ثورة تشرين وإصلاح النظام السياسي العراقي

آراء وأفكار 2020/01/01 06:42:20 م

ثورة تشرين وإصلاح النظام السياسي العراقي

دروس من الربيع العربي

فراس ناجي*

على الرغم من ضبابية تفاصيل مسار التغيير السياسي المنشود لثورة تشرين، غير أن نجاحها لحد الآن في تخطي الكثير من المطبات التي وقعت فيها ثورات ما يعرف بالربيع العربي،

يؤهلها لاستكمال هذا النجاح إذا إستمرت في تبني مسار إصلاح النظام السياسي العراقي عبر السياقات الدستورية. إن خلاصة تجارب ثورات الربيع العربي تشير إلى أن الفراغ الدستوري في مرحلة التغيير السياسي يؤدي الى زيادة مخاطر إنقسام قوى الثورة السياسية وتشتت الحركة الإحتجاجية، وفي المقابل الى زيادة إحتمالية حرف مسار الثورة ونجاح الثورة المضادة في إنهائها.

فثورة ديسمبر 2010 التونسية نجحت في أن تكون الحالة الوحيدة في ثورات الربيع العربي التي عبرت مخاض التغيير السياسي نحو مرحلة تدعيم الديمقراطية التي تمر بها الآن. فرغم وجود الدولة العميقة قبل الثورة ، الّا أن عدم تسيّس الجيش التونسي أدّى إلى نجاح أطراف الثورة – حركة الإحتجاج الشبابية وأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني – في إقالة الحكومة وحل البرلمان وإلغاء الدستور. كما تمّ تشكيل "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة" كمؤسسة إنتقالية تجمع الشرعيتين الثورية والدستورية لإدارة البلاد بصورة مؤقتة لحين تشكيل مؤسسات دستورية بديلة.

وعلى الرغم من هذه السلاسة النسبية في عملية التغيير السياسي، غير أن الخلاف إنفجر بعد إجراء إنتخابات المجلس التأسيسي الذي يملك صلاحيات تشكيل حكومة مؤقتة لإدارة المرحلة الإنتقالية وإعداد دستور جديد للدولة. فقد أدّى فوز بعض الأحزاب التي كانت بموقع المعارضة في زمن الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بقيادة حزب النهضة (الإخوان المسلمين) الى احتكار القرار السياسي في إدارة السلطة المؤقتة الجديدة وفي كتابة الدستور، ما فاقم من حالة عدم الثقة بين الأطراف السياسية وأدّى الى الإحتقان السياسي بالتزامن مع اغتيال نوّاب معارضين. 

ثمّ تطوّرت الأمور الى أزمة سياسية كادت أن تطيح بعملية التغيير السياسي برّمتها لولا عدم قبول الجيش التونسي بالتدخل لحسم هذه الأزمة، ولولا إتخاذ الفرقاء موقفاً أكثر وسطية للوصول الى حل توافقي للأزمة. فإستقالت الحكومة الإنتقالية بقيادة الأمين العام لحزب النهضة، في حين قام رئيس وزراء توافقي مستقل بتشكيل حكومة كفاءات أدارت هذه الفترة الإنتقالية الحرجة لحين إقرار الدستور ومنظومة الإنتخابات. وعندها تم إجراء إنتخابات نيابية حرة ونزيهة في 2014 حظت بقبول جميع اللاعبين السياسيين الرئيسيين في المشهد السياسي.

أمّا ثورة يناير 2011 المصرية فكانت أكثر تعقيداً بسبب أن المجلس العسكري للقوات المسلحة المصرية – الذي حكم المرحلة الإنتقالية بعد تعليق الدستور المصري – كان يفتقر للشرعية الثورية لكونه العمود الفقري للنظام السابق. فقد نجح العسكر في شق صف الثورة نتيجة تباين الرؤى بين الإسلام السياسي ذي الرؤية الإصلاحية للنظام وقوى الإحتجاج الذين أرادوا التغيير الجذري للنظام. فاستمر العسكر بقمع حركات الإحتجاج بينما كانوا يعقدون الصفقات مع الإخوان المسلمين الذين تفردوا في الحكم بعد فوزهم بإنتخابات المجلس التأسيسي في 2011 وبعدها في إنتخابات الرئاسة في 2012. لكنهم فشلوا في بناء نظام سياسي بديل ناجح ما أدّى بالتالي إلى نجاح الثورة المضادة في إجهاض عملية التغيير السياسي عبر إنقلاب عسكري والعودة الى حكم النظام القديم بينما كانت قوى الإحتجاج منهكة ومشتتة.

