احتفاء بشخصية ومنجز وطني حافل..تأملات في كتاب (ذكرياتي) لـ فاروق مصطفى رسول

احتفاء بشخصية ومنجز وطني حافل..تأملات في كتاب (ذكرياتي) لـ فاروق مصطفى رسول

 د. علي حداد

في البدء:

نقرأ عن تجارب المشاهير من الشخصيات التي حققت نجاحاً متميزاً وتفوقاً لافتاً في بلدان العالم الأخرى من حولنا، فنلاحق برغبة ـ يشوبها الانبهار ـ ما تهيأ لها أن تبرز فيه ـ

في أي من مجالات الإنجاز البشري اللافت ـ مستعيدين كثيراً من تفصيلات حياتها الخاصة، والظروف التي أهلتها لمثل ذلك الإنجاز ، فندهش بما كان لها من دأب وإصرار واصلتهما حتى حققت طماحها.

وفي هذا الانهماك المنشد بإعجابه لمثل تلك الشخصيات لا نكاد نلتفت باحثين في محيطنا الوطني القريب عن تجارب نجاح مماثلة لتلك التي قرأنا عنها ، حتى لينتابنا الظن أن لاوجود لمثلها عندنا ، وهو قصور في الرؤية ونزوع التقصي ورغبة الإشارة لتجارب إنسانية فذة بين ظهرانينا ، ينقصنا ـ كي نتعرفها ـ التواصل معها وتسليط أضواء الإعلام ووسائله على متحققها النوعي الباهر ، وفي مجالات كثيرة ، ضاهت فيها ما يؤشر للتجارب الإنسانية الأخرى من السداد والتفوق وتحقيق المطامح . 

إنها تجارب نجاح عراقية أبطالها رجال من بين أوساطنا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، شرعوا وجودهم الواعي نحو طموحات خاصة ابتغوها ، وتوافروا على مستلزمات تحققها من الصبر والدأب والإصرار ، حتى تم لهم ما ابتغوه من علو الشأن في العمل والحياة . وهذه واحدة من تلك التجارب الجديرة بالاستعادة والثناء . 

(1)

وجهت الدعوة لمجموعة من الأدباء والمثقفين العراقيين من قبل رجل الأعمال والمثقف الوطني الأستاذ (فاروق مصطفى) لحضور الحفل التأبيني الذي أقامه في مدينة السليمانية ، لمناسبة أربعينية شقيقه الراحل الأديب والأكاديمي الدكتور(عز الدين مصطفى) ، وكنت من بين من وجهت لهم تلك الدعوة. وقد أحطنا عند وجودنا هناك بحفاوة الاستقبال والضيافة الكريمة من قبل الأستاذ فاروق نفسه ، ومن العاملين في مؤسساته العديدة. وكان من أكرمها استقباله لنا في مكتبه بمدينته الطبية ، وإهداؤنا نسخاً من كتابه (ذكرياتي) الذي صدر الجزء الأول منه في تشرين الأول من سنة 2018م.

رغبت ـ بعد العودة إلى بغداد ـ بتصفح هذا الكتاب ، فوجدتني مشدوداً إلى محتواه، حتى أتيت عليه كله في رحلة قرائية متواصلة. فهذا الكتاب ـ بما اكتنفه من الذكريات ـ مسيرة فعل وفضاء إنجاز لرجل وثق بنفسه وبصدق مسعاه ، وبالطاقة العالية من التحمل التي وطّن عليها وعيه وسلوكه في مراحل حياته كلها، فنال المبتغى ، ورسخ وجوده الإنساني والعملي الباهر الذي يمكن عدّه فيه أنموذجاً متميزاً يشخص أمام الأجيال الجديدة التي تبحث عن مثال تقتدي به ، وتجربة تثبت ـ طبقاً لقول صاحب هذه الذكريات " إن الإنسان يمكنه إحراز النجاح بقدراته وإرادته القوية ، واستعمال عقله والاستفادة من تجارب الآخرين ، من دون أن يتشبث بالأحزاب أو ينقاد وراء الآخرين ـ أو يختار دروب الوصولية والانتهازية المذلة "(ذكرياتي ، ص328)

(2)

