(العلبة والكُتلة) لسركون بولص..ضِعة الإنسان وفجوة المكان

(العلبة والكُتلة) لسركون بولص..ضِعة الإنسان وفجوة المكان

د. نادية هناوي

القّصةُ القصيرة فنٌ لا يخضعُ لمواضعاتِ البناءِ التي تقتضيها الكتابةُ الروائية. وهذا ما يتيحُ للقاصِ أنْ يجدد في عناصر القص ويجرب غيرها، لينتج منها سردًا له محمولاته الخاصة. 

وإذا كانت الرواية سليلة الملحمة في عنايتها ببطل له سمات النبالة وعليه تقع مسؤولية التغيير أو على الأقل محاولة التغيير، فإنَّ القصة القصيرة ليستْ كذلك، كونها تريدُ من الشخصية أن تكون عمومية أو من شخصيات القاع، وقد ذابت فرديتها في المجموع، وانحطت منسحقة ومقهورة بالعموم.

وفي هذا الانحطاط سرُّ تأزمها الذي لا يراد من وراء انفراجه أي تغيير أو تحول يتعدى حدود الذات التي تقوقعتْ حول نفسها، لعلها تتخلص من تبعات المجموع الذي تلبس فيها، فلا تستطيع منه فكاكا. وقد صيّرها رهينة الشعور بالهامشية والتبعية لتنتهي مختبئة في دهليز تحتي بعيدا عن المجتمع.

وعادة ما يكونُ للواقعية الجديدة أثرٌ مهمٌ في توجه القصةِ هذه الوجهة، وقد اتخذتْ من التشيؤ مسارًا فنيًا، يعكس الضآلة والتدني في القيمة الانسانية التي ضاعتْ تقهقرًا وضعة.

وأحد تمثيلات الضعة في القصة القصيرة جعل الإنسان محشوراً في فرديته ومنبوذاً في انعزاله، مذعوراً من كتلة ستصهره هي عبارة عن المجموع البشري الذي يريد ابتلاعه. فيبدو العالم خاطئاً وهو يضع الذات في متاهة ثم يطاردها بدوامة تقلقل استقراراها، فلا تجد ملاذاً تهرب إليه، ما دامت دوامته تجذبها إليه من مختلف الزوايا.

وليس بمستطاع القاص أنْ يجسد هذه الثيمة؛ إلا إذا جعل قصته تنظر كما يقول ميشيل بوتور:" إلى المجتمع بكامله لا من الخارج، كأنه جمهور ننظر إليه بعين شخص منفرد؛ بل من الداخل كأنه شيء ينتمي إليه شيء لا يستطيع الأفراد مهما بلغوا من الغرابة والسمو أن ينفصلوا عنه تماماً" ( بحوث في الرواية الجديدة، ص89)

وليس وراء الضعة غيرُ الفراغ والصمت اللذين فيهما مزيد من الذوبان للمسرودات التي ستبدو كنقطة في المجموع، فتضيع صورتها وتصير مجرد ظل من الظلال وقد خدعتها الحياة. والشعور بالضعة هو الذي يوقظها من وهمها لترى نفسها بلا إرادة ولا قوة، شأنها في ذلك شأن أي شيء من الاشياء الجامدة والمستهلكة، وقد ارتهن مصيرها بالنخبة التي ستقرر مصيرها بدلًا عنها. 

أمّا دور السارد فسيقتصر على تتبع خطوات الشخصية وهي تعيش متاهة الوجود، واضعاً أمامنا خارطة المكان السردي الداخلي والمكان الخارجي اللذين يتضمنان حتما وبدا ما تسميها سوزان هارفر (فجوة وجودية) هي سر التأزم بين الشخصية والعالم المادي. 

وليس من سبيل لردم هذه الفجوة سوى بالوصل والانقطاع اللذين يجعلان معمارية القصة كالدهليز وعلى القارئ أن يدخل هذا الدهليز، فيكون مع الشخصية من نهوضها الصباحي إلى انتهاء يومها وصولاً إلى اقفال مؤجل لا نهائية له. 

وهذا ما برع القاص العراقي سركون بولص في تجريبه في قصته القصيرة ( العلبة والكتلة ) المنشورة في مجلة الآداب اللبنانية في عددها الأول عام 1968 والتي نعدها نموذجاً تجريبياً شيّد به بولص مع غيره من القصاصين العراقيين البنيان للقصة الواقعية الجديدة. هذه القصة التي تراهن على المكان السردي لما له من أهمية جمالية في بلورة الثيمة القصصية، مما كان جوزيف فرانك قد أكده وشدّد عليه في أكثر كتاباته. وأهم جماليات المراهنة على المكان استدعاء القارئ بطريقة منطقية ليتفاعل مع الشخصية، التي محورها المكان لتكون ضائعة في متاهته، وقد تقوقعت حول ذاتها، محشورة في ضآلتها ومنفصلة عن واقعها بتهويمات وتداعيات لا شعورية تكتنفها، لتوصلها بالمجموع الذي صار كالكتلة التي تبتلعها بلا إرادة منها، فتنسحق مغلوبة مقهورة مع" البشر المعلبين في بدلات ومقيدي الرقاب بأربطة أبدية"

وقد راهن بولص بالواقعية الجديدة على منح القصة أبعادًا رمزية، تفيد من الوصف المكاني في رسم صورة الإنسان المغلوب على أمره، والمسيّر في يومه وغير المخير في حياته، المغمور والمهدد والمذعور والمرصود والمراقب في عصر صارت المادة فيه هي كل شيء .

