جويس كارول أوتس

جويس كارول أوتس

إيمانُ كاتبة.. الحياة - الحِرْفة - الفن

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

جويس كارول أوتس Joyce carol Oates ، المولودة 1938 ، روائية أميركية تمثل ظاهرة فريدة في غزارة الانتاج والانتشار .

نشأت في ضواحي نيويورك وفازت بأول جائزة لها في مسابقة الرواية عندما كانت طالبة تتمتع بزمالة دراسية في جامعة سيراكيوز- وتخرجت من الجامعة بتفوق ثم حصلت على درجة الماجستير من جامعة ويسكنسون ، وفي سنة 1968 عملت مدرسة في جامعة ويندسور ثم انتقلت في 1978 الى ولاية نيوجيرسي لتدريس الكتابة الابداعية في جامعة برنستون ، وهي الآن استاذة متمرسة للإنسانيات .

القسم الأول

كتبت جويس كارول أكثر الروايات جدية وإثارة للجدل في عصرنا وأبدعت في نقد الحلم الأميركي وزيفه، و ترى جويس أنَّ شغف الثقافة الحديثة الأساسي هو العداء للفرد الذي ينعكس في أفعالِ عنفٍ ، وتشير إلى أنَّ رغبة الفرد في الاستقلال هي أهمّ مصادر الإخفاق الأخلاقي الذي يمثل العنف المفرط تعبيراً عنه وعقاباً له في آن معاً : فإنْ لم يتبيّن الفرد الحدود بين شخصه وشروط بيئته ويبقى ضمنها، فلسوف يتعرض للعنف والقتل لامحالة في مجتمع يعبد العنف . 

لاحقت جويس حيوات النساء والرجال الموشكين على الانهيار في رواياتها، وورد اسمها في لائحة المرشحين لجائزة نوبل للآداب مراراً ، كتبت روايتها ( هم ) عن التفرقة العنصرية في ديترويت الستينيات، وحصلت جويس في 1970 على جائزة( الكتاب الوطنية) عن روايتها) لأنها مرارة قلبي ) عن قصة حب مراهقين من عرقين مختلفين، بينما حصلت روايتها ذائعة الصيت ( المياه السوداء ) على ترشيح لجائزة بوليتزر وهي رواية عن حادثة فضائحية لأحد أفراد عائلة كندي مات مع عشيقته إثر غرق سيارته في إحدى البحيرات ، ثم كتابها الملحمي ( شقراء ) عن أيقونة أميركا ( مارلين مونرو ) الذي وصل الى القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطنية وقد سحرت كتبها عددا كبيرا من القراء وترجمت الى لغات عديدة. تعدُّ جويس نفسها كاتبة جادة و تتحدث عن كتابها الساخر الموجه للشباب ( الفتاة القبيحة والفم الواسع ) كنوع من التغيير في سياق عملها الروائي الجاد .

جويس كارول أوتس مرشحة مزمنة على قوائم جائزة نوبل للأدب ، ولم تغفلها هذه الترشيحات للسنوات العشر الماضية على أقلّ تقدير . 

أقدّم أدناه ترجمة لمقالات منتخبة كتبتها ( جويس كارول أوتس ) في شتى الحقول الإبداعية والفكرية، وتضمّ هذه المقالات تنويعة تعكس خصائص فكر الكاتبة المبدعة والطيف المتنوع والواسع لانشغالاتها الحياتية فضلاً عن الإبداعية . 

 المترجمة

الكتابة فنّ وحِرفة

الكتابة هي النشاط الإنساني الأكثر تطلّباً للعزلة بين كلّ الفنون : إنّ فعل الإنسحاب من العالم بقصد خلق عالمٍ مقابل له ، عالم يوصفُ بأنّه " تخييلي " و " إستعاري مجازي " ، لهو فعلٌ خليق بشحن أعلى أشكال الفضول البشري لكونه فعلاً قادراً على مراوغة الإدراك البشري السائد وملاعبته بطريقة أخّاذة .

لماذا نكتب ؟ ولماذا نقرأ ؟ وماالذي يمكن أن يكون دافعاً محتملاً وراء إعتماد الكاتب للغة الإستعارية المكتنفة بالمجاز والتخييل ؟ وقبل كلّ هذا وذاك : لماذا جعل البعض من البشر - كّتّاباً وقُرّاءً معاً - من " العالم التخييلي المُقابل " نمطاً من الثقافة السائدة إلى حدّ قد يبلغ في بعض الأحيان تخوم إستبعاد العالم الحقيقي في مقابل تصوّر إمكانية العيش في هذا العالم التخييلي المقابل واستطابة المُكوث فيه ؟ هذه هي الأسئلة التي لطالما شغلت تفكيري في معظم أطوار حياتي ، ولم أبلغ بعدُ مبلغ الحصول على إجابات يمكن أن أراها حاسمة ونهائية ، فضلاً عن أن تكون مقنِعة بالحدّ المقبول ، وأراني في هذا الجانب مكتفية بالتنازل عن الإجابات الكبرى الحاسمة والتماهي مع رؤية (سيغموند فرويد ) التي عرضها في مقالته الكئيبة ( الميلانخولية ) التي كتبها قبيل وفاته ، والتي جاءت بعنوان ( الحضارة ومُناوئوها ) ؛ حيث نقرأ فيها هذه الفكرة المدهشة :