كان الظن يذهب بي ـ قبل الشروع بقراءة هذه المذكرات ـ إلى أنها لن تكون مختلفة عن غيرها مما يؤلف في هذا المجال الكتابي الرائج الذي يسهب فيه أصحاب تلك المذكرات بالحديث عن أنفسهم والإطناب في ذكر أخبارهم الخاصة ومجريات حياتهم التي ربما اتسمت بشيء من الادعاء ، واجتراح وقائع تنحو نحو الدرامية ، أو اللغة المفعمة بالإنشاء العاطفي، بقصد الإثارة وجلب الانتباه ، وإشباع فضول المتلقي وشده للتواصل القرائي معها . ولكني وجدتني إزاء مذكرات تتجافى عن ذلك ، لتستحيل نمطاً من الاستعادات التي توثق ـ وهي تشخص ذكريات كاتبها ومواقفه ـ مراحل مهمة من تاريخ العراق السياسي ، وما تواتر خلالها من وقائع وأحداث وأدوار للحركة الوطنية العراقية ، ولاسيما (الحزب الشيوعي العراقي) وما واجهه ـ على مدار مسيرة نضاله ـ من عنف سلطوي ضده ومساعي تغييب لمناضليه وكوادره. وكذلك ما انتاب صفوفه من خلافات وانشقاقات ألقت بظلالها على مجمل مسيرته اللاحقة.

تروي هذه المذكرات ذلك كله ، وهي تأتي على لسان صاحبها وقلمه الذي كثيراً ما أسهب ـ بمدرك عال من الوعي ـ في تقصي الواقعة وتبيان أسبابها ومقدماتها ، ثم ما انتهت إليه من نتائج.

وكان ذلك جانباً وضعه المؤلف بمسار من التوازي مع تناولاته الذاتية لتفصيلات حياته الخاصة بأبعادها الإنسانية والسياسية المتأثرة بمجريات ذلك المسار الوطني المشتجر وتماهي وجودها مع وقائع حركيته وما تمثلته وآلت إليه. 

(3)

توزعت هذه (الذكريات) إذن على مجالين من الاستعادة لوقائع وأحداث عايشها الأستاذ (فاروق مصطفى) ، تمثل الأول منها في تجربة العمل النضالي خلال مراحل شهدت متغيرات كثيرة في الواقع السياسي العراقي ، وابتدأت عند الكاتب منذ مرحلة مبكرة من عمره ، حين انتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي ، وما ساوق ذلك من مواقف وممارسات رسخت انضواءه فيه وإيمانه بمبادئه وإصراره على تمثلها سلوكاً عايشه لعقود من سني صباه وشبابه، وهي تجربة نضالية جديرة بالتأمل وإدراك ما يستوجبه العمل السياسي من جهد وتضحية ونكران ذات ، وتحمل تبعات ذلك كله.

أما المجال الآخر من الذكريات فشغلته مرحلة جديدة مغايرة لسابقتها تماماً ، تركز المسعى فيها على تحقيق الذات والتبني المشروع لطماحها الخاصة في العمل والكسب الشريف ، وتطوير الإمكانات المادية لنفسه ولعائلته ولمن يحيط به من المقربين والأصدقاء.

لن نقف ـ في تأملاتنا هنا ـ عند المجال الأول (السياسي) الذي شغل المساحة الأكبر من صفحات هذه (الذكريات) ، على أهميته التي لاغنى لأي باحث في تاريخ الحركة الوطنية العراقية عنها ، إذ هي من القيمة بمكان أنها تؤرخ لمرحلة من العمل السياسي في العراق، وتعكس جانباً مما مرت به بعض الأحزاب الوطنية من تعقيدات وصراعات وانشقاقات أورثتها كثيراً من الإخفاق، وذهبت بعظم من بقي من كوادرها حياً إلى حيث الإحباط والانسحاب الصامت.

إن ما تذهب إليه قراءتنا هذه هو مسعى الإدلال على منجز الأستاذ (فاروق مصطفى) الخاص واللافت الذي يشير إليه وحده ، والذي تمثله المسار العملي (الاقتصادي) الذي خطط له واستثمر قدراته النوعية فيه ، وابتنى لبنات تطوره بدأب لم يكلّ وإصرار غير متوان ، حتى تهيأ له أن يرسي مكونات صرحه الاقتصادي الراهن المتمثل في (شركة (آسيا سيل) لخدمات الموبايل ، ومدينة فاروق الطبية ، وفندقه الفخم ذي النجوم الخمس، ومعامل الإسمنت الوفيرة الإنتاج ، فضلاً عن مشاريع كثيرة أخرى تزهو بها مدينة (السليمانية) وسواها من المدن ، وتوفر فرص العمل لآلاف من العاملين فيها. 

كيف بدأت مسيرة تلك الإنجازات الاقتصادية الباهرة؟.

