المشروعية في حرية الإضراب السياسي

آراء وأفكار 2019/11/24 07:00:18 م

المشروعية في حرية الإضراب السياسي

 هادي عزيز علي

الإضراب لغة : ( مصدر أضرب ، وأضرب عن الشيء أعرض وأمتنع عنه ) . ويعرف اصطلاحاً من قبل شراح القانون الإداري ومن الوجهة المهنية بإنه :

( امتناع الموظفين عن تأدية أعمال وظائفهم بصفة مؤقتة تعبيراً عن عدم الرضا في أمر او أمور قامت بها على الإدارة تجاه منتسبيها ) . وإذا كان للموظفين حرية الاضراب حسب فقهاء القانون العام أو حسب النصوص القانونية المشرعنة لها في البعض من قوانين الخدمة المدنية في مختلف دول العالم . وحرية الاضراب هذه لم تقتصر على الموظفين ، فقد تناولتها قوانين العمل إمتثالاً للاتفاقيات الدولية المنظمة لها تعاملت مع هذا الموضوع وأباحته وبينت أن : ( اللجوء الى الإضراب السلمي لغرض الدفاع السلمي عن مصالح أعضائها المهنية والاقتصادية والاجتماعية إذا تم إنهاء إجراءات حل النزاع دون التوصل الى اتفاق ) المادة 162 من قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 215 .

الإضراب السياسي : الاضراب السياسي ومع اشتراك الموظفين والعمال فيه فلن تكون غاياته فئوية أو ذاتية ترتبط بحقوقهم ومصالحهم المهنية ، بل إن الهدف منه ممارسة الضغط على السلطة السياسية والحكومة لإجبارها على اتخاذ موقف سياسي معين أو منعها من تحقيق غايات سياسية معينة ، أو الاحتجاج على موقف معين قامت به الحكومة على الصعيد الداخلي أو الخارجي وحملها على التخلي عنه وغيرها من المطالب السياسية الأخرى .

الإضراب السياسي وعلى وفق هذا المفهوم ، هل له مرجعية تشريعية تسمح له بالتحرك ؟ أو هل أن الإضراب السياسي عمل مباح باعتباره من الحريات المتعلقة بحقوق الإنسان ؟ ولغرض الإجابة على ذلك نعود لقراءة النصوص التشريعية النافذة . فقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل وتحت أحكام الباب السابع المعنون ( الجرائم ذات الخطر العام ) جاء الفصل السادس منه بعنوان ( الجرائم الماسة بسير العمل ) إذ نصت المادة 364 على - : ( 1 - يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة ...أو بأحدى هاتين العقوبتين كل موظف أو مكلف بخدمة عامة ترك عمله ولو بصورة الاستقالة أو امتنع عمداً عن واجب من واجبات وظيفته أو عمله متى كان من شأن الترك أو الامتناع أن يجعل حياة الناس في خطر أو صحتهم أو أمنهم في خطر أو كان من شأن ذلك أن يحدث اضطراباً أو فتنة بين الناس أو إذا عطل مرفقه عاماً .

2 – ويعتبر ظرفاً مشدداً إذا وقع الفعل من ثلاثة أشخاص أو أكثر وكانوا يتفقون على ذلك أومبتغين منه غرضاً مشتركاً ) .

ويفهم من هذه المادة أن ترك العمل لا يشكل جريمة – حتى لو صاحبها الظرف المشدد - إلا عند تحقق أحد الآثار الآتية : - 1 – تعرض حياة الناس وصحتهم وأمنهم للخطر . 2 – إحداث الاضطراب او الفتنة . 3 – تعطيل مرفق عام . أي أن اعتبار ترك العمل يعد فعلاً مباحاً ما دام حدوثه لا يعرض حياة وصحة وأمن الناس للخطر ، ولا يُحدث اضطراباً أو فتنة ولا يعطل المرافق العامة قد ورد بصيغة الاضراب السلمي الذي عدّه القانون من الحريات . وهذه الأحكام تشمل الاضراب السياسي الخالي مادام ثبوت خلوه من تلك الآثار الواردة في المادة أعلاه لا يشكل جريمة ويعد فعلاً مباحاً ، وهذا ما سار عليه المشرع العراقي عند تشريعه قانون العمل الذي عدّ الاضراب السلمي إحدى الحريات التي يتمتع بها العمال وهو بهذا الوصف فعل مباح .

