استقالة عادل عبد المهدي خطوة أولى في الاتجاه الصحيح ولكنها ليست كافية

آراء وأفكار 2019/12/04 06:46:42 م

استقالة عادل عبد المهدي خطوة أولى في الاتجاه الصحيح ولكنها ليست كافية

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

على وقع الأحداث المآساوية الدموية المستمرة بين السلطات الأمنية "غير المشروعة من طرف ثالث أوغيره " على أختلاف أشكالها ومستوياتها ومصادرها مع الشعب العراقي المنتفض

من خلال كتلته الحرجة جيلنا وشبابنا العراقي سقط المئات من القتلى والآلاف من الجرحى والمعتقلين معمدين أرض العراق الشهباء الطيبة الكريمة بدم غال لن ينسى أو يمحى من الذاكرة. لم يعد أمام الساسة العراقيين متسع من الوقت لأوراق إصلاحية مهما بلغت أهميتها حيث أن الثقة بين الشعب المنتفض الثائر والسلطات القائمة وصلت لطريق مسدود بل وربما تم إزالتها من المشهد العراقي .

إن خطوات الإصلاح الدستوري- السياسي الجزئي لم تعد كافية لوحدها خاصة وإن التوصل من خلالها لنتيجة إيجابية حقيقية ملموسة لم تعد أمراً يمكن تصوره في ظل استمرار حالة المصادمات الدموية المؤسفة حقاً والتي أضفت على المشهد العراقي مضموناً وشكلاً مآساوياً بإمتياز. 

الأمم المتحدة من خلال ممثلتها أشارت الى أن ماوصلت إليه المصادمات من نتائج دامية لم تعد أمراً يمكن للمجتمع الدولي السكوت عليه. ماتفوهت به المرجعية الدينية في النجف الأشرف من رسائل بالغة الأهمية ترجم فعلياً لواقع سينتهي بسحب البرلمان الثقة عن رئيس الوزراء علماً بإن السيد عادل عبد المهدي طلب الاستقالة لمجلس النواب كخطوة أولى لها مابعدها من خطوات مهمة تتمثل في تطبيق قانوني إنتخابي جديد سليم على أساس مناطقي لوحدات محلية –إقليمية يتنافس في ظلها المرشحون جميعاً دون تدخل لأية أحزاب أو تكتلات سياسية أو أعضاء برلمانيين ثبت من واقع التجربة السياسية أنهم فشلوا - يكاد يكون جميعاً - فشلاً ذريعاً في ترجمة الأقوال أو مشروعات القوانين والقوانين لحقائق ملموسة تنفع المواطن العراقي وتستجيب لمطالب المواطنين العراقيين السلمية الذين وصل إلى قناعة تامة ونهائية أنه مالم يتم السير بإتجاه إنتخابات مبكرة من خلال قانوني تاسيس المفوضية المستقلة للانتخابات وقانون للأحزاب السياسية يتم التأكيد عليه وفقاً لمعايير تبعده عن أي نوع من اشكال المحاصصة لايمكن تصور أن العراق وشعبه الأبي الصامد المناضل أن يقبل بحلول مجتزأة وغير واقعية بل وترقيعية لن يتم تطبيقها بصورة قانونية – دستورية سليمة واضحة المعالم. مايمر به العراق لهو أمر مستهجن ليس فقط وطنياً بل ودولياً وإنسانياً خاصة وأن سفك الدم العراقي الغالي في محافظات الوسط والجنوب أضحى بحاجة لمن يوقفه وفوراً مع إعتماد آليات قانونية –دولية يتم من خلالها محاسبة كل من أقترف جرماً مشهودا أو حرض على أقتراف جرم دون وازع إنساني أو أمني حقيقي .

