بيت (المدى).. يستذكر رائد أغنية الاحتجاج عزيز علي

بيت (المدى).. يستذكر رائد أغنية الاحتجاج عزيز علي

 بغداد/ محمد جاسم  عدسة/ محمود رؤوف

كانت اقوال الرائد"عزيز علي"، بمثابة منشور سياسي يبث على الهواء مباشرة عبر الاذاعة العراقية، وتسهم بتحريض الناس ضد الظلم والاستعمار.

وكان يوم الاربعاء مميزا لان عزيزعلي يلقي مونولوجه فيه، فتخلو عندها الشوارع من المارة لكي يستمعوا للمذياع والتلفزيون.   وقد شكل ظاهرة فريدة لانه كان يكتب مونولوجاته ويلحنها ويؤديها بنفسه، اضافة الى ان كلامه كان يسبق عصره، وظل هذا الكلام فاعلا لحد اليوم وليس قبل سبعين عاما او يزيد. بدأ عزيز في قراءة اناشيد سيد درويش كبلادي بلادي، ثم تحول الى مخاطبة العادات الاجتماعية، وبدأ التحول الاهم بعد سجنه وفصله من المدرسة بسبب مشاركته في التظاهرات الوطنية، حيث اختط المنهج الوطني الواضح ومهاجمة الحكومات المتعاقبة والاحتلال الانكليزي. لانه كان يحمل هم الوطن والشعب. وباتت اليوم تنسجم تماما مع تطلعات احتجاجات تشرين البطلة التي يسطرها العراقيون في ساحات العز والكرامة. من هنا يأتي اختيار مؤسسة المدى لهذه الشخصية الوطنية لاستذكاره باعتباره رائدا للاغنية الاحتجاجية.

نسب عراقي

قدم للجلسة الباحث"رفعة عبدالرزاق" فقال:- نستذكراليوم الفنان "عزيزعلي" الرائد الوطني والشخصية الفنية التي تتحلى بالثورة وتثيرالحماس وتدعو للاحتجاج على الظلم والفساد. ودخلت شخصيته تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والوطني من اوسع الابواب عبرمونولوجاته المتعددة. وقررنا الاحتفاء بهذه الشخصية التي تتناسب مع احتجاجات الشارع اليوم. واتفقنا مع الفنان "مجدي حسين" على تأديته لمونولوجات عزيز، لكنه اعتذر في اللحظة الاخيرة بسبب وفاة اخيه. لذا سنكتفي بشهادات الحاضرين. وعزيز مواليد محلة شيخ بشارعام1911. وكانت هناك شكوك حول نسبه بانه غيرعراقي، لكن ما نشره الصحفي "قحطان جاسم جواد"، في كتابه "عزيزعلي رائد فن المونولوج في العراق، الذي اخذنا معظم مواد ملحق (عراقيون) منه" اثبت انه عراقي وعدد اسماء واصول عائلته بالكامل. واكمل الابتدائية في الكرخ ثم الثانوية المركزية. كما تعلم الموسيقى ونظم الشعر بلا دراسة اكاديمية بل بجهده الشخصي.

أسس مدرسة الموسيقى

واضاف:- وحاول الانتساب لكلية الحقوق لكن وفاة والده ادت الى تعيينه في دائرة الكمارك ليعيل العائلة. ثم سجن وفصل من الوظيفة عام 1941. وبعد الافراج عنه قدم الى محكمة اخرى بحجة انه سرق مروحة في ايام الفرهود! هي تهمة باطلة، لانه كان وطنيا وعفيفا ونظيف اليد. بعد سنوات اعيد تعيينه في الخارجية وعمل في السلك الدبلوماسي خارج العراق. واسس مدرسة الموسيقى، لكن بعد فترة ارادوا دمجها مع مدرسة الباليه فخرج الى التقاعد "لانه يعتبر الباليه ليس ثوبا عراقيا ". واعتقل بسبب الماسونية بظهور ملف خاص به اكتشفته الاجهزة الامنية، فحكم بالاعدام ثم خفض لعشر سنوات. وتعرض للكثير من النكبات فتوفيت زوجته ثم استشهد ابنه "عمر" في الحرب العراقية الايرانية. وتعرفت عليه في بيت الكاتب عبد الحميد الرشودي وهو صديق قديم لعزيز وجيراني، فلمست فيه التعب والكبر وانحناءة الظهر. وكان بشوشا ويداعب الاصدقاء ورجال المحلة. ثم عرض تسجيلا لعدد من مونولوجاته المشهورة.

تنبأ بثورة 14 تموز 1958

وقال الباحث في شؤون الغناء "فلاح الخياط". شكرا للمدى وللاستاذ قحطان جاسم جواد على كتابيه المهمين عن عزيز، الاول كهدية لمجلة نهرايا لصاحبها مازن لطيف، والثاني فيه اضافات عن دارالشؤون الثقافية. وعزيز تجمعت في شخصيته ثلاث خصال (موسيقية وشعرية وصوتية) وظفها جميعا لخدمة الشعب وتطلعاته الوطنية. وهو يتقن سبع لغات حية كالجيكية التي تعلمها في جيكوسلفاكيا، وتعلم الروسية في المعتقل بالبصرة. واللغة الفارسية تعلمها من الزوارالايرانيين في كربلاء، والانكليزية من معلم الانكليزية، والالمانية تعلمها من معلم وامرأة المانيين. وتعلم الكردية على يد الاستاذ توفيق وهبي عضو هيئة الاعيان عندما اقام دورة لتعلم الكردية في نادي الاخاء. وتنبأ عزيزعلي بثورة تموز 1958 بعدة مونولوجات قبل قيامها كمونولوجات (هذه السنة،كل حال يزول).

