العراق بين الفيء والغنيمة

آراء وأفكار 2019/11/09 06:00:55 م

العراق بين الفيء والغنيمة

أحمد صحن

سجلت "الدولة" العراقية عبر التاريخ وقائع فشل متلاحقة في بناء علاقة سليمة بينها وبين أفرادها وجماعاتها. وبسبب غياب أنظمة الحكم الرشيد فيها،

لم ترتقِ علاقة الأفراد والجماعات إلى حالة من المواطنة السليمة. إن لمثل هذه الأزمة مرجعيات متعددة وأسباب متشعبة، ولعل أبرزها الحروب والغزوات والمشاريع السياسية الوافدة.

يبدو أن تأثير العوامل الخارجية ساهم مساهمة واضحة في تغييب التجانس الاجتماعي لهذه الدولة، ما جعل العلاقة بين المكان وساكنيه تتسم باضطراب شبه مستمر. ويبدو أيضاً أن فأل هذه الدولة سيئ، وحظ ساكنيها أكثر سوءاً، حيث القدر أوجدها على خارطة جيوسياسية معقدة، وجعل منها خطاً للتماس بين دولة فارس ومنافسيها من القوى المناهضة مثل الروم تاريخياً، والعرب فيما بعد، ومن ثم جعلها في مواجهة مع القوى الكولنيالية القديمة والحديثة أيضاً، الأمر الذي جعل من بغداد تتصدر قائمة المدن الأكثر تعرضاً للغزو والاستباحة والهتك، كأن القدر أراد أن يصممها لتكون مكاناً للحرب والنهب والفيء والغنيمة.

وهنا يبدو من غير الصائب إهمال تأثير سيرة هذه المكان المكتظ بأحداث أعاقت مسعى نمو وتشكل الهوية الوطنية فيه. كما لا يمكن تجاهل تأثيرها النفسي في بناء وتركيب العقل الجمعي.

البديهي إن بناء الدولة يتطلب زمناً أطول بكثير من معدل زمن الأفراد القاطنين فيها. ويخبرنا تاريخ الأمم والشعوب أن الدول لا يشتد عودها بين ليلة وضحاها وأنها تمر بمخاضات تنقلها من الحالة الطبيعة إلى الحالة ما بعد الطبيعية؛ أي الانتقال إلى مقام الدولة التعاقدية في وضعها الحديث. وفي ضوء ذلك فإن العراق كدولة ـ بالمعنى المادي ـ لم تتشكل بعد بسبب عدم وضوح ملامحها المؤسسية وغياب الإرادة الفاعلة المعنية بتشكيلها. 

صحيح إن الدولة، بما هي دولة عضوية، تصارع من أجل تحقيق وجودها، ومسكونة بإرادة جامحة، وقد تبدو هذه الارادة غير عاقلة لأجل النمو، لكن يعوزها الكثير لتمكين قوائمها من الوقوف، أي؛ اكتمال بناء أركانها. والمؤكد أن أركانها لا تبنى ولا يمكن وضع ركائز لها ما لم تُدعم بتجربة سياسية رشيدة يحظى القائمون عليها بفرص زمنية كافية لعمل تسويات سياسية ملائمة. 

ولأن الدولة العراقية مرّت بانعطافات سياسية عنيفة، ولم تُحكم بسياسات إدارية رشيدة لفترة كافية تمكنها من تطبيب اعتلالاتها، وتلبية احتياجاتها، ولقد كان في مقدمتها إنضاج مطلب الهوية الوطنية الجامعة الصانعة للتصالح الداخلي بين الهويات الفرعية، ما نراه قد انعكس بالسلب على سلوك الأفراد والجماعات، وأثّر شيئاً فشيئاً على نجاح تجربة الولاء لهذه الدولة، وتأجيل أمد تحققها.. 