إن العراق وشعبه ومن خلال ساحات التظاهر سطّر أبلغ الدروس للانظمة السياسية المحتكرة للسلطة بإتجاه رسالة بناء بلد يتمتع أبناؤه بالوطنية الخالصة دون أي نوع من المحاصصات الطائفية – العرقية والجهوية. من هنا لايجب أن ينزلق العراق بأتجاه حرب اهلية أو استبداد وهذا ما أكدته المرجعية الدينية في خطابها الأخير ولكن هل سيكون مجلس النواب على قدر المسؤولية التاريخية ليس فقط في قبول استقالة السيد رئيس الوزراء وإنما في المضي قدما في خطوات بناء وطن عراقي حيوي لكل ابنائه ولكل من يقيم على أرضه الطيبة ، أم سيستمر التسويف والمماطلة وتتجه الأمور لحمام دم يغرق المزيد من أبنائه الأبرياء فيه لالذنب سوى أنهم نزلوا لأول مرة يطالبون بحقوقهم تحت شعار " نازل أخذ حقي". مسألة كان بالإمكان تجاوزها بصورة سلمية منذ فترة طويلة دونما أية مواجهات دموية خاصة وأن دولاً كثيرة في العالم واجهت مطالب الجماهير المنتفضة دون سقوط مثل هذه الاعداد الكبيرة جداً من الضحايا. مظاهرات لبنان وهونك كونك وشيلي وفنزويلا وغيرها كلها استمرت وتستمر لفترات طويلة نسبياً ولكنها لم تنته لما انتهت إليه مظاهرات وإعتصامات وإضرابات العراق؟؟؟ يتضح من كل الذي جرى أن العراقيين بحاجة لحكماء وعقلاء من ذوي الرأي السديد أن يدلوا بإرائهم وأن يقفوا موقفاً واحداً من خلال إصدار نداءات إلى المجتمع الدولي لحماية الشعب العراقي خاصة وأن العراق اليوم بحاجة كي تتدخل الامم المتحدة فعليا بشكل حاسم من خلال مجلس الامن لتطبق قرارات مهمة عاجلة من ضمنها تلك المتعلقة بتنفيذ مقررات وقرارات القانون الدولي العام والانساني بشكل خاص International Humanitarian Law وكذلك قرار الحق في الحماية الشاملة الانسانية للمواطنين كافة RIGHT TO PROTRECT (R2P). الخطوات الوطنية التي نادت بها المرجعية الدينية وكافة شرائح المجتمع العراقي من شباب وشابات ، رجال ، نساء وأطفال لابد أن تنتج واقعاً صحياً جديداً . كما أن من واقع التطورات الجدية ستتاسس لجنة تنسيقية موحدة توحد المطالب في إطار خارطة طريق جلية واضحة المعالم تقدم للامم المتحدة التي بدورها تعرضها على من بيده الحل والعقد في المرحلة الانتقالية . لعلني اؤكد في هذا المجال انه على كل عراقي وطني شريف نزيه أن يقدم رأيه ومقترحاته صريحاً وقوياً من خلال تجمعات منظمات المجتمعات المدنية غير الحكومية والنقابات والاتحادات الطلابية – العمالية – الصناعية- الفلاحية ولرجال الأعمال منعاً لمنزلق خطير لابد من تجاوزه بكل الوسائل والطرق دون خوف أو وجل. كما أن على كل الجهات الاعلامية غير المنتمية لجهات فاسدة أو موجهة بأتجاه خدمة أنظمة سياسية لديها أجنداتها الخاصة على حساب الأجندة الوطنية الخالصة أن تفضح ما يجري بكل التفاصيل الممكنة لفضح ومحاسبة كل الممارسات غير المشروعة قانوناً ممارسات حاولت حرف المظاهرات عن مسارها السلمي خاصة وأن التظاهرات في ساحة التحرير وسوح التظاهر تسير بإتجاه تأسيس بناء نظام سياسي حديث أو متطور لبرالي نزيه بعيدا عن كل أساليب القمع وتجذر الفساد في مناح العراق المتنوعة سياسياً –أمنياً – إقتصادياً – إجتماعياً"استراتيجياً" . من هنا، أهمية أن تشكل حكومية إنتقالية مهنية ربما قضائية أو عسكرية أو مدنية أو تجمع كل هذه المسارات الموضوعية بصورة الاستقالية متخصصة نزيهه هدفها حماية شعبنا من كل المخاطر المتوقعة للمرحلة القادمة والتي يفترض ان لاتحمل مفاجأت غير سارة من تدخلات سلبية من قبل جهات لاترغب باستقرار وأمن وإزدهار العراق. عقب استقالة عادل عبد المهدي لابد للبرلمان العراقي من توضيح كل الملابسات الانسانية المآساوية لماحدث بصورة جادة شفافة وقانونية شاملة مع مسار قضائي أساسي لمحاسبة كل من تسبب بهذه المآساة من وزراء وقادة أمنيين ومستشارين وإداريين أو غيرهم من تسببوا في نقل صورة غير واقعية عن ماجرى أمنياً خاصة عمليات القتل المتعمد أوحتى ترك البلاد تسير في إطار إدارة فاشلة للدولة العراقية . إن عراق مابعد الأول من أكتوبر 2019 عن ماقبله. 

