ثانيةً عن لغة الشعر

ثانيةً عن لغة الشعر

ياسين طه حافظ

موضوعة لغة الشعر، أو التعبير شعراً، موضوع يُمارس كأية هواية أو أية لعبة. أي أن الناس يكتبون شعراً من غير أن يُناقش : لماذا شعراً ؟ أوضح الأسباب .التعبير شعراً أبعد مدى أو أجمل تأثيراً. قد لا نجد اعتراضاً على ذلك، لكننا نجد اعتراضات إذا قلنا أسهل سماعاً أو أدق إشارةً.

بقيَّ أن ننطلق من "أبعد مدى," الفضيلة المفترضة الاولى له. وهنا نجد ما يعيننا في الدراسات النقدية مما علمناه، بأنه يكشف الماوراء، انه يتجاوز الاعتيادي المستهلَك , إنه يقدم الصورة الأخرى "الحقيقية" للصورة. ولعل بلاشير الاكثر اهتماماً والاوسع كتابةً في هذا. بقي أن نأتي الى الفضيلة المفترضة الثانية للشعر، وهي إنه "أجمل" . ماذا تعني أجمل؟ إنه يمتلك طاقة الابهاج، الادهاش المُفرح أو المريح. وأنه في فنّيات التعبير وفي لغته الاستعارية، يأخذنا من الوظيفة المباشرة، من الأداء الإخباري ، الى "ملاهي" الفن. معنى هذا، بتوسع أكثر، أنه ينقلنا من حدود الماديات المحيطة، الى حدائق وراءها. بتعبير آخر، يهب الواقع ما تحتاجه أرواحنا. وهو يأتي بهذه لنا من الخيال. هو إذاً صانع أمنيات ومباهج ورضا. 

هنا نصبح على مدخل فلسفي، إلى أن الشعر يهيئ عوالم أكثر اكتمالاً، أكثر إرضاءً ، يتمناها الانسان أو يريد تجاوز واقعها إليها. 

لكن هذا الرأي ثانيةً، يجعل للشعر وظيفة! يعيده مؤدِّباً ولكن لا جهازاً مرداداً ولكن فناناً مبتدعاً ! فناناً يصنع بدائل!

في ملاحظة شخصية، عبر القصائد الفردية او الذاتية، وجدت حياتي أكثر انتظاماً وحين اردت تفسيراً، صححت خطأً، أنا صنعت "بقعة" منتظمة تنتمي لي , أوجدت زمناً وفضاءً ومحتوى، هي اختياراتي أنا من الزمان و الفضاء. وهذا ليس عملا هيناً، هو عمل قيم ذو شأن ومتميز. أهكذا يتميز الفن إذاً؟ 

بعد هذا صرت أواجه المشكلة الخشنة والكبيرة. هل تتحدث القصيدة أوبرالياً من مسرح؟ هل تقول "للجمهور" بما رأت ؟ أعني بما رأت وتخيلت وصاغت؟ ولماذا الجمهور؟ لكن لماذا الانجاز إن كان للذات وهي ملمة به وتعرف الفعل والتفاصيل؟ أهو مسعى لمشاركة انسانية أم دعوة لحضور الحياة المتخيَّلة أو المبتدَعة الجديدة؟ وهل كل المبدعين، الصاغة، يرسمون لهم عالماً وكلٌ يستعرض "خلقهُ" أو صناعته، فهم يوجدون لهم عالماً مشتركاً ضمن العالم ؟ هل يغامر الشاعر، الشعراء ليُوجدوا للعالم المبتدع مكاناً في الضوضاء أو إزاحة بعض الضوضاء من بقعة في العالم ويحلون مكانها محتوى منسجماً وهل هذا الانقاذ عمل جاد أم ما نزال في عموم اللعب الفني؟ 

لكن اللعب الفني له جديته. وفي الفن ابتداع نظام ومسرات. والاحتفاء بجماليات اللغة بعض من الاحتفاء بابتداء وبصناعة العالم الخاص. وهنا يصير الشاعر فنان أو قديساً هو في العالم الكبير الصاخب والمزدحم، هو منشغل في عزلة يصنع عالماً .. 

لكن مسألة أخرى تدعونا لاعادة التفكير تلك هي أن القصيدة ليست دائماً خطاباً! قد يكون الرأي مثيراً ولكنها كذلك أحياناً. تبادل عواطف، تبادل افكار، اعادة تنظيم "لهوٍ" ، فردي بحت. الكثرة الواسعة من الشعر خطاب؟ نعم . خطاب للنفس، للفرد، لوسط أو لجمهور أو لمنظمة أو عرش. ما يعنينا هو الاستثناء، الليس خطاباً، الحجة الانفراد بالممتلكات الخاصة، العزلة لابتداع اشكال، تعابير ومشاهد لإراحة النفس والمتعة بالجديد الحاصل. 

هل ادرك الشاعر وليم مريديث الحال وهو يهدي قصيدته الى ابولولنير : 

النهار بلا لون , باهت مثل شخصيات سويسرية في رواية 

وقد جلست في بيت قديم، أنا والفنون 

أُعلِّم قصائدك الانكليزية.

...................

في تلك الدار القديمة ، حيث تمر عليَّ 

الأشياء الغريبة.......؟ 

بقيت مسألة، هي المركزية بين المسائل، لم نجب عنها : لماذا نخاطب الآخر، الآخرين شعراً ؟ كان هذا سؤالنا الأول، لم نجب عنه. نلتفت ونعود نواجهه الآن. فمؤكد أن الشعر يصحبه شعوران, حافزان أساسيان هما الروح التي يمكن ان نسميها الاكاديمية التي تُعلّم، التي تأتي بالصعب، التي تعبر عن المكبوت ولها تفوق في الكشف. وهذه قد لا تكون مدرسية لكن خطابها من مكان متميز – منبر مرتفع. هو خطاب متعال ومن أعلى الى ادنى وهو تعليمي أو معلِن أو كاشف. في كل الاحوال هو إخباري. هل في هذا إدانة ؟ نعم و لا . نعم فنياً . لا، أنه يتضمن افتراض قدرة الخارق المتفوق في التعبير ، في صنع جماليات كلام وفي تفوق معرفي. 

لكن كل هذه لا تصمد حين يكون الشعر نظماً لا قدراً من إبداع فني، من اضافة. المشترك انه يلعب جيداً، يصوغ اشكالاً بالكلمات والآن ماذا عن : هو يختنق في العزلة التي يلجأ إليها من الموت ثم يعود الى الزحام الحي ويحدثهم بما يهمهم الحديث فيه؟ 

هو إذاً يخسر نفسه ويجدها! من تجربة شخصية :شعرت اني عدت من حفل كما لفظني البحر سالماً كنت آخر كنت من كنت ساعتها، بعدها أنا وقهوتي والكتاب ... ووحيد!

السؤال الذي تحاشيت الاجابة عنه هو : عن الشعر في حالتي الشعر شعراً أو فناً وإنه كشف متقن لمغلقات داخلنا و الشعر سائداً كونه صوتاً حكائياً مؤثراً أو معلِناً. 

عملياً، وأنت تكتب قصيدة لا يبعد عنك الموضوع زيارات المعاني النائية، اختراقات البرق. بقيَّ أن نعرف كيف نتلمس روح القصيدة عبر هذه الايماضات القادمة وما قد هيأت ؟ كيف نجد المعنى وسط إلبغاء الألغاز والإشارات؟ هنا شاعرٌ يصنع قصيدة.

وشاعر يصنع بربوجندا 

وشاعر يعيد مسموعات ما تزال, ومما نرتضيه أو لم يبتعد بعد عنا .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top