطن في أي مجال لما لا يقل عن سنة كاملة لأغراض التقاعد والضمان الاجتماعي وأضيفت خدمته في أي مجال آخر يخوض فيه لأمكن له أو لها مراكمة الخدمة والتشجيع على الإنطلاق في مجال العمل دون الخشية من ضياع الجهود والحماية من احتمالات المرض والشيخوخة. سبق للرئيس جلال الطالباني أنْ أصدر أمراً لتمكين أي مواطن قضى ما لا يقل عن سنة في الخدمة الحكومية ليحصل على تقاعد كامل وإنْ كان غادر البلاد أو ترك الوظيفة بسبب ظروف الحصار وما إليها. استفاد من هذا القرار أعداد من المواطنين إلا إنّه أوقف فيما بعد. يلاحظ أنّ القرار خص المشتغلين بالمؤسسات الحكومية فقط ولم يشمل القطاع الخاص. سيكون ممكناً حل كثير من الإشكالات على مستوى العمل إذا ما شرع قانون يضمن للمواطن احتساب الخدمة التي يقوم بها لأغراض التقاعد والضمان الاجتماعي في القطاع الخاص كما في القطاع الحكومي وبأثر رجعي لشمول الجميع والتأسيس لحياة حرة كريمة. وتبقى القدرة على تبني مشروعات قوانين شاملة وجذرية من هذا النوع رهن الإرادة السياسية الحازمة والصادقة إذا ما أريد حقاً القيام بما يلزم لحماية حقوق المواطنين في ثروات بلادهم وإمكاناتها الكبيرة التي يبصرونها ولكنّهم لا ينالون منها شيئاً. ستتدفق تظاهرات الاحتجاج فيما عدا ذلك للمطالبة بالحقوق وتأدية الواجبات على الضد من إرادة المستحوذين على المغانم والإمتيازات بلا حساب. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top