ولكن الخشية كل الخشية من التوظيف المخالف لأحكام هذه المادة من قبل السلطة التنفيذية وبالضغط على السلطة القضائية من خلال اعتبار مجرد الاضراب السلمي منتجاً لتلك الآثار الموجبة للتجريم . وبذلك يتم التعسف في تطبيق هذه المادة وينعكس سلباً على حرية المواطنين وصحتهم وأمنهم وأستقرارهم .

من ذلك نستنتج أن حرية الاضراب السياسي من حريات المواطن مادامت قد حل بصيغته السلمية وأن هذه الحرية مدعومة بمرجعية شرعية أخرى لاغبار عليها وهي أحكام المادة الثامنة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تتضمن عدة فقرات إذ نصت الفقرة " د " منها على : ( حق الاضراب شريطة ممارسته وفقا لقانون البلد المعني ) . ومعلوم إن هذا العهد قد اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بقرار الهيئة العامة للأمم المتحدة بالقرار 2200 المؤرخ 16 \ كانون الأول \ 1966 ، وقد تمت المصادقة على هذا العهد من قبل العراق بالقانون المرقم 193 وإن تاريخ الانضمام كان بتاريخ 25 \ 1 \ 1971 ، ونشر التصديق في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 1927 وتاريخ 7 \ 10 \ 1970 . 

إن تصديق العراق على هذا العهد والانضمام إليه وصدور ذلك بقانون نشر في الجريدة الرسمية يعني أن هذا العهد أصبح قانوناً عراقياً حتى وأن رجعت عنه الأمم المتحدة ،لكونه أنضم الى النسيج التشريعي العراقي وعلى وفق آليات التشريع المتبعة حينئذ ، أي إنها تعد جزء من النظام القانوني العراقي فيكون له ما لبقية القوانين من قوة الالزام على الأفراد والسلطات كافة ، رغم أن البعض من شراح القانون الدولي يذهب الى أن الاتفاقية هذه لم لا تعد جزءاً من التشريعات الوطنية ما لم يقم المشرع باجراء تعديلات على نظامه القانوني لكي ينسجم مع الاتفاقية ( نظرية ثنائية القانون ) . وهذا القول مردود من الوجهة القانونية وغادرته العديد من الدول لكونه يحول دون تحقيق الأهداف التي شرع من أجلها العهد . وإن الغالب من دساتير العالم أخذت بنظرية ( وحدة القانون ) المدعومة من قبل القضاء الدولي والعلاقات الدولية المتضمنة علوية الاتفاقيات والمعاهدات ( الشارعة ) على القانون الوطني لكون الدولة ألزمت نفسها بها وهي على علم بهذه العلوية . خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الدستور العراقي نص في باب الحقوق والحريات على ذات الحقوق والحريات الواردة في ذلك العهد. واستناداً لما تقدم فان نصوص العهد المذكور تتمتع بقوة أقوى من نص القانون الوطني لكون الدستور قد ارتقى به الى مصاف النصوص الدستورية .

عليه ولما كان الاضراب السياسي صورة من صور حرية التعبير عن الرأي الواردة أحكامها في الفقرة أولاً من المادة 38 من الدستور ، فلا يجوز والحالة هذه الحد منها او تقييدها استناداً لحكم المادة 46 من الدستور الا بقانون او بناء عليه ، على أن لا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق والعدالة . حيث إن المادة (8) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سارية المفعول لحد الآن لعدم تقييدها او تحديدها بقانون منذ انضمام العراق إليها ولحد الآن ، لذا فأنها تعد ملزمة للكافة ولا يجوز بأية حالة العمل خلافاً لما جاءت به أحكامها .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top