قراءة في كتاب (في الطابق الرابع)..انفتاح التعبير من السرد الحكائي إلى السينمائي

قراءة في كتاب (في الطابق الرابع)..انفتاح التعبير من السرد الحكائي إلى السينمائي

أحمد الناجي

- 3 -

ولكنه ما أن استجاب الى غواية السينما، وتأججت نار الاشتياق بداخله، حتى عزم على الانتقال بكل كيانه وما تفيض به روحه من أحاسيس الى هذه المحطة الإبداعية، تعرف على أسرارها،

وشرب من كأسها، فغمره سحر الصورة بإحساس الانتشاء الذي يلهم العقل، وكأنه وجد ضالته المنشودة، فهو القائل: "لم أتخلَّ عن الاثنتين (الصورة والكلمة)، فقد كانتا تمشيان في داخلي مثل نهرين صامتين لا يأبه أحدهما بالآخر" (ص12). وبدأ يتلمس وسيلته الأثيرة في مختلف الدروب والمنعرجات، وعادة ما ينام الإنسان وفق هوى الروح على الجنب الذي يناسبه.

ما أن تتجاوز قراءة بواكير الوريقات حتى تواجه مفتتح المتن، باب يأتي تحت عنوان فرعي (في سيرة الصورة)، يسرح في الدهشة التي تأسره في طفولته وصباه، كاشفاً عن ملامح اندفاعه في عالم الصور، ويردفها بتفصيل سردي حول بدايات اهتمامه، يقدمه في باب لاحق بعنوان فرعي: (أول السينمات)، ويستهل هذا المتن بالإشارة الى بعض المكنونات التي طفحت من غاطس العقل الباطن متبدية على تضاريس الذاكرة، سلط فيها الضوء على بواكير التولع بالصورة، ويبدو أصبح في حال ما عاد له فكاك منها، وبلمحة تعبير سريعة، يشير الى علاقته الوطيدة معها، جاء فيها: "رافقتني الصورة، ودون أن أدري، منذ أول بيت رسمته في رأسي قبل أن أرسمه في دفتر الرسم المدرسي" (ص13). وكل ما نحتاج إليه لإدراك معطيات هذه الاهتمامات البكرية، هو النظر التأملي الى رؤية فرويد مؤسس علم النفس التحليلي الذي يعطي أهمية بالغة الى مرحلة الطفولة في بناء الشخصية، ويرى أن في داخل كل طفل ملامح الرجل الذي سيكونه في المستقبل.

نشأ نوفل في مدينة الحلة، وهي وريثة بابل سيدة العالم القديم، عرف أهل الحلة السينما أيام الحكم الملكي في أواسط عشرينيات القرن الماضي، منذ كانت تأتيهم في أوقات معينة سيارة السينما المتجولة التي تعمل بتوجيه المركز الثقافي البريطاني، وكانت في ذلك الزمن تعرف بسينما (البلاش)، تتيح للناس مشاهدة أفلام متنوعة، تعرض على أحد الجدران في الهواء الطلق، حيث يجلس المتفرجون على الأرض. 

شيدت أول دار عرض للأفلام السينمائية في الحلة أواسط الثلاثينيات، وقيل بداية الأربعينيات، عرفت تحت مسمى سينما الحمراء الشتوية، ومن ثم افتتح أواخر الأربعينيات سينما الحمراء الصيفية في أجواء مكشوفة، وتوالى تشيد عدداً من السينمات خلال العقود اللاحقة بالاتساق مع تقدم الحياة الاجتماعية، لاسيما تطور سياقات التحضر/المديني في البلد، حتى أصبح ارتيادها لا يقتصر على فئة بعينها، بل كانت غالبية العوائل الحلية تسعى الى مشاهدة الأفلام السينمائية في دور العرض العامة، وما يهمنا في هذا العرض المقتضب، هي الفترة التي نشأ في نوفل، وعلى وجه التحديد، حين أصبح بإمكانه الذهاب الى السينما، ففي تلك الإثناء أي منتصف الستينيات، كانت تعمل أربعة سينمات، هي الفرات والجمهورية والخيام وبابل الصيفي، ولا يغيب عن بالنا الإشارة الى أن أصداء السينما وأفلامها كانت تضج بها المدينة قاطبة، لاسيما حين يعرض واحد من الأفلام الراقية، وهناك اثر واضح لطريقة الإعلان عن أفلام السينما الذي يقوم بها المنادي، متوكأً على صوته الجهوري، وهو يتنقل بواسطة عربة تجرها الخيول (الربل)، وأحياناً المناداة تجري بمعاضدة فرقة موسيقية شعبية، مع توزيع اعلانات ورقية (مناشير)، فضلاً عن تقديم الإغواء بعرض فلمين في بطاقة واحدة. 

وصدى هذا الفعل الإشهاري يملأ أجواء المدينة، ويدخل الى كافة البيوت، ويصل الى كل الناس في أقصى الأمكنة، والحقيقة التي لا يجوز إنكارها أن الميل الى الترفيه كان وراء الانشداد نحو هذه الوسيلة الحضارية، ولكن الى جانب ذلك كانت تؤدي وظيفة إعلامية وثقافية، حيث تقول وتتشاطر في توجيه خطابها بوصفها أداة فنية بالغة التأثير، فهي من أهم وسائل الإعلام تأثيراً، وأيسرها وصولاً الى عقل وعاطفة المتلقي، والمستتر فيها ليس بعيداً عن "البروباغندا"، هذا فضلاً عن كونها تغري المتلقي الى التحليق في سماء الجمال الفني، فتعتني بالإحساس وتغني الذائقة، وتفتح أبواب المدارك على آفاق المعارف الواسعة، وكان لها أبلغ الأثر في التأثير على وعي المجتمع الحلي في تلك الآونة، أفراداً وجماعات، ومنهم نوفل الجنابي الذي كان في مراحل الحياة البكرية، وفي تلك الأجواء، انعقد تواصله مع الينابيع الأولى، حيث تشكل ولعه بالصور الفوتوغرافية، يفتنه محتواها من لقطات الأفلام السينمائية، وتشغله تصاوير الفنانين المعروفين، اندهش وتساكن مع دهشته، وتعمقت ألفته مع السينما، انشد لها فأوثقته، فتنامى شأنها في أعماقه خلال المراحل اللاحقة.

وفي العودة الى الكتاب، يحدثنا في باب تالٍ تحت عنوان (الذي دلني الى قلب الصورة)، وفيه يمر على ذكريات السنوات الأربع التي قضاها في مدينة حلب أوائل التسعينيات، وكيف كان في تلك الآونة، يفرد مكاناً معتبراً للصورة بين الكلمات التي يسطرها في التحقيقات الصحفية. "صورت اثنين وسبعين تحقيقاً نشرتها في مجلات تولي الصورة أهمية بقدر النص، وكانت من أعذب ما قدمت في عملي في الصحافة المكتوبة" (ص26)، مشيراً الى البعض من الشخصيات الحلبية المهتمة بهذا المنحى، ذاكراً العبر التي جناها، من رفقة الطبيب إحسان شيط المتولع بالصورة والتصوير والمهتم بالأثر التاريخي والغناء والسياسة والانشاد الصوفي، وفي مختتم هذا الباب يقدم تنظيرات هامة عن بعض الاعتبارات المأثورة المتعلقة بالصورة والتصوير التي أخذها من هذا الرجل الاستثنائي الذي غادر الحياة قبيل خراب المدينة وانطفاء معالمها الأثرية. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top