العراق.. جمهورية للخوف

آراء وأفكار 2020/01/11 06:39:18 م

العراق.. جمهورية للخوف

سعاد الجزائري

حينما كتب كنعان مكية كتابه الشهير (جمهورية الخوف) والذي تضمن فترة حكم صدام حسين، أرعبني يومها عنوانه، رغم يقيني أن الخوف ملازم للعراقي جنباً الى جنب مع حبه وعشقه لوطنه...

فالعراقي خارج حدود وطنه يخشى سماع لهجته في مكان غريب، لأنه يعتقد أن المتحدث، وهو عراقي أيضاً، قد يترصده، عكس الكثير من الشعوب الذين يشعرون بالقرب والحنين عندما يسمعون لغتهم أو لهجتهم في مكان بعيد عن الوطن.

كل الشعوب تحمل أفكاراً واتجاهات وميولاً وأدياناً مختلفة، لكننا اليوم نشهد صراعاً عراقياً - عراقياً، بل أن بعضهم يحملون نفس التوجه ونفس الدين والمذهب، ويقسمون بنفس المقدسات، ويحملون نفس الراية، ويبكون نفس الشهيد، ويلطمونه معاً، بل وبنفس الساحة، ومع ذلك يقتل البعض منهم البعض الآخر بكواتم الصوت وبالسيوف وحتى بالتواثي، عدا الخطف والتغييب، ثم يقسمون معاً بروح الحسين، شهيد ثورة المظلومين..

كيف ننادي لبيك يا عراق ويسيل دمنا ونتقاتل تحت هذا الشعار؟ كيف يكوي الجوع والذل أرواحنا، ونثور ضد ظلمنا، ثم ندير حرابنا بوجه بعضنا البعض؟ أي معادلة عصية على الحل هذه؟ وهل أرضنا منبت لبذور الكره والتفرقة؟ وهل من صادق وأمين يستطيع الإجابة على هذه الاسئلة؟

كلنا يؤمن أن أولياء حكمنا لا يجيدون إلا الفساد والسرقة والغدر، لذلك هب الشعب ضدهم في ثورة تشرينية وما قبلها، لكن، والآن، مَنْ يقتل مَنْ؟ الكل معارض، ومن هذا الكل ظهر القاتل والمقتول..

ونصف النصف يخاف ويخشى النصف الآخر..

نحن جمهورية الخوف والانشطارات السريعة، وقدرتنا على القسمة على أنفسنا، أسرع عملية حسابية عرفها التاريخ الحديث جداً، لأننا نجيد إشاعة الفرقة والحزن، وصناعة التوابيت، ولا نعرف قيمة الحياة، فمن يواجه حامل علم الوطن بطلقة قاتلة، لا قيمة للوطن عنده، ولا شرف له...

بعد 2003، أنقسمنا الى شيعة وسنة، وخاف كل طرف من الآخر واستباحه، وأنقسمنا الى عرب والكرد وخاف كل طرف من الآخر واستباحه، وانقسمنا الى مسيحيين ومسلمين واستبحناهم، وكذلك باقي أقلياتنا التي سكنها الخوف، لأننا جميعاً نعيش ضمن جمهورية للخوف فقط، جمهورية غاب الأمان فيها منذ سنين طويلة..

اليوم نشهد صراعاً وخوفاً، بين أبناء طائفة واحدة، أنشطرت على نفسها الى شظايا جارحة وقاتلة، راح ضحيتها أكثر من ألف شاب شهيد، وأكثر من عشرين ألف جريح ومعوق، والعدد يتزايد يومياً، بل كل ساعة..

الطائفة الشيعية، وبضمنها ممثلوها في الحكم وسلطاته الثلاث، وأنا من هذه الطائفة، وهذه المرّة الأولى التي أستخدم هذا التعريف الطائفي، كي لا يقال، إن كاتبة المادة سنية المذهب. هذه الطائفة تعيش الآن أقتتالاً وأختلافا سيقود، ليس الطائفة الشيعية وحسب، بل العراق بأكمله الى كارثة، نعيش بعض فصولها الدامية الآن، ونخشى أن نصل الى خاتمتها المأساوية.

