تظاهرات الشباب (3)

د.قاسم حسين صالح 2019/10/28 06:47:18 م

تظاهرات الشباب (3)

العقد السيكولوجية في العقل السياسي العراقي

د.قاسم حسين صالح

تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن ما امتازت به تظاهرات الفاتح من تشرين أول/اكتوبر2019،وثقافة التظاهر وسلوك الاحتجاج. في هذه الحلقة نحلل عقل وشخصية من كان السبب..أعني الحاكم العراقي.

اللافت أن الحياة السياسية في العراق لم تفرز بعد التغيير قائداً سياسياً بمستوى رجل دولة. ومع أن المحللين السياسيين يعزون ذلك الى أن التغيير في العراق جاء بتدخل أجنبي،فإننا نرى أن القوى السياسية العراقية كانت أشبه بفرق عسكرية متجحفلة في خنادق، لكل خندق عنوان وقائد..يجمعها هدف واحد هو التخلص من النظام،وتفرّقها مصالح حزبية وطائفية وقومية..ولأن ما يجمعها ينتهي بانتهاء النظام،فإن المصالح تتولى اذكاء الخلاف فيما بينها على حساب المصلحة العليا الخاصة بالوطن..وهذا ما حصل، فالشخصية السياسية العراقية اعتمدت بعد التغيير العزف على الوتر الطائفي لترويج نفسها بين طائفتها تمهيداً لفوزها بالانتخابات..ومنها تحديداً نشأ ما اصطلحنا على تسميته :(البرانويا السياسية) التي كانت أحد أهم أسباب الكارثة العراقية بعد التغيير، وأكدت لنا نحن المعنيين بالاضطرابات النفسية أن في القادة السياسيين العراقيين من " الأفندية" و"المعممين" فرقاء مصابون بـ(البرانويا) التي تعني بمصطلحات الطب النفسي أسلوبا أو شكلاً مضطرباً من التفكير يسيطر عليه نوع شديد وغير منطقي ودائم من الشك وعدم الثقة بالآخر،ونزعة ثابتة نحو تفسير أفعال الآخرين على أنها تهديد مقصود.ولهذا فأنه يحمل ضغينة مستديمة لمن يخالفه الرأي(العلماني مثلاً) ويرفض التسامح عما يعدّه إهانة اعتبار جسّدها المتظاهرون باهزوجات موجعة( الله أكبر ياعلي الأحزاب باكونه - ما نريد حاكم ملتحي نريد حاكم يستحي..)، وإنه على استعداد للقتال أو المقاومة والإصرار بعناد على التمسك بالسلطة بغض النظر عن الموقف..تجسّد ذلك في ( احتجاجات تموز ر 2018)، وفي تراجيديا تظاهرات الفاتح من تشرين أول/اكتوبر 2019.

وللتذكير،إن تظاهرات( 2011) طالبت بمحاسبة الفاسدين،فحماهم السيد نوري المالكي بمقولته الشهيرة التي ستدينه تاريخياً (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها)، وواصل حمايتهم بتخدير بالوعود خلفه السيد حيدر العبادي الذي وعد بضربهم بيد من حديد وما فعل.ولأن المتظاهرين هتفوا في شباط 2011( باسم الدين باكونه الحراميه)..فأن الفاسدين أضمروا لهم العقاب بمزيد من الأهمال..ولكم ان تستعيدوا ما جرى من التعامل الشرس والمهين مع المحتجين في انتفاضة تموز 2018.

وللتوثيق،إننا من عام( 2010) كنّا شخصنا العقل السياسي الفاسد في السلطة بمصطلح جديد ادخلناه في علم النفس العربي هو (الحول العقلي)..وهو عملية إدراكية ناجمة عن تعصب طائفي تجبره على تصنيف الناس الى مجموعتين:(نحن) و (هم)..يحّمل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار ويرى أنها على باطل،ويرى جماعته أنها على حق مطلق حتى لو كانت شريكاً بنصيب أكبر في أسباب ما حدث.وقلنا بالصريح إن شخصا بهذه الصفة المرضية لا يصلح أن يكون قائداً لمجتمع تتنوع فيه الأديان والمذاهب والقوميات.

وبالمقابل، تولّد لدى العراقيين اقتران شرطي بين السلطة والظلم ، ناجم عن تكرار السلطات المتعاقبة لممارسة الظلم على الناس. ومع أن النظام العراقي بعد التغيير يوصف بانه نظام ديمقراطي بحسب الدستور ،فإن أقبح ما ارتكبته السلطات الرئاسية الثلاث فيه إنها انتهكت مبدأ العدالة الاجتماعية في الديمقراطية،فاستأثرت بالثروة وتركت أكثر من خمسة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر،فيما هم ينعمون بالرفاهية وتبذير الثروة .مثال ذلك،إن عدد الحمايات لأعضاء مجلس النواب كان 14800 منتسباً يتقاضون 156 مليار دولار من أصل 316 مليار دولار للموازنة المالية لعام 2014،بموجب المذكرة التي قدمها النائب (الراحل) مهدي الحافظ الى رئيس مجلس النواب طالباً فيها تخفيض عدد الحمايات الى النصف.

وعقدة أخرى هي أن العقل السياسي الفاسد مصاب بالدوغماتية(Dogmatism) التي تعني الجمود العقائدي أو الانغلاق الفكري الذي يفضي الى تطرف ديني،مذهبي،قومي أو قبلي،وتعدّ بحسب دراسات علمية إنها – الدوغماتية- أحد أهم وأخطر أسباب الأزمات السياسية والاجتماعية،وإنها(مرض)خالقي الأزمات من القادة السياسيين..ما يعني أن العقل السياسي العراق مأزوم سيكولوجيا ومنشغل فكرياً بالماضي،فيما عقل الشباب منفتح ومنشغل بالمستقبل،وإن الفجوة بينهما هي التي جعلتهما جبلين لا يلتقيان.وللتوضيح.. بسخرية ،فإن تحشيدهم للشباب في مسيرات للطم والنواح يعدونه انجازاً كبيراً وأهم ،عندهم،من توفير فرص عمل لهم!

ومن عام 2008 كتبنا عبر (المدى والحوار المتمدن والمثقف) وقلنا عبر الفضائيات إن قادة العملية السياسية العراقية لن يستطيعوا أن يتحرروا فكرياً من معتقدات ثبت خطؤها،ولن يستطيعوا أن يجدوا حلّاً أو مخرجاً لما هم فيه،بل إنهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي،وقد حصل ما كنّا حذّرنا منه في تظاهرة تموز 2018..وزادوها بشاعة وقبحاً وعاراً بتظاهرات الفاتح من تشرين أول 2019 في سابقة ما حصلت في تاريخ العراق السياسي..ناجمة ،في أحد أسبابها، عن وجود خصومة بين الحاكم العراقي وعلماء النفس والاجتماع،ولأنه اعتاد أن يحيط نفسه باشخاص يقولون له ما يحب أن يسمعه!.

ويبقى التساؤل: الى أين نحن ماضون؟

والجواب تؤكده حقيقة سيكولوجية ،إن الحاكم الذي يسقط اعتبارياً واخلاقياً في عيون شعبه يتحول الى مستبد يفهم أن قمع التظاهرات هي الوسيلة الوحيدة لبقائه في السلطة..وإن تظاهرات الشباب وضعت العراق أمام بديلين: إما ثورة تطيح بالفاسدين ،أو حرب تبدأ بين شيعة وشيعة يكون مشهدها الثاني مواجهة حاسمة بين اميركا وإيران..لمن يكون فيها العراق؟

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top