إلى عدنان حسين.. عندما يبكي الكبار

إلى عدنان حسين.. عندما يبكي الكبار

إنهمار الدمع لا يشبه بعضه، فبكاء البعض حرقة، والاخر بصمت موجع يشبه الفراق، وثالث ربما مجاملة، لكنه في النهاية بكاء، لكني وجدت بكاءً لا يشبه الاخر، انه بكاء الكبار، ليس بسبب عدد سنوات العمر، وانما لانهم لا يفرطون بدمعهم الا عندما يفتقدون السبل الاخرى للتعبير عن الإلم الذي يسكنهم،

 عندما يعجز الوجه او اليد عن قول ما يختفي خلفهما، عندما تتعثر الكلمة في محاولتها الوصول الى نطقها، عندما يتوقف اللسان وتبدأ العيون بجمع كل الحواس في مركزها، لتقول الوجع الذي يفوق التصور.

قلة قليلة تلك التي تفهم لغة العيون التي باتت نافذة للروح والقلب، وحتى الضمير..

اتذكر حبيب عمري ليلة رحيله بكى وقال لي:

- سعاد، لن انجو مما انا فيه. وبكى، وبكيت، وبكينا معا، هذا البكاء سيبقى معي الى الابد..

لا استطيع تحمل انكسار محبي الحياة، لانهم الضوء في الامل، وبهم تحيا الالوان وتشع، هم الصورة التي تبث جمالها بكل الازمان، لذلك أكره من يلتقط صورا تذكارية مع هؤلاء وهم على فراش الانكسار، ولا اقول المرض، لاني لا احب التباهي بصحتي، ان وجدت، امام مرض الاخرين.

عدنان حسين صديق عمري، لا اتخيله الا بحيوية طافحة وابتسامة اوسع من وجهه..حبه للحياة اقوى من مرضه، لذلك وجدته في حالة صراع وعناد مع انكساره..وستبقى صورته هكذا، لانه لن يكون غير ذلك، عطاء وابتسامة وينبوع حب لن يتوقف عن الجريان والعطاء..

عندما دخلت غرفته، نظر بإتجاهي وابتسم، فسألته هيفاء (زوجته): هل تعرف مَنْ هذه؟ اجابها: سعاد الجزائري. بعض الوجوه والاسماء تغيب عن سطح ذاكرته، وعندما ذكر اسمي، شعرت بسعادة، لاني مازلت اقبع في زوايا روحه..اثناء حديثي معه، الذي لم يكن طبيعيا، اخبرته عن المواضيع التي كتبت عنه، واخبرته عن محبة الناس له، كنت اعتقد، وانا اتحدث عن الموضوع، انه سيُسعد، او هكذا تخيلت الامر، صمت، نظر في وجهي طويلا، ثم اجهش بالبكاء...اقتلع قلبي عندما انهال دمعه، بكى المحبة، وبكى عدم قدرته على التفاعل معها، وبكى زمنا بدأ يكسرنا الواحد تلو الاخر، تركت يده النحيلة قبل ان ينزل دمعي امامه، خرجت بسرعة لاستنشق بعمق دخان سيكارتي وازفر بقوة دمعي لان عدنان لم يبتسم مثلما عرفته في منتصف السبعينيات.. ولان حبيبته هيفاء غابت ضحكتها، وفرح تحاول ان تكون مثل اسمها، لكنها عندما تختلي بروحها، ينقلب اسمها الى نقيضه..

وبكى في اليوم الثاني عندما اخبرته انهم سيفتتحون شارعا وسط بغداد بأسم شمران الياسري، ولا اعرف هل بكى بغداد، ام شوارعها التي قطعها طولا وعرضا، ام بكى القدم التي لم تعد تحمله على الوقوف..

حب عائلته ومحبيه اكثر من قدم وطاقة له، لكننا اعتدنا مع تلك المحبة والوفاء ان نقف على اقدامنا، وهنا تكمن قوة الانسان، عندما يتلامس مع الارض من جانب، وعندما يتمازج فكريا وروحيا مع الاخرين، وعدنان يمتلك القوتين لذلك سيقف معنا لانه طاقة ايجابية لا تنضب، حتى وهو على فراش مرضه، يمنح من حوله تلك الابتسامة المطفأة قليلا لكنها ابتسامته وروحه..

لهذا قلت ان بكاء وفرح الكبار لا يشبه الاخرين...لانهم كبار...

لن اقول وداعا يا عدنان، لانك رحلت لفترة قد تطول..

 سعاد الجزائري

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top