قبل الولوج في التفاصيل القادمة لابد من أحترام أرواح الضحايا وحرمة اية ممتلكات من اية إعتداءات متقابلة قد تكون ثآرية تنتج لنا وضعا غير أمن ومستقر . من هنا لابد من تاسيس حكومة انتقالية مستقلة تتمتع بصلاحيات رادعة لمنع الاضرار بارواح المواطنين أو بممتلكاتهم الخاصة أو بممتلكات الدولة. هذا وطالما عد الشعب مصدر السلطات في الدولة الديمقراطية "الحقيقية" فإن من يمثله لن يحيد مستقبلاً عن حماية العراق وأهله للمراحل القادمة دون إغفال لمحاربة ومحاسبة الفساد الذي تجذر في كل أركان مؤسسات الدولة لأن دون ذلك لن يكون للتغييرات السياسية أو الامنية أي معنى طالما بقي الفاسدون والمفسدون يتجولون بكل حرية ودون وجل. كما أن محاسبة كل من تسبب بجرائم إنسانية كبرى في إطار محاكمات جنائية تسير وفقاً للقانون وللعدل المتطلب دستورياً. هذا وإن لمجلس الأمن الدولي سيكون له دوراً مستقبلياً في المحاسبة الجنائية الدولية وهي مسألة من الصعب تصور نتائجها. 

إن انطلاق الاحتفالات العارمة من ساحة التحرير ومن سوح التظاهر الأخرى عقب استقالة رئيس الوزراء لهو أول الغيث بإذن الله تعالى لعراق جديد منتصر ضد كل من رام اسقاطه وسيبقى العراق قوياً فاعلاً مؤثراً وطنياً – اقليمياً ودولياً بقوة إرادة ابنائه .هذا وإن علم العراق ونشيده الوطني سيبقى مرتفعاً ورايته عالية بيد عراقية وطنية قوية. ولكن يبقى أن نقول بإن تقديم استقالة عادل عبد المهدي لازالت خطوة أولى مهمة لها مابعدها الأهم في تغييرات بنيوية لكل أجهزة الفساد واحتكار سلطة القرار من قبل مافيات وعصابات الفساد . علما بإن أي تدخلات خارجية لن يسمح لها مستقبلاً . أخيراً قد جاءت الاستقالة إذن في وقت تتمزج فيه الإفراح بإقامة مجالس العزاء الحزينة. وبرغم كل ذلك، فأن العراق سيتهض قوياً وفاعلاً للمراحل المستقبلية في ظل "دولة مدنية دولة المواطنة الحقيقية" التي تعيد للعراق هيبته وكرامة شعبه الكريم. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top