ليس للجمال وظيفة إستعمالية بيّنة ، مثلما ليس له من أهمية ثقافية جليّة ؛ لكن برغم ذلك ليس في مستطاع الحضارة - أيّة حضارة - أن تدوم من غير إعلاء إعتبارات الجمال ومسوّغاته .....

إنّ كلاً من هذه المقالات المعروضة في هذا الكتاب - وقد كُتِبت على مدى زمني يمتدّ لسنوات عدّة - تكشف عن جانب محدّد من الجوانب الكثيرة التي أراها متعشّقة في فعل الكتابة . إنّه لأمرٌ واضح بالطبع أنّ مايدعى " الدفقة الإبداعية الخلّاقة " تبدأ بواكيرها الأولى مع الطفولة عندما نكون - كلنا ومن غير إستثناء - فنّانين مكتنفين بحماسة قلّ نظيرها ؛ وبسبب هذه الحقيقة التي إختبرناها جميعاً تراني ضمّنتُ مقالات هذا الكتاب بعضاً من تلك المقالات التي تحكي عن تجارب الطفولة ونزوعاتها الطاغية التي تتملّك روح المرء ؛ لكن من جانب آخر ، لمّا كانت الكتابة في ترسيمتها المثالية حالة من التوازن المحبّب بين الرؤية الشخصية والعالم الجمعي الذي يحيا فيه البشر ( أي بتوصيف آخر : بين الرؤية الشغوفة التي لن تكتمل في يومٍ ما ، في مقابل الرؤية الجمعية الناجزة المُشكّلة خارج ذات الكاتب والتي يمكنه دوماً جعلها خاضعة للتصنيف والتقييم ) فسيكون أمراً عظيم الأهمية أن يتفكّر الكاتب في أمر هذا الفن ( أي الكتابة ، المترجمة ) باعتباره حرفة ؛ إذ من غير الحرفة واعتباراتها اللازمة يبقى الفنّ شأناً شخصياً يفتقد القدرة على التأثير والتغيير معاً ، وفي الوقت ذاته فإنّ الحرفة من غير الفنّ تبقى محض أثر أدبي قوامُهُ رصف كلمات ومراكمتها فوق بعضها فحسب . تتناول معظم مقالات هذا الكتاب إشكالية " الفنّ والحرفة " في الكتابة ، وأشير بخاصة إلى مقالتي الموسومة ( أن تقرأ ككاتب : الفنّان باعتباره صاحب حرفة ) التي ركّزتُ فيها ، وبأعلى أشكال الوضوح والإبانة ، على العديد من الأعمال الروائية وبتفصيل تحليلي ليس بوسع القارئ أن يتغافله . ينبغي حثّ الكُتّاب الشباب أو المبتدئين في الكتابة ؛ بل وحتى دفعهم دفعاً من غير تراخٍ أو نكوص ، إلى التبحّر في قراءات واسعة مكثّفة ، للكلاسيكيات والأعمال المعاصرة معاً ؛ إذ يتوجّب أن يكون الأمر واضحاً للجميع : من غير الإنغماس الشغوف في تأريخ الحرفة ( الكتابية ) فلن يكون مُقدّراً للمرء سوى أن يظلّ عصياً على النضج في ميدان الكتابة ، وسيظلّ سادراً في تصوّراته الفقيرة التي ترى أنّ الحماسة وحدها ، ووحدها فحسب ، يمكن أن تشكّل تسعاً وتسعين بالمائة من الجهد الكتابي الإبداعي . 

