ثورة الزنج .. فيصل السامر المؤرخ الموضوعي العلمي الحيادي

ثورة الزنج .. فيصل السامر المؤرخ الموضوعي العلمي الحيادي

شكيب كاظم

وأنت تنجز قراءة هذا الكتاب المهم، تتجلى أمامك الموضوعية والحيادية والدقة العلمية، التي يفتقر إليها كثير من المؤرخين والكتّاب في الشأن التاريخي، والسبب يعود إلى انحياز المؤرخ إلى فكر معين، ومحاولة إسباغه على نصوص التاريخ، أو محاولة تجميل الصورة،

والسير على منهج عين الرضا عن كل عيب كليلة، مع أن منهج البحث العلمي يتطلب من المؤرخ ترك أفكاره جانباً، وتناول الحدث كما حصل من غير تجميل أو تقبيح، وهذا يدعوني للحديث عن دراسة التاريخ والكتابة فيه في عالم متغير ومتحول، ولا سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وبروز ثورة الاتصالات، فإن التاريخ يجب أن تعاد قراءته، وليس إعادة كتابته، لأن إعادة الكتابة ولا سيما في الدول الشمولية تعني حجب حقائق التاريخ مع ما يتلاءم مع رأي الحاكم.

وأنا أنجز قراءة كتاب ( ثورة الزنج) للمؤرخ العراقي الراحل الدكتور فيصل ( جري مري) السامر ( ١٩٢٦-١٩٨٣)والذي هو في الأصل بحث لنيل درجة الماجستير من جامعة فؤاد الأول ( القاهرة حالياً) عنوانه ( حركة الزنج وأثرها في تاريخ الدولة العباسية).والغريب في الأمر أن الأستاذ السامر وهو المؤرخ يغفل تأرخة أي أمر، مما يوقع الباحث بل القارئ في الإبهام، فهو لا يذكر سنة نيله درجة الماجستير من جامعة فؤاد الأول، لكن نستنتج من اسم الجامعة، انه أكمل بحثه قبل يوليو ١٩٥٢، لأن بعد هذا التأريخ غير اسمها إلى جامعة القاهرة، كما لم يؤرخ الطبعة الأولى فضلاً عن الثانية، لكن أيضاً نستنتج أن الكتاب نشر سنة ١٩٥٤ إذ قال في بداية مقدمة الطبعة الثانية: نشرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب قبل سبع عشرة سنة نفذت (كذا وردت. وصحتها نفدت) خلالها نفاذا (كذا)تاما، واختفت من المكتبات، وقد شجعني على إعادة (ثورة الزنج) ذلك الإلحاح النبيل والمتواصل من جانب المعنيين بالموضوع". تراجع ص٧

لكن نجد إشارة تفيدنا أن الكتاب طبع ببغداد أول مرة سنة ١٩٥٤، إذن صدرت الطبعة الثانية سنة ١٩٧١، مستفيدين من إشارة الدكتور السامر في بداية مقدمة الطبعة الثانية،ان الكتاب نشر قبل سبع عشرة سنة

قلة الدراسات الفكرية

دافِع الأستاذ فيصل السامر للبحث في ثورة الزنج، دافِع نبيل وعلمي، إذ وجد الساحة تخلو من دراسة للحركات الفكرية والاجتماعية مثل: المعتزلة وإخوان الصفا والدعوة القرمطية، وظلت التأرخة مقتصرة على الخلفاء والملوك والأمراء والسلاطين والحروب.

