موسيقى الاحد: شتراوس والثورة

موسيقى الاحد: شتراوس والثورة

ثائر صالح

يوهان شتراوس (الابن، 1825 – 1899) هو ضيف دائم على حفلات العام الجديد في فيينا، التي تقدمها فرقة فيينا الفيلهارمونية كل عام بانتظام.

ولا عجب في ذلك، فهو الذي نقل رقصة الفالس الشعبية من الحانات الى صالات الموسيقى والرقص والحفلات الراقية لتكتسح كل أوربا. فالفالس في ذلك الوقت بمثابة موسيقى البوب في وقتنا هذا، أي الموسيقى الشعبية التي تسمعها الناس وترقص على أنغامها. ليالي الأنس في فيينا بحسب المغنية اسمهان هي نتاج يوهان شتراوس وفرقته. 

بدأ حياته بدراسة الاقتصاد والإدارة المصرفية بسبب ممانعة أبيه ريشار شتراوس (الأب، 1804 – 1849) دراسته الموسيقى. لذلك أخذ دروسا على الكمان في الخفية. بعد ترك الأب العائلة اضطر الابن الذي غدا معيلها الى ترك دراسته فأسس في 1844 فرقة شتراوس الموسيقية التي حصلت على نجاح ساحق في أول ظهور لها في كازينو شُنبرون رغم محاولات الأب عرقلة عملها بسبب منافستها لفرقته. واستمرت المنافسة بينهما حتى بعد تصالحهما البارد لحين موت الأب بعد سنين قليلة، فوحد الابن الفرقتين. بمرور الوقت تحولت فرقة شتراوس الموحدة الى أشهر فرقة في الإمبراطورية، قدمت الفالسات والاوبريتات. 

عند اندلاع ثورة 1848 في فيينا، دعم الأب القيصر والبلاط بعكس الابن الذي ألف مارشاً ثورياً وعزفت فرقته نشيد المارسلييز نشيد الثورة الفرنسية فاعتقلته السلطات، لكن البلاط الامبراطوري النمساوي عفا عن هذه "الزلة" بسبب شهرته وسمعة عائلته، وعينه لاحقاً مديراً موسيقيا لحفلات البلاط في 1863، وكافأه الامبراطور فرانس يوزف بوسام الشرف عند استقالته من المنصب سنة 1870، وعيّن أخويه يوزف وأدفارد في محله. فقد أتعبته جولات الفرقة التي قامت بها في أوروبا منذ سنة 1851. ووصلت هذه السفرات الى القمة في جولة ناجحة الى أمريكا سنة 1872 حصل فيها على ثروة كبيرة قدرها 100 ألف دولار.

ألف شتراوس نحو 500 عمل كلها من الفالسات والبولكات (رقصة بولونية) والمارشات بالإضافة الى الاوبريتات واوبرا واحدة. وقد اعتمد شتراوس على الكثير من الموسيقيين المجريين المهرة في فرقته، وكانت لديه صداقات واسعة مع المثقفين المجريين واستعمل نصوصاً لمؤلفين مجريين في أعماله الغنائية، بشكل خاص لايوش دوتسي (1845 – 1918) الذي قد يكون ملهم عنوان فالس "الدانوب الأزرق الشهير" في قصيدة له حيث وصف الدانوب بالأزرق لتمييزه عن النهر المجري الآخر، نهر تيسا المعروف بكدرته، فهو النهر "الأشقر". ألف شتراوس الدانوب الأزرق سنة 1867 كعمل غنائي للكورس، لكنه وزعه للأوركسترا بعد النجاح المتواضع الذي حصل عليه في العرض الأول. وانطلق "صاروخ" هذا الفالس في معرض باريس الدولي في نفس ذلك العام ليغزو العالم وليرتبط بالعاصمة فيينا الى الأبد، لدرجة عزفه في البرلمان النمساوي يوم 27 نيسان 1945 عند إعلان انفصال النمسا عن ألمانيا واسترجاع سيادة البلاد، بسبب عدم وجود نشيد وطني رسمي للجمهورية النمساوية الفتية (اعتمد النشيد الحالي سنة 1946، وهو في الأصل عمل لموتسارت تحت رقم K. 623). وكان النشيد الامبراطوري النمساوي السابق من تأليف هايدن (1797، رباعية الامبراطور) قد ارتبط بألمانيا التي سطت عليه وجعلته نشيداً وطنيا بذلك لم يكن في الإمكان العودة اليه. وقد ضُمّت النمسا الى المانيا الهتلرية سنة 1938 في الآنشلوس بعد انقلاب نازي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top