يجيب الأستاذ (فاروق مصطفى) عن ذلك في الصفحات التي خصصها لهذا الجانب من (ذكرياته) ، فيدونها مستعيداً خطاه الأولى في هذا المسعى ، ومنذ أن بلغ الخامسة والثلاثين من سنوات عمره التي قضاها بين الدراسة المسائية في كلية التجارة بجامعة بغداد والوظيفة الصباحية مترجما في الإذاعة الكردية ، وهيمنة نشاطه السياسي على تفصيلات وجوده اليومي فيهما الذي لم ينل جرائه إلا الفصل والملاحقة والتخفي ، ثم سلوك سبل العمل الحزبي السري ومواصلة النضال في جبال كردستان الوعرة ، لينتهي ذلك كله في العام 1975م ، حين وجد نفسه خالي الوفاض إلا من مبادئه الوطنية التي نافح عنها طويلاً، وإلا من ثقته بشخصيته وقدرتها على تجاوز مهيمنات الإحباط وسوء الحال المادي، فكان له أن يراجع ذلك كله ويؤسس عليه ، ويبدأ بالتخطيط لمرحلة جديدة ومغايرة من حياته.

لم يكن ذلك صعباً على رجل مثله يحمل شهادة البكالوريوس في التجارة ، وأتيح له أن يشتغل بعد تخرجه في بنك حكومي مدة أربع سنوات ، وأن يعمل في الوقت نفسه مساء محاسباً في شركة أهلية ، ليكتسب مهارة ودقة في جوانب عديدة من المقاولات والشؤون التجارية . وإلى جانب ذلك كله فقد قدّر له عبر سنوات عمره اللاحقة أن يعايش أقسى الظروف وأعتى المشكلات والمماحكات السياسية التي منحته طاقات عالية من الجلد والصبر والمواجهة الشجاعة.

لقد وضع الكاتب ذلك كله بين يدي استشرافه لمستقبل يثق بخطواته نحوه ، وها هو يستعيد تلك اللحظات في مذكراته ، فيقول : " بعد انقضاء مدة تربو على سبع سنين من حياة الاختفاء والكفاح الثوري ، ها أنذا في هذه الدار القديمة التي تسكن فيها والدتي بلا عمل ، وذهني يمور بخطط لمستقبل الحياة إن أول خطوة لي هي بيع هذه الدار علي أعثر على عمل بمبلغها" (ذكرياتي ،ص327) .

ويضيف : " بعد موافقة والدتي وأخواني وأخواتي. بيعت الدار بـ (3200) دينار. اشتريت سيارة (فولكس واكن) قديمة بمبلغ (900) دينار، وبدأت أعمل بمشاريع صغيرة بما تبقى من المبلغ" (ذكرياتي ، ص328) .

تمثلت تلك الخطوات العملية (الصغيرة) ـ التي درّت عليه أرباحاً بسيطة حينذاك ـ بتعمير جدار ومجرى مائي داخل مدينته السليمانية ، ثم بعض أعمال الحفر والترميم لصالح الإدارة المحلية فيها ، ليشرع طموحه بعدها نحو عمل أكبر يصله بخارجها، فيأخذ بنقل حجر الموزائيك (المرمر) من السليمانية إلى بغداد . وتندّ لديه فكرة أن ينقله (مجروشاً) إلى هناك ، فينفذها سريعاً ، ويقيم له (مجرشة) خاصة بذلك. 

وحين لاحظ أن قوالب الاسمنت الجاهزة (البلوك) باتت مطلوبة في السليمانية والمناطق المحيطة بها فقد بادر إلى إنشاء معمل لصناعتها هناك، شغّل فيه عدداً من العمال الذين كان ينهض مبكراً ، ليجمعهم بسيارته (البيكاب) القديمة من مناطق مختلفة ليوصلهم إلى معمله، ثم يعيدهم إلى مناطقهم في آخر النهار.

وحين وجد أن مجال المقاولات بات نشيطاً في مدينته سارع إلى بيع معمل (البلوك) ودلف إلى عالم المقاولات من خلال حصوله على فرص بناء وحدات سكنية هناك.

ولم يغب عن رصده الذكي الطلب المتزايد على لحوم الدواجن ، فسعى بهمته العالية ـ وبمشاركة ودعم مالي من بعض أصدقائه ـ إلى إنشاء مجزرة خاصة لها في السليمانية عام 1985م، ثم ألحق بها حقولاُ لتربيتها.

وهكذا ـ يقول الأستاذ (فاروق مصطفى) واصفاً مسيرة نجاحه " بدأت تجربتي وتصاعدت شيئاً فشيئاً ، وصرت صاحب أعمال ومشاريع متميزة مختلفة ، أراها تفيدني وتفيد شعبي ووطني في وضع يزخر بالكدح والجرأة والمشاكل الكثيرة " (ذكرياتي ،ص328) .

