باليت المدى: أنا رسام تقليدي

ستار كاووش 2019/12/15 07:20:17 م

باليت المدى: أنا رسام تقليدي

 ستار كاووش

أعترف وبكل صراحة بأني رسام تقليدي، بل وتقليدي جداً، لأني بقيتُ أنظر الى الرسم بعين صبي عفوي مغرم برسم الفتيات الجميلات،

نعم أنا رسام تقليدي لأني مازلتُ أبحثُ مع كل لوحة جديدة عن التكوين المناسب لحركة الأشخاص وتقاطع الكتل والخطوط والمساحات، أنا تقليدي لأني أبقيتُ على شغفي بالطبيعة التي إبتعد عنها الكثيرون، وواصلتُ النظر إليها بدهشة وهي تستبدل ثيابها مع الفصول وكأنها فتاة قروية تغير حلتها كل عيد، وهكذا ببساطة أبدو تقليدياً أيضاً وأنا أتطلع الى زهور حديقتي التي تَعلو واثقة وهي تستنشق هواء الطبيعة، وتمسد حافة السياج، قبل أن تمد رؤوسها نحو جارتي الجميلة. أنا رسام تقليدي لأن لي طريقة شخصية في الرسم ولا أتقافز بين أساليب هلامية أو أضع تهويمات غامضة على قماشات الرسم، كذلك لم افكر بركوب (الحداثة) من خلال وضع قمامة وسط قاعة العرض بإعتبارها فناً رفيع المستوى، ولم ألصق موزة على حائط غاليري يبحث عن الشهرة، لأبيعها بمبلغ خيالي، قبل أن يهجم عليها أحد الزائرين وينتزعها من الجدار عنوة ويأكلها وسط تصفيق المصورين البلهاء. 

مازلتُ أذهب الى مرسمي كل صباح، لأجد لوحة غير مكتملة تنتظرني، نعم اعترف بأني رسام تقليدي لهذا السبب أيضاً، كذلك عندما يتجلى صوت محمد عبد المطلب التقليدي في أرجاء المرسم وتتداخل كلماته البسيطة بين نساء اللوحات حتى يصبحن كمن يتمايل يميناً وشمالاً بين حي السيدة وحي الحسين، فلا أخفي هنا كوني أبدو في أشد حالاتي تقليدية، أما حين يغمر روحي عطر الأغاني الشعبية الهولندية وأنا منهمك بالتحضير للوحة جديدة، فلا غبار هنا على وصمي بهذه التسمية أيضاً. في الحقيقة أحب أن أكون رساماً تقليدياً، ولن أكف عن إثبات تقليديتي هذه. وكوني أمتَهِنُ الرسم بإعتباره عملي الوحيد الذي أعيش من خلاله فأنا تقليدي بالضرورة، وبكل الأحوال أحاول أن أرسم كل يوم ومهما كانت الظروف، وأن حدث غير ذلك، عندها أكون مثل ميت لا قيمة له. ومثلما أفكر أن تعلق لوحاتي في المتاحف، فتقليديتي تحتم عليَّ أيضاً أن تأخذ هذه اللوحات أماكنها على جدران بيوت الناس والمكاتب الصغيرة التي يملكها أشخاص بسطاء يتطلعون الى الجمال بطريقتهم العفوية وينجذبون إليه كما ينجذبون الى حبيباتهم. وبإعتباري تقليدياً فأنا ألهو كثيراً مع الرسم، لكني لا أستخف به، ولا أتمسك بلوحة طارئة كونتها مصادفات تداخل المواد على قماشة الرسم. 

نعم، كنتُ طوال الوقت رساماً تقليدياً أتناغم مع فتنة اللون وغواية الخطوط، ولم تزل خصلات الشعر المنسابة على جبهات النساء تثير عندي الكثير من العواطف، وكلما أوغلتُ في التقليدية مَضَتْ حساسيتي أكثر بهذا الاتجاه، بحيث صرتُ أتعرف على ملامح النساء بمجرد الاستماع الى إيقاع خطواتهن، واستحضر أشكالهن تبعاً لقوة أو خفة النغمة التي تلامس الأرض. 

لا أحلم بوضع كومةً من الرمل وسط أرضية أحد المتاحف وأدعي بأن هذا عمل فني عنوانه (الذهاب الى المستقبل) ولا أربط حبالاً في سقف قاعة العرض وأجعلها تتدلى نحو الأسفل، وأزعم بأن اسم هذه التحفة هو (الثقوب السوداء) فأنا رسام تقليدي يمكنني قطع مئات الكيلومترات لأقف أمام تفاصيل صغيرة للوحات تقليدية، كإرتعاشة الأصابع في لوحة القبلة لكليمت أو إلتماعة ثياب أوفيليا وهي تغرق للفنان ميليه أو سحر نظرات دافيد الذي نحته مايكل أنجلو أو إغماضة فيرا على الكرسي حيث رسمها زوجها العظيم ريبين. 

أنا تقليدي لأن الفن بالنسبة لي بسيط مثل الضوء الذي يتسلل عبر نوافذ البيوت، ليغفو على الستائر الملونة، مثل العشب الطري بلونه الأخضر الرشيق، وهو ينمو ببساطة في حديقتي، كذلك كوني أشبه لوحاتي كثيراً، بل وأعيش فيها الى الأبد فأنا رسام تقليدي، نعم أنا كذلك لأني أرفع رأسي كل صباح نحو السماء، وأُلَوِّحُ لها شاكراً نعمة الضوء الذي يجعلني مواظباً على هذه المهنة التقليدية التي أحبها كثيراً. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top