ولأن بلاد ما بين النهرين لم تكن بلاداً حديثة بما يكفي في العشرينيات من القرن الماضي، سواء من الناحية الفلسفية أو السياسية أو الاخلاقية، ولأنها لا تزال زراعية تقليدية الطابع وقبلية ـ بهذا المعنى ـ وذات تديّن شعبي محلي أيضاً، فأن الأفراد والجماعات فيها وجدوا صعوبة في التخلي عن ولاءاتهم العقائدية التقليدية: المذهبية والعشائرية وحتى العرقية.. وأن [الدولة] نفسها فشلت في توظيف المفاهيم التحديثية الإدارية والاخلاقية الوافدة، وفشلها أدى الى إدامة النزعة الطائفية بين الجماعات، ودعمت نظام العشيرة ـ باعتباره نمطاً هرمياً من انماط العلاقات الانتاجية ـ وعمقت، فضلاً عن ذلك، الشروخ العرقية ما بين القوميات، وكل ذلك أفضى إلى صياغة مفهوم مضطرب ومركب للولاء والمواطنة. حيث بدت التصدعات بين مكونات المجتمع العراقي عسيرة على الرأب والتصحيح، وتعمل على تغذية نفسها بصورة ذاتية، لذلك، فإنها تتعاظم في زمن الانفلات تارة، كما هو واضح الآن، وتُسوّى في أزمنة الكبح والاقصاء كما عهدناها في حقب الحكم السابقة. وفي وضع مثل هذا ظل مشروع تشكل الهوية الوطنية يتخفى وسط ضروب متناوبة من الصراعات والاضطرابات السياسية، وهذا ما كان يتطلع فيه الأفراد إلى رؤية وطن واضح الملامح أكثر أمناً وأمان. 

لعل فشل الدولة في تلبية طموحات الأفراد ترك أثراً كبيراً في العلاقة ما بين الانسان ووطنه وصنع شرخاً نفسياً غيّب الثقة بين المواطن و"دولته". وتولدت في أجواء تلك الخيبات المتراكمة علاقة من الجفاء والتضاغن متأرجحة، أورثها الأباء لأبنائهم، وستمتد طويلاً مع الأجيال اللاحقة.

بهذا المعنى فإن "الدولة" لم تعد مغرية لأبنائها وليست مكاناً لتحقيق طموحاتهم.. وإنها في النوايا المؤسِسة وجدت رخوة، وجماعاتها مصابة بهشاشة الانتماء.. وهنا فإن من الطبيعي أن تكون هذه الدولة دولة للغنيمة والفيء بمنظور أبنائها وبمنظور من يغزوها أيضاً. 

ولعل ثمة علاقة رابطة ما بين الفيء والغنيمة وما ندعوه بهشاشة الانتماء، وهذه العلاقة تحفز ـ بسبب الاستلاب ـ ظهور روح الثأر في ما بين الأفراد والجماعات؛ ومرد ذلك يتأتى من طبيعة الثقافة السائدة المستندة إلى تصنيفات الطائفة والعرق، والتي تنظر إلى الارض على انها مكان للغير، وبالتالي فأن الاستحواذ على ما يمكن أن نطلق عليه غنيمة أو فيئاً أمر بديهي. حيث الروح الثأرية تتحين الفرص السانحة للانقضاض على ذاك الغير، فالتنوع الهوياتي المتنافر بقي تنوعاً سلبياً افتقر لأواصر وحلقات الربط المهمة، من قبيل النمط المديني الذي يدعم عوامل انتاج الهوية الوطنية، وهذا الامر مهم جداً لأنه يعد الأساس الذي تستند اليه العلاقة بين المكان وساكنيه. كل تلك العوامل غابت بغياب الدولة الحديثة. وهنا تولدت الأسباب الكافية لصناعة نوعين من الغنيمة، غنيمة السلطة وغنيمة الفرهود السياسي. وابرز حالات الغنيمة التي شهدها العراق في الستين عاماً الماضية هي الاستحواذ على الحكم بطرائق غير مشروعة حملت عناوين سياسية تضليلية وتكشف ذلك من خلال سلسلة الانقلابات التي اختتمها حزب البعث بدكتاتورية دامت لأكثر من ثلاثة عقود، انتهت حقبته بعملية اغتنام ايضاً، لكن الاغتنام هذه المرّة مارسته قوى الاسلام السياسي بالاعتماد على مفاهيم الفيء والغنيمة التي جعلت من الأخيرة ثقافة يمارسها الأفراد، حتى صارت حالة الاغتنام، كلٌ يغّنم من موقعه، واتضح ذلك من خلال ممارسة شرائح من الشعب عمليتي الفرهود اللتين حصلتا في 1991 وفي 2003، فعبر الفرهود تحقق مضمون الغنيمة، عندما تقبل الجموع على غزو ذاتها/ وطنها، جموع بشرية تتدفق مندفعة بشراهة نحو مرافق الدولة، تغنّم منها ما تيسر. وعلى الرغم من أن قانون الفوضى يلغي البصيرة، إلا أن استثناء الممتلكات الخاصة هو الركيزة التي تدعم هذا التساؤل، ما يؤكد وجود طاقة مكنونة تحركها بواعث نفسية تدفعها للثأر، وهذه الطاقة تجلت في طريقة النهب التي نصفها بالفوضوية استسهالاً دون التوقف لتحليلها طويلاً، والتي هي تخفي حالة من اللا انتماء تدفع كثيراً من الأفراد إلى قبول فكرة الفيء والغنيمة وهي بكل تأكيد ليست فرهوداً بالمعنى التبسيطي كما يحلو للبعض أن يصف ذلك اعتمادا على مقارنة حالات حصلت لحظة غياب القانون.