وتتخذ خارطة المكان في قصة( العلبة والكتلة ) شكل منحى مغلق بهندسية أساسها المطاردة بالتنافر حينا والتجاذب حينا آخر، بدءاً من الغرفة التي تضيق على أدمون وقد أرعبه الوطواط بـ" رأسه الضفدعي الاصلع وهيكله الفرائي ورفيف جناحيه الجلديين" فتداعت في ذهنه حكاية شعبية فيها الوطواط ينحشر في وجه من يصطدم به فيشوهه، كما أن الصورة المعلقة بإطارها الخشبي وعلب الفاكهة والمداومة اليومية عليها تشعره بمزيد من الالتصاق والحشر، فينفر إلى المطعم ليجد أمخاخ الحيوان تطارده، ويهرب الى دار السينما فتذعره سيول المتفرجين، لتلقي به في الشارع وفجأة وبلا موعد يجرفه حشد بشري يتظاهر رافعاً الرايات، وهنا يبلغ التأزم ذروته لتكون القصة قد بلغت أقصى درجة في التشفير الرمزي"التفت إلى يساره كان الحشد قد تجمع على نفسه فجأة وغدا كتلة متماسكة دائرية الشكل تقريبا وببطء برزت من وسط الكتلة رايتان كبيرتان من الخيش الأبيض" 

وبتصاعد الاحساس بالتشيؤ داخلياً، يفقد ادمون القدرة على مقاومة الانجذاب نحو دوامة الحشد الذي يحركه كيف يشاء.

وباستعمال الوصف حركة وسكوناً، والزمان ذوباناً وسيرورة، يتحوّل ادمون من فرد مهزوم من التعليب والحشر إلى نقطة مذابة في كتلة كبيرة. ويغمره الإحساس بأنه مخدوع من الجذور إلى القمة، مستلب في المجموع الذي صار كتلة تديره حيث أرادت، في إشارة الى الضعة التي وصلها الإنسان في عصر التكنولوجيا والاستهلاك المادي. 

وليس مثل القصة القصيرة فن قادر على تجسيد تبعات الضعة والانحطاط، بدءاً من الشعور بالضآلة وانتهاءً بالانحشار مغمورا في القطيع الذي ليس فيه إلا من هو مثله فقرا وضيق حال ومحرومية ليكون المجموع بكامله سلعة رخيصة في يد الحاكم الذي يمثله في القصة البرجوازي الذي لم يكن في نظر ادمون محشورا في علبة، بل له ذاته وكينونته التي بدت وكأنها محور يتحرك خارج سياق الانجذاب للدوامة مسيّرا الاطراف بالخفاء. وقد رمز القاص لذلك كله بالمضغ" غضبه الحقيقي كان في أسنانه وبدل أن يعض لسانه أو شفتيه اخذت تنغرز بلا شفقة في الطماطم المفرومة في الخضراوات في اللحم والخبز" تدليلا على أن البرجزة هي القوة الخارجية التي تسير الجموع لتجرف الافراد جرفا، بلا طائل منهم لمعارضتها، وهكذا يتحرك ادمون بحسب حركة الكتلة الحية صامتا،" سمع ادمون بوضوح صوتاً قوياً يهيب فجأة : ايها الإخوان أيها الإخوان" منتقلا معها من شارع الى شارع ومن ممر إلى ممر لينتهي المطاف به عند حافة النهر بينما" الكتلة قست وتصلبت كانها عضلة واحدة"

وهنا تحصل المفارقة التي بها عرف القاص سركون بولص كيف يعطي لقصته قفلة لا نهائية، من خلال تحول ادمون مستلباً إلى ظل بثلاث صور تتنافر وتتجاذب معا، ظل يلاحقه ليتجه به نحو الاسفل ليكون نزيل دهليز ينام فيه الى الابد بلا صوت ولا كيان، وظل يركض به خارج الحشد ليخرجه من الدوامة، وظل يريد منه الاستمرار في الركض نحو النهر المستمر في جريانه.

وبهذا يتجسد لنا تشظي الذات المغمورة التي استخفت بها الحياة فتركتها صريعة خيباتها وقد ناوأها الوجود وتعاند معها وعيها. وبسبب تأثر سركون بولص بكتاب غربيين برزّوا مثل هذا النمط من الشخصيات، نجد الرمزية عنده قد تتحول الى سريالية تعكس اللامبالاة الحياتية بين ما هو مزيف ومثالي أو اسطوري طفولي وناضج واقعي.

وقد واصل سركون انتهاج مذهب الواقعية الجديدة في أغلب قصصه القصيرة، ملقيا بشخصياته في عالم سوريالي لتذوق فيه مرارة الواقع المصطرع بقسوة المادة، التي نومت انسانية الإنسان مغناطيسياً وأفقدته الوعي بكينونته، ليصير سجين استهلاكيته وضحية التشظي والتشويش الذي قولبه مكانياً وزمانياً كشيء من الأشياء لا نظام له في حياته، غير مستقر على حال أو مآل، نفسياً ووجودياً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top