لأنّ الكتابة جهد بشري يتسربلُ بالعزلة ، وهو يبقى فنّاً في الوقت ذاته ، فيمكننا دوماً " تعلّم " شيء ما بشأنه : مع أنّنا - الكُتّاب - نعتاشُ على وقود اللاوعي فإننا نستطيع جعل ذواتنا أكثر وعياً في سياق الممارسات الكتابية ؛ بل ويمكننا حتى جعل أنفسنا أكثر حكمة وتبصّراً وتوجّساً إلى مستوى يتّسم بالمعقولية والتناغم مع متطلبات العيش الرشيد . يمكننا ، بكلّ تأكيد ، التعلّم من أخطاء الآخرين وليس من أخطائنا الشخصية فحسب ، وفي الوقت ذاته يمكننا أن نستمدّ الإلهام من إلهامات الآخرين . ثمة العديد من المقالات في هذا الكتاب والتي إبتغيتُ منها تناول طائفة واسعة وشائعة من الموضوعات السايكولوجية / الجمالية التي تمثّل ميداناً للتفكّر العميق من جانب أغلب الكُتّاب - كما أرى - على الرغم من وجود بعض الكُتّاب الذين ماكانت تمثّل لهم موضوعات مستحقّة للنظر الفاحص والرؤية المدقّقة ( أحسبُ أنّ كُتّاباً من طراز هنري جيمس ، جيمس جويس ، فيرجينيا وولف كانوا بعضاً من هؤلاء ) ؛ فقد إنكفأ هؤلاء على ذواتهم - كما يفعل أغلبنا - وتعاملوا مع أنفسهم كمحض كائنات مستوحدة خلِقت لتكتب فحسب . ثمة أيضاً ذلك الإنخلاع الغريب للهوية الذاتية - تلك الخصيصة التي يستشعرها كلّ الكُتّاب والتي لاتفتأ تتعاظم مفاعيلها مع الزمن ، وجوهر ذلك الإنخلاع الهوياتي هو أنّنا ذواتنا التي تكتب ، ولسنا تلك الذوات في الوقت ذاته ! ، وقد تناولتُ هذا الإشكالية الغريبة في واحدة من مقالات هذا الكتاب . 

متى عرفت أنّك تمضي في طريقك لكي تكون كاتباً ؟ : هذا هو السؤال الذي غالباً مايتردّد على مسامع الكُتّاب . بقدر مايختصّ الأمر بي فإنّ هذا السؤال ذاته هو أحجية أقرب لتوصيف " المعضلة " التي تستعصي على أية إجابة مقبولة ، وفي العادة تدفعني غريزتي لكي أهرب بعيداً عن هذا السؤال : إنّ الإفتراض القائم على أساس رؤيتي لذاتي ككاتبة مكرّسة ، وبأيّ معنى شكلاني يضجّ بالرنين والتفخيم لوظيفة الكتابة ، هو إفتراضٌ مرذول لاتستطيبه روحي ؛ فأنا أكره رؤية الكاتب باعتباره كائناً يمتلك صوتاً نبوئياً متفرّداً ويخلع على ذاته خصيصة الأهمية الشخصية المنتفخة التي يخلعها الناس في العادة على من يرون فيه رائياً Seer . إذا كانت رؤية هذا الأمر مرذولة في العالم ؛ فكم بالحريّ سيكون مبلغ السوء إذا مااستشعرها المرء - الكاتب في ذاته ؟ !! 

إنّ روح هذا الكتاب - وهو إيمان كاتبة بالكتابة - يقصَدُ منه أن يكون أطروحة بعيدة عن الدوغمائية المتيبّسة ، والمقولات العجفاء ، وأن تكون في الوقت ذاته أطروحة مشروطة بدوافع ذائقتي الشخصية . يتناول الكتاب عملية الكتابة ذاتها بأكثر ممّا يتمحور على الموضوعة الزلقة الشاقة التي تتناول عملية " أن يستحيل المرء كاتباً " . لم أرغب أبداً في كلّ مراحل حياتي - والأمر هنا سواءٌ لو كنتُ مواطنة أو كاتبة - أن أرفع من شأن واحدة من ممارساتي الكتابية إلى مرتبة تستحقّ معها أن تكون مبدأً يتّخذه الآخرون هداية لهم . ثمة نسق لايخفى على القارئ يجمعُ هذه المقالات معاً - ذاك هو حسّ الدهشة الراسخة إزاء الكيفية التي يستطيع بها كائن مستوحد يعتاش مع أفكاره ( أي الكاتب ، المترجمة ) أن يصبح رمزاً جمعياً يؤثّر في الروح الإنسانية المشتركة حتى لو حصل الأمر بعد أن يغادر الحياة . نحن - الكُتّاب - نبدأ مشوارنا في الحياة مستوحدين ، وبعضنا على الأقلّ يمتلك في واقع الحال سماتٍ وراثية تدفعه لتبنّي شكل مرغوب من الحياة المستوحدة ، ولو بذلنا في عملنا الفني قدراً معقولاً من المجالدة والثبات ولم نلقَ الخذلان والإنكفاء بسبب غياب وسائل دعم الحرفة الكتابية لدينا فقد نجد السلوى في ذلك العالم الأدبي المقابل لعالمنا الحقيقي - ذلك العالم التخييلي الغامض الذي يتعالى على كلّ صنوف الحدود الإصطناعية التي يخلقها الزمان أو المكان أو اللغة أو الهوية القومية . إنّ هذه العزلة التي يرتاح إليها الكاتب - الفرد وتأنس فيها روحه ويجد فيها سكينته هي وحدها القادرة على إنتاج ثقافات قد تتمايز فيما بينها لكنها تتشارك كونها متعدّدة الأطياف ، فاتنة على الدوام ، وقادرة على التطوّر المستديم الذي يثري الحياة الإنسانية .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top