إن الفيء والغنيمة هو ثمرة الشق الفاصل ما بين الولاء للطائفة والولاء للوطن بمعناه الوضعي. وإنه يديم نفسه ويعمق حضوره تبعاً لدوام هذه الثنائية المكونة للهوية. فيكون ذلك أشبه بالمتوالية التي تغذي نفسها بنفسها؛ أي المتوالية التي رافقت نشوء الدولة وصنعت كبواتها. 

ولعل السبب في ذلك داخلي غالباً هو غياب نظام سياسي يغري أفراده وجماعاته بجدوى العيش في وطن جامع، نظام يعتمد على حزمة من البرامج التربوية المنحازة لصالح نهوض ثقافة وطنية، دون أن يُحدِث ذلك قهراً متوقعاً، أو مخاوف تطال الهويات الفرعية. ولكن بقيت الطائفية والعرقية تتصدران طبيعة المشهد العراقي، ويبدو ان تمازجاً نفسياً وآيديولوجياً اختزل مقولة السلطة من منظور طائفي صرف. 

يبدو أن من الصعب العثور على إجابة تفك اللبس الحاصل ما بين نزعة النهب بوصفها غريزة بدائية للتملك والغُنم الممارَس بمعناه الاقتصادي والفقهي، وأن تأويلاً فقهياً للواقعة التاريخية الوضعية يجعله مهلهلاً ولعباً بالألفاظ ليس إلا. أو ربما القبول بأقل الخيارات حساسية، بربط الفرهود بحالة غياب القانون وهذا التفسير ليس كافياً ولا يقوى على اخفاء الجانب النفسي الذي يتحكم بحالتي الغُنم والثأرية اللتين استشهدنا بهما من قبل.

في عام 2003 قيل بلفظ سطحي إن الغزو الاميركي أسقط الدولة، وأن السطحية في ذلك اعتبار الدولة مجرد ارشيف ورقي وملفات تبعثرت في الهواء وسجلات احترقت ومكاتب سرقت وجيش تم تدميره وسحله ومن ثم حله. إذا وضعنا الشروط اللازمة للدولة فأننا أمام حقيقة تجلت خلال تسعين سنة أكدت إننا نعيش في مشروع دولة لم تتشكل بعد، وإنها كلما تقدمت نحو لملمة أطرافها بهدف الاكتمال حتى ضربتها هزة تعيدها إلى خط الشروع الأول. ففي لحظة تأسيسها، تعامل معها المنتصر البريطاني على إنها احدى غنائم الحرب، والكتل البشرية التي تعيش داخل رقعتها الجغرافية ليست شعباً متجانساً بالمفهوم الحديث الذي يتناسب وشروط قيام الدولة، لكونها كتل بشرية لا تملك أواصر مدنية تحكم المواطنة علاقاتها و انما هي كتل بشرية متشظية إلى اشكال تشبه الكرات، كثيراً ما ركلها لاعبو السياسة الدوليون والمحليون. وتحكمها بنى طائفية وعرقية من السهل تحريكها بالوجهة التي يريدها اللاعبون القابعون في الخارج، فتارة تنتقل مُلكيتها للقوى الخارجية كالتجربة السياسية الملكية 1921 – 1958 وتارة أخرى نجدها غنيمة بمنظور ابنائها كما حصل في انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. 

