ثورة الجيل العراقي بين تنامي منسوب الأمل وإقتناص فرص التغيير الحقيقي

آراء وأفكار 2019/11/27 07:00:02 م

 ثورة الجيل العراقي  بين تنامي منسوب الأمل وإقتناص فرص التغيير الحقيقي

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

مع استمرار واستدامة ثورة الجيل العراقي الصاعد تتنامى آمال الشباب بل وتتعاظم آمال كل العراقيين في ضرورة إحداث التغييرات الجوهرية الوطنية بإمتياز

التي يمكن وصفها بالجذرية في ظل بيئة وبنية للنظام السياسي القائم والتي أضحت بحكم التجربة السياسية التي استمرت قرابة 16 عاماً مشلولة بل وعاجزة بشكل يكاد يكون كلياً في إحداث التغييرات الإيجابية المتطلبة سياسياً –دستورياً –إقتصادياً – إجتماعياً – علمياً – تقنياً –ثقافياً وبيئياً والتي يمكننا إجمالها ووصفها "بالتغييرات الجيوستراتيجية- الاجتماعية – الاقتصادية." .

إن مراهنة من بيده "الحل والعقد" من شخصيات متنفذة وأحزاب وكتل أو تيارات سياسية على أن استمرار الوقت لن يكون في مصلحة استمرارالشباب العراقي الذي يستخدم (منذ الأول من تشرين الأول 2019 وحتى الآن) مختلف أدوات الحراك السلمي الجماهيري (التظاهر ، الاضراب والاعتصام) منتفضاً وبشدة على الوضع المتردي الراهن The deteriorated Status Quo لفترة طويلة ، أي كونه سيمل وتستنفذ أو ربما حتى تستنزف طاقاته الحيوية تدريجياً إلى المستوى الذي سيجعله يقبل بحلول براغماتية جزئية غير مناسبة . 

العكس هو الصحيح إذ أن أية وثيقة مثل "وثيقة الشرف" أو أي تصور "إصلاحي" يصنعه من هم موضع عدم الثقة المتبادلة يستهدف إعمال تغيير إصلاحي مجتزأ وغير محسوب العواقب الاقتصادية والمالية وغيرها يظل في عرف الكثير من متظاهري سوح الانتفاضات والثورات الشبابية "ترقيعي" لايغير أي شيء إيجابي في بيئة وبنية النظام السياسي وبالتالي لن يقبل باية صورة من الصور طالما لم يتم الاستجابة الصحيحة والمناسبة لمطالب المتظاهرين الأساسية التي على رأسها إقرار أولاً : قانون إنتخابات جديد على أساس الاقليم الواحد أو أجزاء منه لكل مرشح إنتخابي يتنافس على المقعد الانتخابي ، وثانياً : قانون تأسيس مفوضية إنتخابات جديدة مستقلة كلياً عن كل الأحزاب والتكتلات السياسية يركن لها الأعداد لإنتخابات مبكرة .. الشيء المهم الذي يجب معرفته أنه يفترض أن من يقوم بإجراءات الإصلاحات الجوهرية المستقبلية سياسياً – دستورياً سلطة مهنية متخصصة ونزيهة جديدة بعيدة عن التحزب والمحاصصة وكل أشكال الفساد الإداري – الاقتصادي والسياسي . السؤال الذي من الصعب القطع به هو : هل ستسمح السلطات القائمة بتفويض بعض صلاحيتها إلى جهات ثالثة مستقلة متخصصة مهنية تتبنى مطالب المتظاهرين السلميين؟ ولعل من المناسب لصناع القرار إذا ما رغبوا باستعادة بعض من الثقة المفتقدة بين صناع القرار والجماهير القيام بإصلاحات جذرية حيوية سريعة نسبياً تلبي مطالب الجماهيرالبنيوية "الهيكلية" والخدمية من بنى تحتية وخدمات اساسية مع ضرورة إجراء تعيينات مهمة جداً تخص خريجي الجامعات والكليات والمدارس بصورة تخفف من المعاناة الشديدة في حياتهم الاقتصادية – الاجتماعية (الصحة والتعليم) والثقافية وغيرها .. علماً بإن القطاع الحكومي يظل متخما بعمالة ضخمة من المواطنين في حين ان القطاع الخاص مازال مجمداً . 

بمعنى من المعاني فإن غياب الرؤية أوالتخطيط الاستراتيجي مازال عقبة أمام إنجاز أية تقدم حقيقي. كما أن ما يعيق قيام أي حوار حقيقي مثمر ومجدي بين صناع القرار والجماهير الشعبية العراقية هو انتظار صدور أحكام قضائية مشددة بحق المتسبيين بمقتل المئات والالاف من شعبنا المتظاهر منذ بداية تشرين الأول حتى الآن ، تماماً كضرورة رؤية "حيتان الفساد الكبيرة" تتم معاقبتهم بصورة حازمة بصورة قانونية نظرا لكون ذلك عاملا رادعا لاستمرار الفساد أوتجذره. جدير بالاهتمام أن مطالب الجماهير وصلت إلى الحدود العليا السامية المرجوة وهي المطالبة بوطن يستحقونه ويستحقه عراق الغد . لماذا ؟ صحيح إن الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة " ولكن كل من يتظاهر ويساند سواءً من داخل ساحات التظاهر أو من خارجها متضامن مع المتظاهرين بصورة تضامنية كل من موقعه وتخصصه وإنجازاته تؤكد أن غالبية العراقيين مدركون لخطورة المرحلة وللآمال العريضة المعلقة على التخلص من فساد ساد لمرحلة طويلة منتجاً حالة من التخلف المتسع دامت 16 عاماً . 

