مواطن يتحدى ثقافة المجتمع ويُطعم الكلاب السائبة يومياً

مواطن يتحدى ثقافة المجتمع ويُطعم الكلاب السائبة يومياً

 سليم الوزان

كريم حسين الرجل الستيني، تبدو عليه بساطة الحال والمظهر، وهو يسكن منطقة القبلة غربي البصرة ويعمل في ورشة حدادة في جزيرة "الداكير" التي كانت مسفناً لتصليح القوارب بدأ منذ ثلاث سنوات الاهتمام بالكلاب السائبة وإطعامها بشكل يومي.

وبرغم أنه لم يكمل تعليمه الدراسي إلا أنه يؤمن بأن للحيوان حقوقاً يجب على الانسان تلبيتها. يقول واصفاً بداية اهتمامه بالكلاب " منذ ثماني سنوات تقريباً بدأت بتوفير الطعام للكلاب السائبة عندما كنت أخرج في ساعات الصباح الى الاسواق الشعبية في البصرة القديمة وسوق الخضّارة في العشّار لجمع ما يتبقى من الدجاج المذبوح وكذلك الدجاج الميّت، كما أجمع ما يتبقى من القصابين وأحمله في صندوق دراجتي الهوائية، لأقوم وأوزعه على الكلاب السائبة في أثناء طريقي الى العمل، فأتوقف في بعض الأماكن التي أعرف بوجود الكلاب فيها".

الكلاب صغيرها وكبيرها تجتمع حول الرجل وبعضها بدا أليفاً بشكل راح يحتك بساقيه ويدور حوله نابحاً بمرح، والكمية التي يوزعها كريم حسين لا تكفي دائماً جميع الكلاب لكنها تسد شيئاً من رمقها، كما أن قططاً كانت تتربص على مبعدة منتظرة فرصتها للحصول على بقايا الطعام.

يجمع كريم حسين بين( 200-250) كيلو غرام من الطعام بشكل يومي ويتولى توزيعها على ثلاث وجبات الأولى في الصباح عند قدومه للعمل، والثانية في وقت الظهيرة خلال الاستراحة، والثالثة بعد انتهاء عمله في ورشة الحدادة وعودته الى المنزل، إذ يجمع البقايا من سوق الخضّارة في العشار ويعاود توزيعها على الكلاب التي يصادفها في طريقه.

ويقول "لقد مارست هذا العمل بعدما شاهدت مجموعة من الكلاب الهزيلة التي تعاني الجوع الشديد في إحدى مناطق البصرة فقمت بتوفير الطعام لها، ثم أخذت اتفقدها بشكل يومي برغم انها بعيدة عن بيتي، وتطورت رغبتي بمساعدة جميع الكلاب السائبة التي اصادفها فرحت أوفر الطعام لها منذ ذلك الوقت".

كريم حسين لا يربي كلباً في بيته بسبب رفض عائلته لذلك وكذلك خشية أن يجلب له المشاكل مع الجيران، كذلك فأن نظرة المجتمع للكلاب غير مشجعة فهي تُعتبر حيوانات غير مرغوب بها داخل البيوت بالنسبة للكثير من العائلات، لذلك واجه الرجل مشكلات كثيرة مع عائلته في بداية تعامله مع الكلاب ويؤكد "واجهت المشاكل لأني أعود متسخاً وبرائحة كريهة لكن مع مرور الوقت تقبلت أسرتي هذه الوضع".

وحول تعامله مع تلك الحيوانات السائبة يقول "لم تصادفني مشاكل كثيرة ولم أتعرض لهجوم من الكلاب بل بالعكس كنت أجدها تنتظر قدومي وهي تستقبلني بحركاتها الظريفة".

وعلى خلاف ما يقوم به كريم حسين ينظر الكثير من المواطنين في البصرة الى ظاهرة انتشار الكلاب السائبة بأنها باتت تهدد حياتهم خاصة في المناطق الشعبية كما يقول المواطن راضي محيسن من أهالي منطقة الجمهورية الذي يقول "يجب أن يتم القضاء على هذه الكلاب التي تهاجم اطفالنا وتسبب لنا الإزعاج وبخاصة مع ظهور إصابات بداء الكلب في السنوات السابقة نتيجة انتشار الكلاب المسعورة، وهي تتكاثر وتنتشر بشكل كبير في المدينة".

وتعاني البصرة من تزايد أعداد الكلاب والقوارض. ويبدو موقف حكومة البصرة من الكلاب السائبة مؤيداً لمطالب المواطنين، إذ أعلن النائب الأول لمحافظ البصرة محمد التميمي عن أن حكومة البصرة أطلقت مبلغ (50) مليون دينار لمكافحة الكلاب السائبة.

وقال التميمي في تصريح صحفي إن "اجتماعاً عقد اليوم لمجلس حماية وتحسين البيئة مع دوائر البيئة، ومصافي الجنوب، وشركة نفط البصرة، وإسالة الماء، و الصحة والبلدية والموارد المائية والزراعة والمجاري تناول موضوع مكافحة الكلاب السائبة".

وينتظر وصول الدفعات الأولى من الحبوب السامة الى البصرة، لكي تبدأ اللجنة المشكلة في المحافظة بحملة لمكافحة الكلاب السائبة التي ستنطلق من المستشفيات، والمناطق المحيطة بالمستشفيات، وفي مركز المحافظة، ومن ثم تتوسع لتشمل الأقضية والنواحي في البصرة.

وفي غمرة توجهات الحكومة المحلية لإبادة الكلاب وكل ما يقع في محيطها من حيوانات سائبة وموقف كريم حسين الانساني تقول علياء العلي – ناشطة في مجال الدفاع عن حقول الحيوان - إن موقف حسين يوجه رسالة عظيمة إلى المجتمع والمسؤولين. فالمجتمع بحاجة لبرامج توعية ونشر فكرة الرأفة بالحيوانات.

وتضيف "المجتمع العراقي يفتقد لثقافة حب الحيوان. فعلى سبيل المثال تتعرض الكلاب السائبة في العراق للتنكيل والقسوة بسبب شعور الناس العدائي نحوها، كما تتعرض خيول الجر والحمير والقطط، وكذلك جراء إهمال الجهات البيطرية لموضوع الاخصاء والحد من تكاثر الكلاب على الرغم من وجود مستشفى بيطري مجهز في كل محافظة. إن قتل الكلاب عمل غير إنساني بل يجب جمعها وإخصاءها".

وعلى قدر امكاناتهم تعمل علياء وزملائها على معالجة الحيوانات التي تتعرض للحوادث أو العنف ويتم نقلها إلى مكان آمن بعد العلاج، كما تُعرض القطط الصغيرة السائبة للتبني.

أما كريم حسين فلا يستمع الى أحد سوى ضميره ويواصل إطعام الكلاب التي قد تتعرض للإبادة في وقت لاحق، بينما يشاهد بعض المارة باستغراب ما يقوم به، لكنه اعتاد على تجاهل تعليقاتهم وتصرفاتهم إن كانت بصالحه أو ضده، فهو يفضل عدم لفت الانتباه خشية أن تناله سخرية المجتمع، كما يقول. وفي نهاية كل جولة يستقل دراجته بينما تلاحقه الكلاب بنظراتها في انتظار وجبة جديدة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top