لقد وجدت الأستاذ السامر في بحثه المكثف هذا، بعد أن حذف منه كثيراً من التفاصيل غير الجوهرية- كما يذكر في مقدمة الطبعة الأولى- حين طلبت إليه دار القارىء طبع بحثه هذا، وإنه قد حوّر فيه قليلاً، وإن كنت أتمنى إليه- وقد فات وقت التمني- أن لو نشره كما كتبه أصلاً، احتراماً لقدسية البحث، لكن لعله وقع تحت تأثير دار النشر التي قد يبهظها نشر كتاب ضخم، أقول لقد وجدت السامر الذي درس ظاهرة الرق منذ أقدم العصور، مروراً بالعصر الإسلامي وجلب الرقيق من أفريقيا، الذين كلفوا بإزالة السباخ والملح عن الأرض في ظروف عمل قاسية، وهذا يدل على قسوة الإنسان ونهمه وجشعه، يتساوى في ذلك الغني والفقير، والأرستقراطي والمستَرَق، درس حياة علي بن محمد صاحب الزنج، وإعلانه الثورة ضد الخلافة العباسيةعام٢٥٥ ،واستمرت أربعة عشر عاماً، وهددت العاصمة، إذ وصلت جحافل الثوار إلى حدود العزيزية، نحو سبعين ميلاً إلى جنوب بغداد، ولولا بسالة ( أبو أحمد الموفق طلحة) شقيق الخليفة (المعتمد) وخططه الحربية المحكمة، والذي أصيب أثناء المعارك مرتين، لكان صاحب الزنج قد أجهز على الخلافة العباسية، وإذ لم يغفل الباحث السامر الوقوف عند مجريات المعارك ولا سيما المؤثرة منها، فإنه درس التنظيمات الإدارية لدولة الزنج على الرغم من قصر أعوامها، واستعار الحرب إبانها، واتخاذه مدينة سماها ( المختارة) عاصمة لدولته، ولقد وقفتُ متأملاً أسماء المدن التي بناها الزنج أيام سيطرتهم على الجنوب العراقي، وصولاً إلى الكوت الحالية، والمدن هذه كلها تبدأ بحرف الميم:(المنيعة) و(المنصورة) و(الميمونة) فضلا عن (المختارة) التي اتخذوها عاصمة لهم!

المؤرخ المحايد

الباحث المنصف فيصل السامر، قد وضع آراءه جانباً، وجاء ليدرس ثورة الزنج بحيادية العلم ونزاهته، فهو لا ينزّه طرفاً على طرف آخر، ففي حين يشيد بعلي صاحب الزنج الذي كبح جماح جنده، حين أرادوا الاعتداء على أهل قرية يقال لها القادسية، لأن أحد أبنائها قتل زنجياً، فغضب هؤلاء وطلبوا من زعيمهم أن يسمح لهم بانتهاب القرية والانتقام من أهلها، لكنه رفض ذلك قائلاً: لا سبيل إلى ذلك دون أن نعرف ما عند القوم، وهل فعل القاتل ما فعل عند رأيهم ونسألهم أن يدفعوه إلينا، فإن فعلوا وإلا ساغ لنا قتالهم.

وحين نكث أهل قرية الجعفرية بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم بأن يقفوا على الحياد في حرب الزنج، ودخل هؤلاء يريدون الانتقام، نادى بهم زعيمهم" ألا برءت الذمة ممن انتهب شيئاً من هذه القرية أو سبى منها أحداً، فمن فعل فقد حلت به العقوبة الموجعة." تراجع ص٥٠

وفي الجانب الآخر يذكر الخلال الحميدة لأبي أحمد الموفق قائد الجيوش العباسية، التي أنهت حكم الزنج وزعيمهم علي بن محمد.

وإذ ذكر بعضاً من التصرفات الحميدة لكلا الطرفين المتقاتلين فإن منهج البحث العلمي يلزمه الوقوف عند القسوة المفرطة لكلا الطرفين وعمليات السلب والنهب والاغتصاب والحرق وتشويه الجثث، ولا سيما لكبار القادة حين يقعون في الأسر، بعد ضربهم بالسياط وقطع الأيدي و الأرجل ومن ثمّ الحرق، لا يكاد ذلك يقتصر على طرف منهم، في حين قرأت بحثاً مهماً للمؤرخ اللبناني الدكتور أحمد عُلَبي، نشرت دار الفارابي ببيروت طبعته الثالثة سنة ٢٠٠٧،مع أن الطبعة الأولى من الكتاب نشرت ببيروت سنة ١٩٦١ ، درس فيه الدكتور أحمد عُلَبي ( ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد) رأيت فيه الكثير من الثوريات والمناهج الثورية! وبعض ميل إلى الزنج.

الحياد والعلم يجعل الأستاذ السامر يذكر أن تجار الرقيق لم يقوموا باصطياد هؤلاء المساكين، بل كانوا يغرون رؤساء القبائل الزنجية؛ يغرونهم بالبضائع والسلع، فيقدمون لهم العبيد، فيا لقسوة الإنسان وفظاظته. تنظر ص١٩

وإذ اتهم المؤرخون القدامى ولا سيما الطبري؛ يتهمون الزنج بارتكاب الجرائم، فإن الأستاذ السامر يسوّغ ذلك إن الزنج في حالة حرب، وقد وقفت الدولة وملاك الأراضي وأهل المدن، ولاسيما أهل البصرة، التي قسا عليها الزنج، وقفت ضدهم، فلا بد أن يلجأ الزنج بدورهم إلى كل وسيلة تتيح لهم الانتقام. تنظر.ص٥٠

