الترجمة.. مُحاولة لمساءلة الواقع الترجمي في عالمنا العربي

الترجمة.. مُحاولة لمساءلة الواقع الترجمي في عالمنا العربي

لطفية الدليمي

القسم الثاني

واقعُنا الترجمي العربي : تشخيصات واقع الحال

لاأرى مثلبة في توصيف حالنا كما تقول به الحقائق الصارمة على الأرض والتي مفادها أننا عاجزون عن مواكبة التفجّر المعلوماتي في كلّ مناحي المعرفة ؛

إنما لاينبغي لهذا الإعتراف النبيل أن يكون واجهة أو تكّأة تخفي التقاعس والتكاسل في أداء واجباتنا الترجمية الممكنة ، وهي ممكنات متعددة الآفاق وليست بقليلة أبداً. 

إنّ أيّ تصوّر أحادي للنهوض الترجمي لاينفصل - حاله في هذا مع أي جانب آخر من جوانب الحياة - عن الوضع العام الذي يقوم على أعمدة ثلاثة : السياسي والإقتصادي والثقافي ؛ إذ سيكون من باب الأحلام اليوتوبية غير المنتجة أن نتصوّر إمكانية النهوض بجانب وسط تخلّف مدقع تعيشه الجوانب الأخرى وبخاصة إذا كان الحديث يجري في سياق عمل مؤسساتي تنهض به الدولة .

إنّ الجهد المؤسساتي ( سواء على مستوى الدولة أو القطاع الخاص ) ينبغي أن يتمحور في مسألتين إثنتين فحسب : توفير تمويل مناسب بميزانيات معقولة ، ثمّ توفير منفذ لوجستي على صعيد إختيار الأعمال المطلوب ترجمتها مروراً بفعاليات الإخراج والطباعة والتسويق . 

أقدّم في النقاط التالية إشارات دليلية ( أراها مرجعية ) بشأن المثالب التي تكتنف الجهود الترجمية في عالمنا العربي : 

1 . تغليب شكل خاص من الأدب على المباحث المعرفية الأخرى : قد يشعر البعض بدهشة غير مسبوقة إذ يراني - أنا الكاتبة المحسوبة على جمهرة الروائيين والأدباء - أرى في تغليب الأدب على ماسواه من الجبهات المعرفية مثلبة ؛ لكني أرى الأمر طبيعياً بعد أن ينال كفايته من كشف الغطاء عن الخفايا الدفينة . 

ليس الأدب مثلبة في ذاته بكلّ تأكيد مثلما لم يكن مثلبة في كلّ تأريخه ؛ لكنّ المثلبة تكمن في أننا نستطيب الأدب الذي عرفناه قبل عقود عدّة من الزمن ( وبخاصة في حقل الرواية ) وننسى أنّ الأدب الحقيقي - كما العلم والتقنية - كينونة دينامية غير جامدة ، وليس أمراً غريباً أبدا أنّ العديد من الروائيين والأدباء العالميين صاروا أقرب إلى خبراء في ميدان العلم والتقنية والإشكاليات الفلسفية المعاصرة والمعضلات البشرية الكارثية التي باتت تهدّد الوجود البشري ؛ وعليه لن يكون أمراً مقبولاً بعد اليوم أن نتعامل مع الأدب المترجم وكأنه جزيرة معزولة يُراد منها توفير ملاذات للشعور بالسكينة الخادعة الأقرب إلى فعل ( المكيّفات العقلية ) . المتعة مطلوبة في الأدب المترجم ؛ لكنما المعرفة مطلوبة أيضاً ، ولو أجرينا مسحاً عاماً تقريبياً لوجدنا أنّ أغلب الروائيين المرموقين في العالم ( على شاكلة إيان ماك إيوان مثلاً ) صاروا مهجوسين بكتابة روايات تتناول الوضع البشري في حقبة سيادة الذكاء الإصطناعي وخوارزمياته الحاكمة ؛ وعليه فإنّ من يتعمّد ترجمة الأعمال الأدبية ( الخفيفة ) التي تترك المرء يعيش تهويماته الزائفة إنما سيكون مشاركاً في ( حفلة التفاهة ) التي يصفها الروائي العالمي ( ميلان كونديرا ) في أحد كتبه المنشورة . 

