موسيقى الأحد: الموسيقي المناضل من أجل الاستقلال

موسيقى الأحد: الموسيقي المناضل من أجل الاستقلال

ثائر صالح

سحرتني على الدوام شخصية الموسيقي ورجل السياسة البولوني إكـناسي يان پـادَرَفسكي (1860 – 1941) ونضاله من أجل استقلال وطنه بولونيا.

وظّف هذا الفنان والسياسي كل جهده لاستعادة استقلال بولونيا بعد أكثر من قرن من تقاسمها بين روسيا القيصرية وبروسيا والنمسا سنة 1793. ولم تجلب حروب نابليون التي قلبت السياسة في كل أوروبا خلاصاً للبولونيين، بل رسخت مواقع الكثير من الرجعيات التي تعاونت على خنق الحركات التحررية والثورات التي اندلعت في 1848 – 1849، منها الثورة البولونية العظمى ضد مملكة بروسيا التي بدأت كعصيان مدني لكنها اتخذت منحى مسلحاً بعد قدوم الجيش البروسي لإخماد التمرد.

تعلم پـادَرَفسكي العزف على البيانو وبرع فيه وانتقل الى وارشو للدراسة في كونسرفاتوارها، ثم عمل فيه مدرساً بعد تخرجه. أكمل دراسته الموسيقية في برلين وفي فيينا. بدأ سلسلة من الحفلات الناجحة في فيينا وباريس ولندن بعد 1887 ثم في الولايات المتحدة في 1891 التي أصبحت وطنه في نهاية المطاف. وكان أول من يقدم حفلاً على مسرح قاعة كارنيجي الشهيرة في نيويورك. وكان يقدم مؤلفاته في الحفلات، وقد حازت هذه الأعمال التي استمدت الكثير من المواضيع البولونية على نجاح في وقته.

حصل على شهرة كبيرة بسبب براعته في العزف وبسبب شخصيته الكاريزمية، وكان عضواً في منظمة الماسونيين الأحرار، شأنه شأن العديد من الموسيقيين الكبار مثل موتسارت (ليوبولد الأب وابنه فولفغانغ) وفيلكس مندلسون وفرانس ليست.

جلب له نشاطه المثابر في تقديم الحفلات ثروة استعملها في الأعمال الخيرية لدعم الموسيقيين الشباب مثل تأسيسه سنة 1896 صندوقاً دعم الموسيقيين المولودين في الولايات المتحدة بمبلغ 10 آلاف دولار، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت. دعمت مشاريعه الخيرية طلاب كونسرفاتوارات باريس وموسكو وبطرسبرغ، ودعم صندوق تأمين الموسيقيين في لندن وغيرها الكثير.

بدأ نشاطه السياسي في كراكوف سنة 1910 وحصل على شعبية كبيرة بسبب كونه فناناً ومحسناً لكن بالدرجة الأولى بسبب استقلاليته وعدم انتمائه الى أي من الأحزاب مما جعله شخصية مقبولة تتعالى على الخلافات توحد مختلف الفصائل. أصبح عضواً نشطا في اللجنة الوطنية البولونية في باريس خلال الحرب الأولى ثم الناطق الرسمي باسمها. قام بنشاط هائل في تلك الفترة لدعم قضية استقلال ووحدة بولونيا، وأصبح بمثابة وزير الخارجية البولوني في المنفى، فحصل على دعم الإنكليز والأمريكان بشخص الرئيس ويلسون الذي دعم قيام بولونيا المستقلة الموحدة.

جرى تعيين پـادَرَفسكي رئيساً للوزراء في 1919 لقرابة سنة، ومثّل بولونيا في مؤتمر صلح فرساي سوية مع بيسودسكي رئيس الدولة. استقال بعد الانتخابات الديمقراطية التي جرت، لكنه واصل سعيه في تمثيل بولونيا في المحافل الدولية

اعتزل پـادَرَفسكي المناصب السياسية في 1922 ليعود الى الموسيقى وتقديم الحفلات دون أن يترك الاهتمام بمصائر بلده في الفترة المضطربة بين الحربين، بل عاد ليترأس المجلس الوطني البولوني في باريس بعد الاحتلال الألماني لبولونيا في 1939، ثم في لندن.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top