مع هارولد بلوم قبل أن يودعنا

مع هارولد بلوم قبل أن يودعنا

ترجمة / أحمد فاضل

هذه المقابلة جرت مع أشهر ناقد عرفه العصر الحديث ، الأميركي هارولد بلوم قبل وفاته :

في الآونة الأخيرة ، تعرض هارولد بلوم للهجوم ليس فقط في المجلات العلمية والندوات ، ولكن أيضاً في الصحف ومن على صفحاتها الافتتاحية وشاشة التلفزيون والإذاعة ،

بسبب ما كتبه عن الكتاب العبري الذي شكك بصحة ما جاء فيه ومن كتبه ، فانهالت عليه الهجمات من علماء الكتاب المقدس والحاخامات والصحفيين ، وكذلك من المصادر الأكاديمية المتعددة ، ومع أنه سعيد بالحديث عن أي شيء في – السياسة والدين والرومانسية والرياضة - وعلى الرغم من أنه يعترف بأنه " معتاد " على بعض الموضوعات للدخول فيها ومناقشتها حتى مع مَن يختلف معه ، لكنه هنا في هذه المقابلة يكشف لنا سر تلك السعادة على الرغم من قساوة ما لقيه حتى من المقربين منه .

أُجريت المقابلة في المنزلين اللذين تشاركه فيهما زوجته جين في نيوهافن ونيويورك ، وهي مليئة بتراكم الأثاث والكتب لمدة أربعة عقود ، والآخر شبه خال منها على الرغم من أكوام من الأعمال قيد الإنجاز وأوراق الطلاب تتناثر في كليهما ، يحب بلوم تشغيل الموسيقى الجاز في أغلب الأحيان التي تسمح بتواجده في شقته في نيويورك في قرية غرينتش ، والتي يرن فيها الهاتف بلا توقف حال شعور الأصدقاء ، الطلاب السابقين ، الزملاء ، بتواجده هناك ، ليتحدث بلوم كما لو أن الجُمل جاءت إليه من صفحة مطبوعة ، وهكذا كنت أحدهم من الذين حظينا بالجلوس والحديث معه :

 ما هي ذكرياتك قبل 60 سنة ؟

– كان ذلك منذ زمن طويل ، لا أستطيع تذكر الكثير من طفولتي بشكل جيد ، لقد نشأت في أسرة يهودية من أوروبا الشرقية حيث كانت اللغة اليديشية هي اللغة اليومية ، كانت أمي متدينة جداً ، وأبي أقل من ذلك ، ما زلت أقرأ شعر اليديشية ، أشعر بسعادة كبيرة معه .

 ما هي ذكرياتك عن الحي الذي نشأت فيه ؟

– تقريباً لا شيء ، لكني أتذكر واحدة من ذكرياتي الرئيسة هي أنني وأصدقائي اضطررنا دائماً إلى خوض معارك في الشوارع مع الأيرلنديين للبقاء أحياء ، وكان بعضهم تحت تأثير نوع من المنظمات النازية الأيرلندية الأميركية المسماة القمصان الفضية ، كانت أوقات سيئة للغاية أقول هذا على الرغم من أنني كبرت الآن وأجد أن العديد من أفضل أصدقائي هم أيرلنديون .

 هل تعتقد أن خلفيتك ساعدت بأي طريقة لتشكيل حياتك المهنية؟

- من الواضح أن ذلك قد جعلني أقف بقوة أمام قدر كبير من القراءة المنهجية ، خاصة في قراءتي للكتاب المقدس ، لذا فمن الواضح أني أصبحت مهووساً بالتفسير على هذا النحو، لكن لم يكن لدي معتقدات دينية أرثوذكسية حتى عندما كنت طفلاً صغيراً ، كنت متشككاً جداً بشأن المفاهيم الأرثوذكسية ، وكما قلت مراراً وتكراراً هناك قراءة خاطئة للغاية للكتاب العبري في القرن الثاني من أجل تلبية احتياجات الشعب اليهودي في فلسطين تحت الاحتلال الروماني ، أعتقد أن التجارب المهمة بالنسبة لي كقارئ كطفل لم تأت في قراءة الكتاب المقدس العبري وحده ، بل جاءت في قراءة الشعر المكتوب باللغة الإنكليزية لهارت كرين وويليام بليك على وجه الخصوص ، لقد كانت تلك التجربة الجمالية الأولى للقراءة .