أمّا الخطر الأكبر في تجارب ثورات الربيع العربي فكان إستعمال العنف في الاحتجاجات لأن هذا يعطي الحجة للنظام أن يلجأ الى العنف ويحوّل الصراع إلى حرب أهلية خاصة مع تدخل القوى الخارجية كما رأينا في سوريا واليمن و ليبيا. وهذا ما وعت إليه ثورة تشرين الحالية في العراق عبر إلتزامها بسلمية حركة الإحتجاج إذ نجحت في تجاوز كمائن خططت لها أحزاب السلطة و"الطرف الثالث" مثل مجزرة الناصرية وحادثة السنك وحادثة الوثبة ومظاهرات ساحة التحرير المضادة وغيرها الكثير. 

كما إن أحزاب السلطة في العراق لم تتبنَّ مطالب حركة الإحتجاج بتغيير حكومة المحاصصة بأخرى مستقلة من رحم حركة الإحتجاج مع تشريعات تضمن إنتخابات مبكرة نزيهة تعزز التمثيل الحقيقي للشعب العراقي، بل استمرت بالمماطلة وبالقمع وإستعمال العنف ضد المتظاهرين، وتحيّن الفرص لتمرير تشريعات على مقاس مصالحها لإبقاء سلطتها ولو بالغش والتزييف. وهذ أدّى الى تعقيد مسار المرحلة الإنتقالية التي ستحدد مخرجات التغيير السياسي الناتج عن ثورة تشرين، والتي زادها تعقيداً تدّخل أجندات القوى الخارجية المتصارعة على الساحة العراقية، واحتمالات أن تستغل السلطة و"الطرف الثالث" أي فراغ دستوري لتشتيت قوى الثورة وبناء الثورة المضادة. ويتضح ذلك بشكل خاص عند الأخذ بالحسبان قوة الدولة العميقة لسلطة الأحزاب التي تستميت في الدفاع عن غنائمها التي إكتسبتها خلال ال 16 سنة الماضية.

إلا أن أهم ميزة لثورة تشرين عن مثيلاتها في الربيع العربي، إنها لا تحتاج الى تعليق الدستور أو إجراء تعديلات دستورية من أجل المرور الآمن خلال المخاض الوعر للتغيير السياسي نحو الوصول الى تحقيق أهداف حركة الإحتجاج في إلغاء المحاصصة المكوناتية والحزبية ومحاربة الفساد وتحصين سيادة الدولة. فكل ما تحتاجه هذه الثورة لتحقيق هذه الأهداف هو تشريعات برلمانية لإصلاح المنظومة الإنتخابية مع سلطة تنفيذية مستقلة وفعالة تدير الفترة الإنتقالية التي تنتهي بإنتخابات عادلة وحيادية تعكس التمثيل الحقيقي للشعب العراقي بما يغير من موازين القوى في العملية السياسية لصالح إرادة الشعب وتقليص نفوذ أحزاب السلطة.

لكن حركة الإحتجاج ستكون هي الخاسر الأكبر إذا ما دخلت طرفاً في أي أمور خلافية أو معقدة مثل تعديل الدستور أو أجندة حوار وطني أو مصالحة سياسية يتم طرحها خلال الفترة الإنتقالية بسبب إنقسامها السياسي المتوقع مما يتيح الفرصة للقوى المضادة من العمل على تشتيتها. فعفوية تشكيل الحركة الإحتجاجية و ضيق الوقت منذ تشكيلها تعوق دون تكوين هيكيلية تنظيمية وقيادة فعالة لها ، في حين أن بقية الأطراف السياسية الأخرى هي أكثر تنظيماً وخبرة واستثماراً لمواردها. 

أمّا في ثورة تشرين، فقد أدّى التنظيم العالي والتكافل والتعاون بين المحتجين الشباب وإندفاعهم ومبادراتهم الخلاقة الى كسب عقول وقلوب شرائح مختلفة من المجتمع العراقي إلى جانب الثورة، ما أدام زخم التظاهرات ووسع قاعدتها الى أبعد الحدود، وأعطى إشارات طمأنة إيجابية لمساندي الثورة باستمرارها وديمومتها.