من هنا، فإن المتظاهرين قد أكدوا أنهم لايودون الهجرة للخارج مطلقا طالما توفرت أجواء مواتية تنعش دعم كل مطالب المتظاهرين السلميين مستقبلا في العيش والحياة الكريمة، إن أقتناص الفرص المتاحة للجماهير المنتفضة لن تسير في سياق الزمن الذي سبق الأول والخامس والعشرين من اوكتوبر الماضي وإنما التوجه نحو مرحلة منتظرة إنتقالية هدفها إنتاج واقع جديد يقودها الجيل الصاعد المنتفض . ضمن هذا التصور من الضروري دعم توجهات وأهداف الجيل الصاعد من قبل كل شرائح المجتمع العراقي وعلى الأخص يبرز دور المثقفين الذين لم تعد مساحة تحركهم ضيقة أو محدودة . شكراً جزيلاً لكل من عظم فرص المشاركة الفاعلة المدركة لضرورة بناء عراق جديد بما تمثله ليس فقط موارد العراق الضخمة من النفط والغاز الطبيعي والفوسفات والكبريت وغيرها من موارد ومعادن ضخمة تمكن بلادنا من تحقيق نسب عالية من النمو والتنمية الإنسانية عالية المستوى كماً ونوعاً بل لوجود ما هو أهم من موارد بشرية مؤهلة ومبدعة توصلها إلى مستويات صناعة القرار السياسي – الجيوستراتيجي – الاقتصادي الذي يعطي للعراق وشعبه مستقبلا مرتبة عالمية من التقدم والرفاه الاجتماعي ومن نوعية للحياة الانسانية التي ينتظرها كل عراقي بل وكل من يقطن أرض العراق المعطاء. كتاب المبدع سعد محمد رحيم تحت عنوان " المثقف الذي يدس أنفه" إنجاز مهم جداً كتب قبل الاحداث الثورية التي يعيشها العراق منذ الأول من أوكتوبر حيث قدم لنا معالم صورة تنبئ عن عراق الغد الجميل ولعلي أقتبس بعضا من فقراته: " تنبئ مراحل الازمات الكبرى بولادات جديدة ، جيل جديد ، مجتمع جديد وثقافة جديدة ومثقف جديد .. فعمليات المخاض المكلفة بدعم من شروط مؤاتية لابد من أن تحقق وعوداً ومفاجآت ، من غير أن ننسى القوى المعيقة المدافعة عن بقائها ، وحروب المصالح المتقاطعة ، ومن ثم إمكانية الاخفاق أمام الاحتمالات غير السارة ، وهي واقعية بطبيعة الحال.." من منظور مكمل أيضاً " الجديد لايعني أنه قطع تماماً مع جذروه في الماضي ، بل الأصح إنه راح يتعاطى معه برؤية مختلفة تتساوق وحاجات الحاضر والمستقبل. فيما القديم يعني .. نمطاً من الأفكار والمؤسسات وآليات العمل التي ماعادت قادرة على التكييف مع تلكم الحاجات وتلبيتها." مايستلزم الانتباه جيدا لإهمية تطوير ، تفعيل ، إدماج وإنتاج دور جديد للمثقفين "العضويين أو الملتزمين" وهم يتفاعلون إيجابا مع أدوار المتظاهرين بصورة تنم عن تلاحم عضوي أكده المفكر غرامشي حين ربط بين المثقف العضوي أو الملتزم والفئات المجتمعية الناشطة في سوح الانتفاضات "الثورات الشبابية" حاليا. من هنا، تبرز أهمية صورة الدفاع المستميت عن ملفات حقوق الانسان وحرياته الاساسية من أجل إرجاع الحقوق والحريات الاصيلة لأصحابها من خلال مسارات يتبناها نظام حر مستقل جديد "لبرالي ديمقراطي سلمي" بعيداً عن أساليب المحاصصة المقيتة بكل أشكالها و أنواعها مايعني أهمية مراجعة الذات والانطلاق لتعزيز نقاط القوة والبناء عليها خدمة لعراقنا الحضاري وطننا الذي ننتمي إليه قلباً وقالباً ما سيحقق مطالب شعبنا دون إفراط ولا تفريط في إطار دولة المواطنة – المدنية التي ينال فيها الجميع حقوقهم وحرياتهم بصورة متساوية ومتكافئة نسبياً . الأمر الذي يدعو المتظاهرين وكل من يساندهم إلى التفكير جدياً في تنمية مسارات التنمية الانسانية المستدامة الشاملة. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top