لم تسقط الدولة في التاسع من نيسان عام 2003 انما اسقطت أحد أهم التجارب السياسية التي احتكرت الدولة وحكمتها بطريقة اقصائية وهي سلطة البعث التي اختزلت قرار مصير الدولة وفقا لمنظور غنائمي أيضاً، حيث انتقلت حالة الغنيمة التي مارسها حزب البعث تجاه نظامها السياسي كل يوم بملامح متناقضة، فهي دولة رسمها المنتصر في الحرب الكونية العظمى لكننا نجدها تتحول من دولة ذات حكم ملكي نيابي رخو إلى جمهوري اتسم بالصلابة الشديدة التي تؤدي إلى الانكسار السهل وتارة تصبح دولة قوية حازمة مفترسة لجيرانها كما حصل في حقبة حزب البعث وتارة أخرى تجدها تسقط بعميلة عسكرية سريعة بدأت تشق طريقها بسلاسة وسهولة عبر صحراء الجنوب دون أن تواجه القوات الاميركية جيشاً يذكر يعترض مسيرها المتجه نحو العاصمة بغداد. لكن في نفس الوقت بدأنا نشهد روح الغنيمة تتعاظم وتحكم بأشكال مختلفة، وأول بوادر تلك الروح الغانمة جرت بطريقة ثأرية تجلت بأغتنام الحكم على نحو هوياتي، فكل مكونات الشعب رغبت في أن تحكم الدولة بطريقة كما لو إنها ردة فعل تجاه الدولة، ردة فعل بسبب اغتصاب السلطة، أي إن المكون الشيعي راح يحكم الدولة ويمسك بالسلطة بأسلوب غنائمي يخلو من رؤية وطنية جامعة للمكونات الأخرى.

لم يكن النظام السياسي القائم الآن مبني على نحو يعالج قصة الثأر بين الإنسان العراقي ووطنه انما تعاظمت روح الغنيمة في عهده وضرب كل مفاصل العملية السياسية، فغنيمة السلطة مهدت لغنيمة الاقتصاد وسرقة أموال الدولة خلقت تنافساً لدى المواطنين بسبب تضاؤل فرص تشكيل الدول، وبات يشعر المواطن العراقي إنه يعيش في داخل مشروع دولة مؤجلة لم يرها إبان حياته فيما يشهد عمليات النهب التي يمارسها السياسيون على أنها تدفعه لأن ينظر للدولة بروح الغنيمة، ولو تساءلنا عن الانهيار الشامل في عام 2003، ترى ما أسباب انهيار دولتنا العتيدة بهذه السرعة؟ الجواب ببساطة انهارت لأنها لم تكن دولة، وما كان قائما قبل التاسع من نيسان هو أحد الأنساق التي أنتجها الفكر القومي "العروبي الغنائمي" . لقد جاء الغزو ليسقط تجربة، لا دولة، لم تسقط بفعل زحف جنود المارينز، بل أنها تجربة لجمهورية ذبحت نفسها بنفسها ونخرت جسدها بيدها. إن سلسلة الأحداث التي دونت عبر السنوات الماضية والتي سميت خطأ بفترة ما بعد التغيير، لم تكن تغييراً، إنها فترة التدحرج والهبوط بالدولة، فترة استيلاء مجموعة طائفية لا تنظر إلى الآخر إلا بوصفه خصماً يحل عليه التجريف والاغتنام.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top