كما إن المستوى الأفقي واللامركزي في قيادة حركة الإحتجاج أثبت نجاحه ليس فقط في مرحلة التحشيد للثورة، وإنما أيضاً في الفوز في عدد من الجولات المهمة في مرحلة بناء منظومة التغيير السياسي للثورة مثل إسقاط حكومة عبدالمهدي وتشريع قانون مفوضية الإنتخابات المستقلة، ومؤخراً في تشريع قانون إنتخابات يمكن أن يؤدي الى تمثيل حقيقي للشعب العراقي مع بعض التعديلات. فقد كان لاستخدام ستراتيجية فرض المعايير والشروط مع الإحتفاظ بحق الرفض دوراً فعالاً في نجاح حركة الإحتجاج في هذه الجولات لأنها رمت الكرة في ملعب أحزاب السلطة في حين استمرت هي بتصعيد الفعل الإحتجاجي – و هو أمر أثبتت الحركة أنها تجيده – لزيادة الضغط على أحزاب السلطة للتنازل ودفع المترددين على حسم موقفهم لصالح الثورة. كذلك ساهم في نجاح ستراتيجية حركة الإحتجاج هذه إعتمادها على مفاهيم مبتكرة مثل "الوعي قائد" و"لا أحد يمثلني" مع هيكلية جماعية تنسيقية خلاقة تعمل على توضيح المطالب وتحديد خطة المسار للتغيير السياسي.

وإذا كانت هيكلية حركة الإحتجاج وستراتيجيتها للصراع السياسي مع أحزاب السلطة تبدو موفقة في الوقت الحالي، غير أن هذا لا يعني عدم إحتمالية فشل هذه الستراتيجية في هزيمة أحزاب السلطة في الإنتخابات القادمة أو في الحصول على كامل إستحقاق الحركة السياسي في عملية التغيير المنشودة، وذلك بسبب تطلب المرحلة القادمة الى مهارات وهيكلية وستراتيجية جديدة لحركة الإحتجاج تختلف عن ما كان مطلوباً في المرحلة السابقة. 

إنّ ظهور إطار تنسيقي جبهوي لقوى الإحتجاج متزامن مع أجندة واضحة ومسار بمؤشرات محددة يبقى الخطوة المثلى للتعامل مع تحديات المرحلة القادمة، خصوصاً مع التصعيد المتوقع في معارضة أحزاب السلطة لأي سلطة تنفيذية مستقلة تقوم بإدارة المرحلة الإنتقالية القادمة، والتي تتضمن إدارة منظومة الإنتخابات المبكرة. فيمكن أن تنطوي هذه الأجندة على تشريعات قوانين مهمة لمرحلة الإنتخابات مثل قانون الأحزاب، وتعديل قانون الإنتخابات، مع تنفيذ القوانين الحالية المعنية بمكافحة الفساد، وتغيير هيكلية القوى الأمنية، وحصر السلاح بيد الدولة. 

كذلك يجب العمل الفوري للتهيئة والإعداد لمرحلة الإنتخابات المبكرة عن طريق البدء بالحوار لتأسيس الجبهة الوطنية لإسناد الثورة وبرنامجها السياسي من أجل إستثمارها لتعزيز التمثيل السياسي للقوى المساندة لثورة تشرين وهزيمة أحزاب السلطة المكوناتية. غير أن هزيمة هذه الأحزاب قد لا تكون بالسهولة المتوقعة بسبب وجود طبقة من المستفيدين من هذه الأحزاب بالإضافة الى جمهور من الناخبين المترددين الذين قد تستميلهم أحزاب السلطة بقوة إعلامها وعبر العزف على الوتر الحساس لهذا الجمهور والذين قد يكون لهم دور الحسم في التغليب لأي جهة ضد الأخرى. وهذا ما أشارت اليه تجارب ثورات الربيع العربي إذ كانت الحركات الإحتجاجية في تونس وفي مصر هما الأقل تمثيلاً في إنتخابات المجلس التأسيسي لكتابة الدستور الجديد، وكذلك في إنتخابات المجلس النيابي الذي حدد موازين القوى السياسية بعد الفترة الإنتقالية.

* أكاديمي عراقي

تعليقات الزوار

  • مقال متميز وراقي ويدل على دراية شاملة ومفهومة للوضع الحالي..وفقك الله في كتاباتك المستقبلية ومن الله التوفيق

  • محمد العزاوى

    حقيقة كل مامكتوب يدل على وعي صاحب المقال لما يدور حولنا من تغييرات ومعالجتها برؤية صحفية واعلامية راقية..نثمن الجهود المبذولة والى المزيد من الإبداع ان شاء الله

  • د بشرى العبيدي

    مقال ممتاز بما يحويه من نظره ثاقبه لما جرى ويجري في دولنا التي كانت ومازالت تفتقر الى اَي أساس من اسس الديمقراطيه الحقه ، لكن شعوري الحالي بان ثورة تشرين تخطو بخطوات رائده سوف تغير مجرى تاريخ العراق الحديث

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top