باليت المدى: الكلب بابلو

الأعمدة 2019/12/08 07:21:10 م

باليت المدى: الكلب بابلو

 ستار كاووش

لم أكن أتوقع أن اسم كلب جاري الجديد هو بابلو، أنا المحب لهذا الأسم الذي يعيدني لبيكاسو، لذا حاولتُ إنتهاز بعض الفرص والنظر إليه خلسة، لكني كلما دققتُ بملامحه المروعة لم أستطع التوصل لسبب معقول لهذه التسمية، ولم أجد مبرراً كافياً للصقِ إسم بابلو على هذا الكلب غريب الأطوار،

حتى أني لم اجرؤ على سؤال جاري البدين عن ذلك، لأننا لا نعرف بعضنا بشكل جيد، وربما كان السبب هو عدم إعطائه فرصة للمبالغة والتباهي، كأن ينظر نحو الكلب بزهو قائلاً (تعجبني قصائد بابلو نيرودا ولوحات بابلو بيكاسو، لذلك لم أجد أفضل من هذا الأسم). 

شغلني هذا الكلب وإسمه كثيراً، لكني أبقيتُ على هذا الهاجس بداخلي، مع رغبة جامحة بتغيير الاسم، لكن كيف أفعل ذلك وأنا أتحاشاه في كل مرة يقع فيها بصري عليه من قريب أو بعيد! والمسألة لم تتوقف عند غرابة الكلب وإسمه فقط، بل تحول الأمر الى هاجس يلازمني كلما عبرت حديقة البيت نحو المرسم الذي يقع في الجانب الخلفي من المنزل، حيث يتصاعد شخيره مع تقدم خطواتي وأشعر بإقتراب صوته أكثر، من خلال سياج الشجيرات المتسلقة الذي يفصل بيننا، حتى صار كأنه ظلي الذي يقع في بيت الجيران. مع ذلك حاولتُ أن أحرر نفسي من التفكير السلبي بهذا الكلب، وبدأت بمحاولة مداعبته من خلف السياج بكلمات معينة من قبيل (كيف حالك اليوم يابابلو؟) أو (هييه أيها الولد الكبير، أمازلت مستيقظاً؟) لكنه رغم هدوءه النسبي أزاء هذه الكلمات ظَلَّ يسير بمحاذاتي من الجهة الأخرى، وأحياناً يزمجر وكأنه يحاول إثبات وجوده الكبير وسطوته وتأثيره على الآخرين (وهذه الصفة ربما هي الوحيدة التي يتشابه فيها مع بيكاسو!). 

ذات مرة قررتُ التلاعب بإسمه وتغييره من بابلو الى ماكس، لأني رأيتُ أن هذا الأخير يشبهه كثيراً، لذلك صرت أَدوفُ الأسم الجديد مع عسل إسم بابلو وأنا أخاطبه، راجياً أن أسحب الأسم القديم شيئاً فشيئاً وأرميه بعيداًعن متناول سمعه، وهكذا بدأتُ أخاطبه من خلف السياج ببابلو ماكس، والكلمة الاولى عادة ما تكون خفيفة وبالكاد تـُسمَع، مع التركيز على قوة ماكس! لكن مَرَّ الوقت ولم تنفع هذه الحيلة، ولا شكَّ بأنه قد تعود على اسم بابلو منذ ولادته. 

كان يعرف تماماً وقت دخولي المرسم، وعند لحظة شروعي بالرسم، أسمعه يهز جسده بسرعة طارداً بقايا ماء الحوض البلاستيكي الأزرق الذي غطس فيه بعض الوقت، أو يخربش الجدار من الجهة الأخرى للمرسم. وبما أنه من فصيلة روتفايلر المخصصة للحراسة، فهو ينتبه لأية حركة أو صوت مهما كان منخفضاً، مع ذلك لا ينبح إلا عند الحاجة لذلك أو لحظة شعوره بوجود غرباء. وذات مرة جلب لي ساعي البريد طرداً ودَقَّ جرس الباب كي إستلمه، ليتحفز بابلو من مكانه المحاذي لي وينبح محدثاً جلبة خلف البوابة الحديدية الضخمة التي تفصله عن الشارع، وهنا تَسَمَّرَ ساعي البريد في مكانه، وهو يرفع حاجبيه ويدفع رأسه قليلاً الى الخلف عند سماعه نباح (بل زئير) بابلو، وأنا بدوري طمأنته وأدعيتُ بأني أستطيع تهدئة الكلب قائلاً وأنا أمد رأسي بِريبة نحو البوابة (هذا أنا يا بابلو، اتحدث مع ساعي البريد، ليس هناك ما يدعو للقلق)، وهنا شعرت بأنه إكتشفَ حيلتي، لكنه مررها لي هذه المرة بسلامة وكأنه يقول في قرارة نفسه (لا تتذاكى عليَّ أمام الغرباء). وهكذا تكررت مثل هذه الأحداث كثيراً حتى صرتُ خبيراً بكل ردود أفعاله، وهو كذلك بدا على الطرف الآخر كمن ينتظر مني التوضيحات والإشارات كي يسير يومه بالشكل الذي تعود عليه. 

ياللكلب الذي صار صديقي دون أن أدري، ويالجهلي بطبيعة وعادات الكلاب، وليسامحني على عدم درايتي، بعد أن تكونت بيننا هذه الصحبة، حتى صرتُ لا أبدأ يومي إلا بعد أن ألمحه من خلال بعض الفتحات التي أحدَثَها في السياج الأخضر وهو يتقافز ويعدو مع خطواتي لبدء يومه الجديد، لأقتنع أخيراً وبشكل نهائي بأن إسم بابلو ليس ملائماً له فقط، بل ويمكنني أن أضيف له بيكاسو أيضاً. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top