نصوصنا ومتاهة هرمس

نصوصنا ومتاهة هرمس

علي حسن الفواز

قد تنطلق فكرة التأويل من الرغبة في تجاوز ماهو ظاهر في النص،الى ما يحمل في جوهره فعلاً أو موقفاً مخبوءاً، وله مرجعيات سياسية أو نفسية، أو آيديولوجية أو دينية،

لكن يظل المنطلق الاجرائي للتأويل هو الكشف عن الممكن والمُحتمل في أيّ نص، وبالاتجاه الذي يحمل دلالات قد تدخل في صياغة كثير من السرديات الكبرى للنصوص والجماعات، حيث تتحصن كل جماعة بتأويلات، لها حصانة النصوص، وبسيميائيات لها قوتها في التعرّف والمشاركة والصيانة..

وهذا مايسبغ على التأويل حمولات خطيرة، ليس على المستوى العلاماتي، أو إزاحة ماهو ظاهر حسب، بل على مستوى تحويل النص الى مجال سري، للتعبير عن أفكار من الصعب جداً المجاهرة بها، أو تداولها في السياق العام المحكوم بمركزيات غامضة..

فبقطع النظر عن التوصيفات المعاصرة للتأويل بوصفه مجالاً للابتكار الاستعاري، أو لعلاقته بمرجعيات لسانية أو ابستمولوجية، فإن الرهان على فعل التأويل يظل- في السياق الثقافي والديني- مجالاً للتسريب النسقي، وللتمويه على مركزيات العقائد والأدلجات، وأن تناول موضوعها يدخل في الكيفيات التي يتم بها توظيف العلامات، أو في ما تكتسبه تلك العلامات من فعل واجراء وتعبير في السياق، وبما يجعل منها أكثر أنماط الخطاب مواجهة للتعصب المعرفي أو غيره ، وكأنها تفترض دخولاً لاواعيا لما يُسمى ب" متاهة هرمس" تلك التي"تتميز بقدرتها على الانتقال من مدلول إلى آخر دون ضابط أو رقيب"كما يقول سعيد بنكراد.

الدخول الى تلك المتاهة يكتسب أهميته من خلاله تجاوزه للطابع المرجعي، العصابي أو النفسي، لأن التأويل يعني- هنا- تفكيكاً للنص، أو حفراً في مستوياته وبنياته، وشروعاً نحو اصطناع دلالات لها مستوى علامي مُشفّر، في الرموز والاسماء والاستعارات والعلاقات، حيث تشتغل العلامات لتؤسس خطاباً قد يكون ضدياً، أو معارضاً، لنقض ماهو ثابت في النص الى ماهو مُتخيّل، أو بما يستق وتلك العلامات الباعثة على إشباعات رمزية، تلعب اللغة فيها الدور الفاعل، مثلما يكون التاريخ مجالها، لأن التأويل قرين بأحداث ومواقف وصراعات، لاسيما تلك التي لها أثر مفصلي في تاريخنا وفي ذاكرتنا الجمعية بدءاً من أحداث السقيفة، ومعركة صفين، وحادثة الطف، والى ماتأسس من جدل عقائدي وتأويلي في علم الكلام..

المتاهة والمعرفة.

تبدو هذه الثنائية متقاطعة في التوصيف، لكنها واضحة في الدلالة،لأنّ التأويل ليس بعيداً عن المعرفة، بل إنه كثيراً ما يدخل في صلبها،لكن دخوله الماكر والموارب يجعلها رهينة المتاهة والاختلاف، وعلى وفقما يمكن أن تبعثه من توليدات دلالية، وقراءات متعددة يشتبك فيها التاريخ مع اللغة، والحقيقة مع نسبيتها، أو مع طابعها البؤري الذي يجعل منها تأويلا لوجهة نظر معينة.

متاهة التأويل قد تدفع الى موت الواقعة، أو إلى الشك بها، مثلما أن المعرفة قد تقود الى الكشف عن وجهٍ آخر لتلك الوقائع، وبالتالي تظل تلك المتاهة قرينة بمتاهة الوقائع ذاتها، ليس للشك بوجودها، بل بإعادة قراءتها، وبمعرفة ماتُشير اليه علاماتها اللسانية، أو الصراعية، وهي قضايا إشكالية نعاني اليوم من تراكمها في اللاوعي الجمعي، والذي خرج من كونه تأويلاً الى كونه مجالاً رمزياً للاقرار بالوقائع، والدفاع عنها، ووضعها بالتالي في سياق التدوين التاريخي الذي يتعاطاه الجمهور.