 كم كان عمرك في هذه المرحلة ؟

- كنت صغيراً في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري ما زلت أتذكر البهجة غير العادية والقوة الاستثنائية التي جلبها لي كرين وبليك - خاصة خطاب بليك في القصائد الأطول - على الرغم من أنني لم يكن لدي أي فكرة عما كانت عليه ، التقطت نسخة من قصائد هارت كرين المجمعة في مكتبة برونكس حيث ما تزال لدي نكهة هذا الكتاب في داخلي ، إنه بالفعل أول كتاب أمتلكه فقد توسلت إلى أختي الكبرى أن تعطيه لي ، وما يزال لديّ النسخة القديمة السوداء والذهبية التي قدمتها لي بعيد ميلادي في عام 1942 .

 لماذا يمكن أن تكون لديك تلك التجربة الاستثنائية (في مرحلة ما قبل المراهقة ، كما هو الحال في العديد من الحالات الأخرى) من الوقوع بعنف في حب الشعر العظيم . . . هل كنت متأثراً بقوتها قبل أن تفهمها ؟

– في بعض الأحيان ، يتم تجسيد نسخة من الشخصية الشعرية وفي البعض الآخر يكون الصوت المجيب هو صوت الناقد ، أفترض أن الشاعر الوحيد في القرن العشرين الذي كان بإمكاني تعيينه سراً فوق ييتس وستيفنز سيكون هارت كرين ، مات كرين عن عمر يناهز الثانية والثلاثين ، لذلك لا يعرف المرء حقاً ما كان بإمكانه فعله ، الأمر قد يشبه الخسارة الهائلة والكبيرة بوفاة شيلي في التاسعة والعشرين أو كيتس في الخامسة والعشرين ، كان على كرين أن يفعل كل شيء في سبع أو ثماني سنوات فقط .

 هل قرأت قصص الأطفال ؟

ج - لا أعتقد ذلك ، قرأت الكتاب المقدس ، الذي هو ، في نهاية المطاف عبارة عن قصة طويلة ، لم أقرأ أدب الأطفال حتى حينما كنت طالباً في الجامعة .

 كيف تم النظر إلى حياتك المهنية التي اختارتها عائلتك ؟

- لا أعتقد أن لديهم أي فكرة عما سأكون عليه ، أعتقد أنهم شعروا بخيبة أمل كانوا مهاجرين يهود من أوروبا الشرقية مع آراء ضيقة ، فقد كانوا يأملون أن أكون طبيباً أو محامياً أو طبيب أسنان ، لم يعرفوا ما هو أستاذ في الشعر أو الأدب ، كان من المفترض أن يكونوا قد فهموا ، لو أنني اخترت أن أكون حاخاماً أو باحثاً تلمودياً ، لكن في النهاية لا أعتقد أنهم يهتمون بطريقة أو بأخرى .

عندما كنت صغيراً مدمناً على فعل أي شيء سوى قراءة القصائد باللغة الإنكليزية ، سألني أحد أعمامي الذي كان يمتلك محلاً لبيع الحلوى في بروكلين عما كنت أنوي فعله لكسب لقمة العيش عندما أكبر ، قلت ، أريد أن اكون أستاذاً للشعر فأخبرني أنه كان هناك أساتذة شعر في جامعة هارفارد وييل ، هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن تلك الأماكن أو أن هناك شيئاً مثل أستاذ الشعر ، بعد عدة سنوات تحقق ما كنت أحلم به ، فقد أصبحت أستاذاً للشعر في جامعة هارفارد و جامعة ييل ، لذلك بهذا المعنى ، فقد كنت مقدراً قبل الأوان في المهنة ، في بعض الأحيان أعتقد أن هذا هو الفرق الرئيس بين عملي الخاص وعمل العديد من النقاد الآخرين ، لقد جئت إلى ذلك مبكراً جداً وكنت لا أزال أشعر بالثبات التام .

أجرى المقابلة: أنطونيو فايس 

عن / مجلة باريس ريفيو

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top