حوار مع عزيز علي

وقال الصحفي والاعلامي قحطان جاسم جواد:- بعد عام 1991 كانت الاجواء السياسية متوترة والحصار يضيق على السلطة والناس، وكانت مونولوجات عزيز تبثها اذاعات المعارضة العراقية. وعندما اردت اجراء حوار لعزيز رفض رئيس تحرير مجلة الف باء "كامل الشرقي". لكني وبمعونة استاذي "محسن حسين" اقنعنا الشرقي بأخذ موافقة الوزيرحامد يوسف حمادي، وفعلا وافق لانه كان معجبا به جدا. ونشرالحوار بملف لست حلقات على مدى شهرين. وقابلته في منزله بالداوودي بمعونة الناقد الراحل عبد الوهاب الشيخلي الذي عمل معاونا لعزيزعندما اسسا مدرسة الموسيقى. واضاف: انه يمثل ظاهرة فريدة لان كلامه ظل حيا وينطبق على كل زمان. واتذكر قال لي ماذا تعرف عني حتى تجري معي حوارا؟ وكنت تسلحت بكتاب حسن العلوي اللحن الساخر فتحدثت عنه بطريقة سحرته، فضحك وقال تعال الى جانبي لانك تعرفني حق المعرفة. وظللت احاوره لاسبوع. وكان قد باع منزله واستقطع منه غرفة كبيرة ومرافق كحمام ومطبخ و يعيش مع ابنته. وكان عنيدا، ولا يقنع بسهولة، ولم يساوم على فنه النبيل، ولم يغن في حفلات خاصة او ملاهي. واشار الى: مرة طلب منه الفنان خالد ناجي معد عدسة الفن ان يسجل له حوارا بالصوت والصورة مقابل خمسة آلاف دينارهي مايملكه في دفترالتوفير، لكن عزيزا رفض وطلب عشرة آلاف، لانها تكفيه لسنتين هو وابنته لانه مريض. وظلت علاقتي به الى حد وفاته عام 1995. واذكر اتصل بي قبل نشر حلقة برنامجه في رحاب المقام وطلب الغاءها لانها ستسبب له احراجا وتثير لغطا لانه هاجم اهل المقام، فاصررت على نشرها. كما اوضح لي سر الماسونية وطلب ان لا ينشرالا بعد وفاته. فقال (لم ينتم وان صديقا اشارعليه ان هناك منظمة تستطيع ان تحميه وتدافع عنه بوجه السلطة.فذهب الى الاجتماع ولم يحضر المسؤول، وحددوا موعدا آخر يوم 14 تموز1958 لكن الثورة قامت في نفس اليوم. ويبدو انهم نظموا فايل خاص به).

والده صائغ

وقال الاستاذ عبد الكريم: - ولد في منطقة شعبية معروفة بالكرخ وعائلته من اصول نزحت من كربلاء. وهو صاحب فن تهكمي وساخر جدا لم يصل اليه احد في المنطقة العربية. والده كان صائغا توفي عام 1930 وقام بعمل قفص فضي لمرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني. وعوقب وسجن. وسجل الكثير من المونولوجات للاذاعة. وعانى من المرض وما زالت ابنته تعيش في منزل والدها البسيط. وكان اديبا وشاعرا وملحنا ومؤديا. وقد استذكرناه قبل سنة في احتفال بالمركز الثقافي البغدادي انا والاخ ياسر العبيدي.

خال صادق الصائغ

وقال د.زهيرالبياتي: - عزيز ظاهرة استثنائية تختلف عن كل مجايليه كعلي الدبو وحسين علي وتميز بثقافته العالية ومعرفته بالموسيقى والشعر. وكان ممثلا في المسرح. ومونولوجاته تقترب من نبض الشارع، وفيها شفرة تتضمن افكاره الوطنية. وهو خال الكاتب صادق الصائغ. وتكمن عظمته في بقاء مونولوجاته في ضميرالناس طويلا. واسس مدرسة الموسيقى لكنه رفض دمجها بمدرسة الباليه ولا اعرف السبب.  وقال السيد سالم محل:- بعد ثورة 1958 قدم مونولوجات واناشيد. لكنه اهمل مونولوجاته التي وثقت احاديث النساء وتصرفاتهن المشينة، وكذلك اصوات الباعة بحيث لم يصلنا الكثيرمنها. وهو يمثل ظاهرة انثروبولوجية، ويحب ان يسمي نفسه  (قوال) وليس مونولوجست. وقال السيد عبد الكريم البديري:- كان يحرض على الثورة وتصحيح الاوضاع السيئة. ومونولوجاته مؤثرة وتحث الناس على الاحتجاج ضد الظلم والفساد. وسيظل اسمه راسخا في تاريخ العراق. وقال السيد ابو حبيب: سألوا عبد الناصر هناك فنان عراقي اسمه عزيزعلي؟ فرد عبد الناصر هذا فيلسوف الامة العربية وليس فنانا. وتساءل الاستاذ امين الموسوي: ماسر خلوده؟ انه العمق الذي يطرحه في غاية البساطة. وتتميز مونولوجاته عن كل ما قدم في الوطن العربي. ولغته البغدادية التي محتها لغة الجنوب كانت تتضمن مفارقة ساخرة جدا. وكان في داخله يميل الى اليسار وليس ماسونيا. حتى ابنته سماها بسوزان على اسم ابنة فهد من زوجته الروسية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top