2 . الإيغال في الرطانات الفكرية التي جاءت بها صرعات مابعد الحداثة : لطالما تساءلتُ وأنا أنهي قراءة كتاب يتناول موضوعة من الموضوعات مابعد الحداثوية ( بنيوية ، تفكيكية ، تحليل الخطاب ، ألسنيات ، سيميائية ،،،،، إلخ ) : هل تستحق هذه الرطانات اللغوية المفككة العبء المسفوح في ترجمتها ؟ وهل ستساهم في تعظيم رصيدنا الثقافي والإرتقاء بذائقتنا البشرية ؟ يبدو لي أنّ الإرتماء في أحضان هذه الترجمات إنما هي (حيلة) يريدها البعض لكي يتملّص من عبء المساءلة الدقيقة لمادته الترجمية فيما لو كانت في ميدان معرفي ذي قواعد ناظمة وحاكمة محدّدة ؛ أما هذه التهويمات الموهومة بأوهام البلاغة المستحدثة والفصاحة الجديدة فليست سوى رطانات تهدر المال والوقت والجهد وبخاصة بعد أن تراجعت حركة ( مابعد الحداثة ) وأخلت مواقعها للمصنّفات العلمية والتقنية والفلسفية الرصينة . 

لم يعُد من اعتبار يذكر للرطانات اللغوية والفكرية المتعجرفة التي تدّعي السعي وراء الأفكار الكبيرة ؛ بل صار المقياس الحاسم هو التأثير الإجرائي في طبيعة الحياة ، ومفاعيل هذا التأثير في إعادة تشكيل الحياة بالكيفية التي يدركها الفرد في حيثيات حياته اليومية .

3 . أخدوعة ( الإعداد ) في الترجمة: ليست قليلةً تلك الكتب المترجمة التي يضع مترجموها على غلافها عبارة ( ترجمة وإعداد) ، وقد بلغ الأمر عندي مبلغ أن أتحسّب وأتوجّس خيفة من أن تكون تلك الأعمال منطوية على مثالب بسبب ذلك الإعداد الترجمي ، والخيفة عندي مسوّغة مشروعة لسببين : الأول هو معايشتي الميدانية والمهنية لفضاء الترجمة ومايعتوره من مكابدات ومشقات مضنية عندما عملت لسنوات طويلة في مجلة ( الثقافة الأجنبية ) العراقية ، وأما السبب الثاني فهو عملي في حقل الترجمة ذاته ، وقد أتاح لي هذا العمل قراءة الكثير من المصنّفات الترجمية والتعرّف على أسماء مترجمين عديدين وأعمالهم العديدة كذلك ، وبالطبع تتيح المعرفة المهنية جوانب مخفية يستكشفها العقل البشري الذي يقرأ قراءة مدققة هي غير القراءة المسترخية التي يسعى لها المرء بغية المتعة الخالصة وحسب . 

أعود لعبارة ( ترجمة وإعداد ) هذه فأقول : الترجمة فنّ مثلما هي أخلاقيات عمل ، وهي - مثل أية مهنة سواها - تقوم على قاعدة أخلاقيات وأعراف عمل حتى لو كانت غير مكتوبة لكنّها راسخة عالمياً ويعمل الجميع على هدي مبادئها التي لاتقبل الزيغ او الإنحراف .

تحمل الترجمة بصمة المترجم وروحه في نهاية المطاف ، وليس ذلك بالأمر المعيب أو المنقصة غير المحمودة ؛ إذ كم قرأنا ترجمات مختلفة لعمل واحد بذاته إختلفت القيمة الترجمية فيه إختلافاً مشهوداً تسبّب في خفوت صيت ترجمة وإعلاء شأن أخرى ، وليس كتاب (الإستشراق) للراحل طيب الذكر (إدوارد سعيد) ببعيد عن الذاكرة !! . لست هنا معنية بجودة الترجمة وأدوات المترجم التي كُتِب عنها الكثير ؛ وإنما أتوجّه بالتحديد لموضوعة (أخلاقيات الأمانة الترجمية) : كلّ كتاب يعتزم المترجم ترجمته هو أمانة ووديعة إستودعها مؤلفه بين يديه ، والمرجوّ من المترجم أن يحافظ على هذه الوديعة بأقصى قدراته المستطاعة ، ومن معالم حفظ الوديعة هو تجنّب الحذف أو الملاعبة أو الإستطراد أو التعبير عن النص المترجم بطريقة يجري معها إسقاط فكر المترجم ورغباته المسبقة على النص المترجم ، وقد يجري الأمر لدى المترجم مجرى التيار الجارف والأهواء غير المنضبطة التي لايستطيع لها دفعاً ، وفي هذه الحالة يتوجّب عليه وضع أمانة الوديعة المترجمة ماثلة أمام عينيه كلّما راوده هذا الهوس الشخصي الجارف في إسقاط أفكاره على المادة المترجمة . 