الغريب إن غالبية الشهداء من الشيعة، الجرحى والمعوقين من هذه الطائفة، والذي تسبب بكل هذا الشيعة أيضاً...سؤالي، للقيّمين على سمعة وهيبة وقدسية هذه الطائفة، ما الذي تريدون اثباته للآخرين؟ وهل أوصاكم الامام ( علي) بعظمته وجلالة قدره، أن الحفاظ على المذهب يكون بالإقتتال بينكم، وبرفع السلاح بوجه المظلوم؟ وهل قدسية المذهب تطالب بقتل روح من رفع علم الوطن، علم حقه؟

قُتل أكثر من ألف شاب، و 11 ألف جريح ومعوق، أغلبهم من الشيعة، لم نشهد مجلس عزاء رسمي لهم، أو حزن مسؤول، أو حتى إحتجاج منكم، وكأن دمائهم مياه سالت، لكن هبّ، وإنتحب كل المسؤولين، أقصد الشيعة، عندما أُغتيل قاسم سليماني وابو مهدي المهندس، وهو إنتهاك سافر لسيادة العراق وحرمة أراضية، والحقيقة، أن سيادتنا منتهكة منذ سنوات، بعد 2003، ولا أريد أن أسطر قوائم الاغتيالات التي طالت العلماء والمفكرين، والاطباء وأساتذة الجامعة والمثقفين والناشطين المدنيين، والكل يعرف أن الكثير من هذه الأغتيالات تمت من قبل عناصر خارجية، أو بتوجيه خارجي وبأيادي عراقية تابعة لهذه الجهات..

ولا أريد أن اذكّر بإختراق حرمة وسيادة العراق من كل دول الجوار، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغربا..

وبمصادقة ومباركة حكوماتنا التي وقعت على استباحة سيادة الوطن وثرواته، لتنقلب جمهورية الخوف الى بقرة تدر الخير لمن حولها ليجوع أبنائها..

اليوم يخيم كابوس أسود على جمهورية الخوف، فالخلاف وصل للعظم، والجلد صار يكره عظمه، ورفعت رايات الكره، بدل راية الوطن، التي ولأول مرة منذ عقود طويلة، شعرنا أننا توحدنا تحتها، وأورق الأمل من جديد في نفوس كادت تجف من خيبتها، فظهر الشباب بجمالهم وطرزوا صدر الوطن بأجمل صورة، لكن، وكما يقول المصريون: ( يا فرحة ما تمت)، جاءت ضربة الأميركان للمعسكر وتلاها الهجوم على السفارة الاميركية، لتختمها عملية أغتيال قاسم سليماني وابو مهدي المهندس، وانهالت علينا التهديدات، وهذا لم يتم دون تخطيط يمس انتفاضة تشرين بشكل مباشر، مع اضافة مصالح اميركا من جهة، ومصالح حكومتنا من جهة أخرى، وبالطبع أسرار السياسة والتصفيات الشخصية التي تمت بهذه الفترة تحديداً، وليس اعتباطا، لتختلط كل الامور مع بعضها، ويعاد من جديد ترتيبها وفقا لمصلحة الاطراف المتنازعة على ساحة الملعب الدولي، العراق.

حتى إبنة سليماني طالبت السيد مقتدى والسيد حسن نصر الله الأخء بثأر مقتل والدها ولا أعرف لماذا لم تطالب حكومتها بالثأر، هل لأن ساحة معاركهم عندنا، في أرض العراق..أو لأننا كبش فداء، فالألف شهيد وآلاف الجرحى، هم قرابين مشاريع العهر السياسي المبني على مصالح تقدم الرفاهية لكل من حولنا، ونحن نحصد توابيت الموت، لأننا ابناء جمهورية الخوف والموت..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top