الشك بالتاريخ، أو بسردياته كما يقول هايدن وايت، هو تعبير على أن التاريخ تكتبه جماعات لها مصالحها، ولها علاقاتها، ولها سلطتها التي تقوم في جوهرها على غلبة سلطة التأويل، وهذا ما دعا بعض المدارس الفقهية الى تكفير التأويل ووصفه بالبدعة، مقابل الانحياز الى ظاهر النص كما يسميه فقهاؤها، رغم أن معرفة هذا الظاهر ليس بعيداً عن التأويل ذاته، بحكم الطبيعة المركزية للمرجعية اللسانية في مسارها الاستعاري او التوصيفي.

متاهة" هرمس" ليس تعبيراً عن محنة التأويل في ثقافتنا العربية-الإسلامية، بل هي تعبير عن أزمة السلطة/ المؤسسة، بوصف أن هذه السلطة المركزية هي القوة التي تملك السلطة والثروة، والحق الرمزي في صناعة العلامات التي تُشير الى مُقدّس السلطة ذاتها، مثلما إنها الإطار المؤسسي- التعليمي والتدويني- الذي يحفظ أو يفرض الأثر والدرس أو يمحوه، وأن رعب التأويل أو الدخول الى متاهته يكمن في لعبة ذلك المحو، فالسلطة تمحو مع معارضيها نصوصهم وعلاماتهم وطقوسهم، لكن موت النصوص في اللاوعي الجمعي صعبٌ للغاية،وأن إحياءها هو مايدخلها في مجال الأسطورة والخرافة والمثيولوجيا،وبالتالي تتحول الى قوة غير عاقلة من الصعب السيطرة عليها، والى مجال لساني يقوم بالاشهار والترميز والتداول، وصولاً الى التأويل النسقي للمُضمر والمسكوت عنه.

 

النصوص واللامحدود التأويلي

حين وضع أمبرتو ايكو مفهوم "السيميوسيس" في سياق التداول السيميائي، بوصفه سيرورة للعلام، أو تعبيراً عن التأويل اللامحدود، فأنه وضع علاقة هذه السيمياء بالنصوص عبر البحث عن المعنى، أو عبر الكشف عن التأويل والتأويل المضاد، واللذين يُخفيان كثيراً من الدلالات، على مستوى السرديات، أو الاستعارات، والتي تسعى في سيرورتها للإيهام بقول الحقيقة، أو الكشف عن المعنى بوصفه استبطانا لأدلجة معينة، أو حتى الإيهام بكتابة نوعٍ ما من المُتخيّل التاريخي..

قراءة النصوص السردية هي المجال الذي يتحرك فيه هذا المفهوم، ليس لأنه محاولة في مطاردة المعنى، أو ربط الايديولوجيا والعقيدة بتأويل غامر في نصٍ ما، بقدر ماهو تمثيل متعال للخطاب، ذلك الذي تستبطنه تلك الاديولوجيا، أو تسعى الى تيسير تأويله، في سياق التعبير عن السلطة، أو عن الافكار والشعارات والطقوس، أو سياق كتابة القصص والروايات والسير والأسفار، وهي مجالات مفتوحة لإعادة صياغة الأثر أو النص، أو وضعه في مجال استهلاكي كبضاعة/ سلعة أو كإعلان، أو حتى التعبير عن الهوية والذات، حيث يتحوّل هذا التعبير الى ستراتيجية سيميائية يرهنها الكاتب لمصالحه،أو لعرضه، أو لعقيدته، رغم أن التأويل في سياقه التداولي يخضع الى فعل جمعي، له علاقة بالتخيّل الجماعوي، أو بالرموز القرابية أو الدينية، أو العقائد الباطنية والغنوصية، لكن البعض من الكتّاب يسعى الى التمرد، والى العنف أحياناً، وعبر اصطناع مجاورات استعارية للنصوص، وللرموز المؤولة ذي الهيمنات اللاوعية في ذاكرة الأمّة أو الجماعة.

النصوص الادبية ظلت بعيدة عن مغامرة التأويل، وعن حدوسه،واستغرقتها النقود التي لا ترى في النص الادبي إلّا فسحة لسانية غايتها التعبير عن الجمال، أو القبح، وبالتالي كانت القراءة النقدية محفوفة دائماً بضغط الممارسة البلاغية، والتقانات التي تُعنى ببناء الحكاية ذي الصياغة الارسطية، وصولاً الى التداخل الذي فرضته الثقافات الكبرى- الماركسية، الاجتماع، علم النفس وغيرها، وعلى تأطير موجهات القراءة، وانتهاء بممارسة النقد الثقافي التي اسهمت الى حدّ ما بتقويض المجال الأدبي ومعالجاته البنيوية، ودفعه الى التأويل والى المعالجات الثقافية التي ربطت النقد بوصفه معالجة ثقافية مع النص بوصفه مجالاً مفتوحا للقراءة، وللتأويل، وللتعبير عن بنيات نسقية خبيئة، وهاربة من النمط والهيمنة، والتي يمكن مقاربتها بوصفها مجالاً مفتوحاً للتأويل اللامحدود....

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top