ربّما تكون عبارة ( إعداد وترجمة ) مراوغة سايكولوجية وقانونية يّراد التعكّز عليها متى ماوُجِد في النصّ المترجم إختلافات كبيرة تحيد به عن الأصل ، ولعلّ عبارة ( إعداد وترجمة ) في وقتنا الحاضر هي النظير المعاصر الملطّف لعبارة ( ترجمها بتصرّف ) شديدة الوقاحة التي كانت سائدة فيما مضى . كيف يجوّز البعض لنفسه التصرّف بوديعة فكرية بين يديه ؟ 

حصل قبل بضعة شهور أن قرأت نصاً في كتاب مترجم في حقل معرفي هو في صميم إهتماماتي منذ أمد بعيد ، وهالني أن أقرأ في موضع منه حشداً من المفردات التي تذكّرنا بكتاباتنا النقدية السائدة ، وعندما عدتُ لمطابقة النصّ المترجم مع النص الأصلي أوجعتني الرخاوة التي تصرّف بها المترجم مع النص ، والكمّ الفاحش من إسقاطاته الذاتية عليه . 

القاعدة في الترجمة إذن : الأمانة هي الأساس ، والإضافة مقبولة إذا ماكانت مسوّغة ومؤشّرة بأنها للمترجم بقصد إثراء النص ؛ أمّا الحذف والتلاعب والإجتزاء الكيفي وحرف المعنى عن أصله فتلك مثالب مستهجنة مرذولة . 

4 . غياب معالم عصر ( مابعد الإنسانية ) في جهدنا الترجمي : 

بات مصطلح ( مابعد الإنسانية Posthumanism ) في أيامنا هذه واحداً من أكثر المصطلحات تداولاً ، ويمتاز هذه المصطلح بخصيصة فريدة تجعله مختلفاً عن المصطلحات السابقة له ؛ إذ أنّ هذا المصطلح هو الأول من نوعه الذي تمّت هيكلته بدفعٍ من التطوّرات الثورية في العالم الرقمي وليس بتأثير مواضعات آيديولوجية صرفة - أو مطعّمة ببعض المؤثرات غير الآيديولوجية - مثلما كان يحصل سابقاً . 

يرتبط عصر ( مابعد الإنسانية ) إرتباطاً وثيقاً مع الذكاء الإصطناعي والبيئة الرقمية ، ولن يمكن فيه للإنسان متابعة إستمرارية وجوده من غير دعمٍ ( جزئي أو كلي ) من الوسائط الرقمية التي ستتجاوز مرحلة الوسائط الخارجية ( مثل الذاكرات الحافظة للبيانات ، الهواتف النقالة ، قارئات الكتب والنصوص ،،، الخ ) لكي تصل مرحلة التداخل البيولوجي مع وظائف الكائن الحي ( الرقاقات المزروعة في الدماغ البشري ، أجهزة تدعيم السمع أو الرؤية ، الوسائط التي تسمح بخلق بيئات إفتراضية ذات سمات محددة . 

ماذا نحن فاعلون أزاء مرحلة ( مابعد الإنسانية ) هذه ؟ صحيح أن العديد من بلدان العالم قد لاتكون مساهمة مباشرة في هذه الثورة الرقمية ؛ غير أنّ الأهمّ هو أن نعرف كيف نتعامل مع نتائجها ومفاعيلها : كيف سنتعامل مع حقل التعليم الذي سيشهد ثورة جذرية تعيد تعريف دور كل من الطالب والأستاذ والبيئة التعليمية ؟ كيف سنتعامل مع فرص العمل التي ستشهد ولادة أعمال جديدة مثلما ستشهد إختفاء أعمال أخرى ؟ إنّ الجهد الترجمي العربي يبدو فقيراً للغاية في هذا الميدان ؛ الأمر الذي ينبغي التنبّه إليه ومعالجته بصورة جذرية بدلاً من المكوث في دوّامة الترجمات العبثية التي لاتتحسّس نبض العصر القادم عمّا قريب . 

5 . غياب المترجمات الخاصة بالفروع المعرفية المتداخلة :

صارت الفروع المعرفية المتداخلة Interdisciplinary واحدة من أهمّ السمات المميزة لعصرنا هذا وإلى الحدّ الذي ماعدنا فيه اليوم نقرأ موضوعات في الجبهات المتقدمة للعلم والتقنية من غير أن نلمح أثراً من هذا التداخل المعرفي ، ولعلّ شيوع نظرية الأنساق Systems Theory هو العنصر الأكثر فعالية الذي ساهم في إشاعة هذا النمط المتداخل بين المباحث المعرفية وبما يمنحنا رؤية كلية للحياة والفكر والكائن البشري بدلاً من إعتبارهم جزراً معزولة . إنّ مباحث مثل : السايكولوجيا الإحتسابية Computational Psychology ، أو الفلسفة العصبية Neurophilosophy ، أو النظم الدينامية الفوضوية Chaotic Dynamic Systems ،،، إلخ ماعادت مباحث تبعث على الدهشة لدى الشغوفين ؛ لذا يتوجّب أن تحوز مثل هذه المباحث على حصة معقولة من الوليمة الترجمية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top