وجهة نظر: ديكتاتورية اللغة العربية

وجهة نظر: ديكتاتورية اللغة العربية

عفاف مطر

سحر اللغة العربية ومفرداتها كان له الأثر المباشر والقوي في تبوِّئ الشعر العربي وما وصل اليه، لكن ماذا عن السرد؟ وهنا اعني على وجه الخصوص السرد الروائي.

أكاد أجزم أن للغة نفس الأثر المباشر والقوي ولكن ليس في تطورها بل ببقائها في صفوف متأخرة عن صفوف الرواية العالمية، وهذه حقيقة يجب أن نواجهها جميعاً. الأدب هو السقف الكبير الذي ينضوي تحت لوائه الشعر والسرد بكل أشكالهما ومنها الرواية، وهذا يدفع بالضرورة أن يكون كاتب الرواية أديباً.

إن سحرنا باللغة العربية التي تصل حد العبودية والتقديس، جعل التملص من هذه القاعدة أمراً مستحيلاً، على الأقل حتى الآن، فظلّت الرواية حتى الآن كمنتج أدبي تدور في فلك اللغة التي هي أداة الأدب، بعيداً عن الميادين العلمية والتطبيقية الأخرى. في الوطن العربي، لا يكتب الرواية إلا خريجو الآداب، دارسو اللغة العربية، وأحياناً الفلسفة، إلا أنه في كل الأحايين لا يخرجون عن دائرة العلوم الانسانية، فيما يكتب الرواية في الغرب علماء النفس، والاجتماع، والرياضيات والفيزياء والكيمياء والساسة والحكام، والمشاهير وعلماء النبات... الخ انطلاقاً من تجاربهم العلمية والمعرفية في حقول العلم المختلفة، لا يرتدون جبة الأدب ليدخلوا عالم كتابة الرواية، بل ينقلون معارفهم وتجاربهم العلمية الى الناس عبر السرد الروائي، لا يبالون ولا يهدفون أبداً الى اطلاق صفة أو لقب -أديب- عليهم، بل ما يهمهم فعلاً هو كتابة ما يدور في مخيلتهم بعيداً عن كل القواعد والمحظورات، يكتبون بحرية تامة، والحرية أمُّ الإبداع وشرطه. كافكا عميد الكتابة الكابوسية حاصل على الدكتوراه في القانون، تولستوي الذي يروق للكثيرين اطلاق لقب عميد الأدب الروسي عليه، لم يكن إلا مؤرخاً، غارسيا ماركيز درس القانون لكنه لم يكمل تعليمه ولم يحصل على الشهادة الجامعية، الأمريكي أرنست همنغواي لم يحصل سوى على الشهادة الثانوية، وكذلك باولو كويلو الذي ظنّه أباه مجنوناً، لم يحصل سوى على الشهادة الثانوية وغيرهم كثر؛ على سبيل المثال رواية (النمل) الشهيرة، كتبها عالم الحشرات الفرنسي بيرنار فيربر، هذه الرواية حققت نجاحاً باهراً وغير مسبوق، على الرغم من أن الرواية تدور حول عالم النمل، وأبطالها من الحشرات، إذ استفاد فيربر من سنوات حياته الثلاث والعشرين والتي قضاها في دراسة عالم النمل، فوظف الحقائق العلمية فيما يتعلق بسلوكيات هذه الحشرة وأنماط عيشها، وقدراتها المتفردة وتركيبها الفسيولوجي بل وحتى السيكولوجي، في كتابة رواية غير معهودة، مع العلم أن هذه الرواية لا تعدُّ خيالاً علمياً تماماً، بل جعلها واقعاً موازٍ للواقع الذي يعيشه القارئ. كل هذا على العكس مما يجري في عالمنا العربي، إذ لم نجد روائياً عربياً واحد استفاد من العلوم الصرفة أو التطبيقية في كتابة رواية واحدة. جلَّ هم الروائي العربي اللغة والتراكيب اللغوية والمفردات والاستعارة والأسلوب و...الخ ولا نجد عالماً عربياً فكر في كتابة رواية كما فكر وكتب علماء الغرب. لهذا لا عجب أبداً أن تبقى الرواية العربية في مراتب متأخرة أمام نظيراتها في العالم الغربي، ولا نُرجع ذلك إلا لديكتاتورية اللغة العربية، التي مازالت تحكم قبضتها على كل ما يتعلق بالأدب. وما زال الروائي منقاداً لبعض النقاد العرب المتواضعين جداً في نقدهم، لأنهم لم يتجاوزوا حدود صفحات الكتب التي درسوها في الاكاديميات، ولا أسوار الجامعات التي تخرجوا منها، هذه الديكتاتورية التي تمارسها اللغة العربية تحتاج وبالضرورة الى ثورة من الروائيين العرب. فاللغة في السرد الروائي أداة وليست هدفاً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top