لم يؤسس الأستاذ (فاروق مصطفى) مسعاه العملي على النوايا ، أو يتركها بين يدي الصدفة ومشيئتها . لقد كانت بصيرته حاضرة في التخطيط والتنفيذ لما يروم إنجازه ، وذلك ما استحضره بقوله :" منذ بداية دخولي عالم العمل الحر اعتقدت أن العمل ـ ضئيلاً كان حجمه أو كبيراً ـ يتطلب التخطيط ، وأن تكون مصراً على تنفيذ مخططك. والأهم من ذلك هو متابعة التنفيذ منذ البداية "(ذكرياتي ، ص329).

وإلى جانب ذلك فقد امتلك مقدرة استيعاب عالية لحركية سوق العمل الذي كان يستقري احتياجاتها ، فيبادر مبكراً كي يكون له دوره البارز في سد تلك الاحتياجات . وعن ذلك يقول أحد أصدقائه :" من الأمثلة المبهرة للرؤية البعيدة لدى فاروق استشرافه المبكر لآفاق الاقتصاد الجديد ـ اقتصاد الاتصالات ، وهو البعيد كل البعد عن هذا المجال من ناحية التأهيل الأكاديمي ، ومن ناحية مجمل نشاطاته الاقتصادية السابقة"(ذكرياتي ، ص20)، ولكنه دلف إليه وحقق مالم يستطع غيره مجاراته فيه . 

ويبقى قبل ذلك وبعده مأ وطد عليه يقينه من انتماء راسخ لوطنه وأهله ، حين لم يذهب بمشروعاته التجارية الناجحة إلى خارج العراق ، وكان بمقدوره ذلك لو كان الربح الوفير هو كل مقاصده . ولكن الرسوخ الوطني الأصيل، وعميق الانتماء إلى (السليمانية) مدينته، ونبل المقاصد نأت به عن ذلك . 

في الختام:

نستعيد سير المجتهدين والمكافحين الناجحين بصفتها مآل تجارب تعكس صور حياة جديرة بالتأمل والاستعادة والثناء ، وبما يتجلى فيها مثالاً لدرس إنساني يوضع بين يدي المتسائلين عن أسباب النجاح الذي لا تأتي به الأماني والأحلام بل العمل الجاد والإصرار المثابر والجرأة في اتخاذ القرار ومجالدة الظروف والتغلب على المصاعب والمشكلات.

لقد كان الأستاذ (فاروق مصطفى) على بيّنة من ذلك حين وضع بين أيدي القراءة (ذكرياته) باسترسال سردي شيق ، وبلغة غاية في الحميمية والعمق الصادق ، مستعيناً بذاكرة يقظة لم تغب عنها أدق التفصيلات والوقائع وملامح الوجوه والأسماء ، لتجيء هذه الذكريات ـ فضلاً عن ما تبديه من جوانب ذاتية تخصه ، كون الذكريات طبقا ًلرؤيته " تغدو في سن محددة أكبر وأثمن ثروة للإنسان" (ذكرياتي ،ص12) ـ تبياناً لتجربة نجاح " أمل أن تكون عاملاً مساعداً يرشد الجيل الجديد في بلدي ويجسد لهم الرسالة التي تفيد وتؤكد أن الصمود والتواصل برنامج صائب من أجل التفوق في الحياة "(ذكرياتي ،ص12) . وذلك ما أعطى لهذه المذكرات أهمية استثنائية ، استحال فيها صاحبها شاهد صدق على ما يمكن للمسعى الجاد والمثابر أن يحققاه. 

إنها سيرة رجل لم تهبط عليه الثروة فجـأة ، ولم يرثها من أسلافه، كما لم يسلك من أجل أن ينالها طرقاً وأساليب يمارسها اليوم كثير من نهازي الفرص والمحتالين وأثرياء الصدفة.

إنها رحلة مترعة بالوعي واليقين لرجل عركته التجارب والمواقف ، فأعطته فهماً عميقاً للحياة . رجل لم تزده نجاحاته إلا تواضعاً وبساطة مؤطرة بالنزوع الإنساني الذي لا يعكسه محياه الباذخ البشاشة والانبساط حسب ، بل ما تراكم على ألسنة أصدقائه ورفاقه ومن عرفه عن كثب من مآثر نبله وإنسانيته ومسعاه الذي لاينأى عنه لفعل الخير.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top