وإذ كان صاحب الزنج علي بن محمد يحرر عبيده كلما سيطر على قرية أو بلدة، فإنه كان يستعبد الناس ويبيعهم في سوق النخاسة بمبالغ بخسة. تنظر. ص٦٣ 

هو يقف من الثورات موقفاً محايداً، التي أراها تعني انفلات الناس، وإطلاق العنان للغرائز الجامحة كي تولغ وتوغل في القتل والاغتصاب، وأنا هنا أذكر الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩ التي مانجا منها حتى رفات الملوك من آل بوربون فنبشوا قبورهم يستخرجون منها بعض المعادن من الأجساد المحنطة، فلم ينج منهم أحد سوى لويس الرابع لأنه مات بالكنكرينا! على الرغم من شعاراتها الكاذبة في الإخاء والحرية والمساواة، وهؤلاء الخوارج الأزارقة يبيحون استرقاق أعدائهم من المسلمين، وقتل أطفالهم ونسائهم بوصفهم كفاراً مارقين، والعجيب في أمر هؤلاء الخوارج أنهم ما قاتلوا إلا مسلمين وما قتلوا إلا المسلمين!

صاحب الزنج في أوجِه وحضيضه

ومن دلائل قسوة الزنج وصاحبهم أنه إذا غزا قرية حمل رؤوس القتلى على البغال كي يفزع مرآهم الناس، لأن صاحب الزنج كان ينهج نهج الخوارج الأزارقة، الذين يبيحون قتل الأسير بوصفه كافراً؟!لكنه من الجهة الأخرى لم يكن يهاجم القرى المسالمة، ورفض مهاجمة قرية تسمى القادسية ما دامت لم تتعمد إيذاءه، في حين يذكر ابن كثير المؤرخ أن صاحب الزنج لم يتعرض لأموال الناس ولا يؤذي أحداً، إنما كان يريد أخذ أموال الخليفة العباسي. تنظر ص٨٦

وحين استولى الزنج على مدينة الأبلة عام ٢٥٦،إثرمعركة عنيفة وقصيرة فقد قتل وغرق من أهلها الكثير، وذهبت بيوت المدينة المبنية من خشب الساج طعماً للنيران، وما اكتفى الزنج وصاحبهم بالسيطرة على ( الأبلة) بل وجهوا جهودهم في العام الثاني أي ٢٥٧ نحو البصرة غريمتهم الأولى وعدوتهم، ومثابة ملاك الأراضي الذين ساموا العبيد لدى تشغيلهم في أراضيهم؛ ساموهم الخسف والهوان، فينتقم هؤلاء من البصرة شر انتقام، وأعمل العبيد المتعطشون للثأر سيوفهم في أهالي البصرة، ولعل من هذه الواقعة جاء المثل السائر ( بعد خراب البصرة) أي أن السلطة العباسية توانت عن نجدة أهالي البصرة، وانجدتهم بعد خرابها!

وإذ ينقل لنا السامر نقلاً عن المؤرخين الطبري والمسعودي وابن كثير وغيرهم وقائع الحرب الطاحنة تلك، فإنه ينقل ما فعله الخليفة (المعتمد) بالأسير يحيى بن محمد البحراني، الذي أسر في الأحواز، جلس يشاهد تعذيب يحيى وقتله، إذ ضرب بالسياط ثم خبط بالسيوف وذبح وأحرق. تنظر. ص٩٦

وحين يستولي أبو أحمد الموفق شقيق الخليفة (المعتمد) على مدينة (المنيعة) عام ٢٦٧، المدينة المهمة معنوياً لدى الزنج، فإنه يبيح لجنده في اليوم الثاني نهب المدينة، وقد وصف صاحب الزنج هذه الواقعة بقاصمة الظهر.

إن كتاب (ثورة الزنج) للمؤرخ العراقي الراحل الدكتور فيصل السامر، الذي أعادت دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد نشره بطبعة ثالثة سنة ٢٠١٣ في ضمن إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية، بأسلوبه المركز،وواضح العبارة، الذي درس ثورة هؤلاء المساكين، واقفاً عند سلبياتهم،ومشيراً إلى الإيجابيات، وفعل الأمر ذاته إزاء معسكر الخصم،؛معسكر الدولة العباسية، ليعد كتاباً علمياً متوازناً، يكشف الحقائق ويقدمها للقارئ كما هي،محترماً عقل القارئ ورأيه. وهذه هي مهمة المؤرخ النزيه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top