أنعكاسات وتداعيات الأحداث الأخيرة على مستقبل العراق

آراء وأفكار 2020/01/11 06:40:13 م

أنعكاسات وتداعيات  الأحداث الأخيرة  على مستقبل العراق

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

لعل من بواكير تداعيات الأحداث الأخيرة يوم الجمعة الموافق للثالث من كانون الثاني 2020 في طريق مطار بغداد الدولي والضربات الإيرانية الصاروخية الثآرية أنها أججت الحديث حول كيفية النظر إلى مستقبل العراق ومنطقتنا الشرق أوسطية

كون الضربة الاستباقية الأميركية والرد الايراني المحدود نسبياً لم تكن حدثاً يمكن المرور عليه بسهولة أو يسر كونها ليس فقط خرقت السيادة العراقية على أهمية الموضوع المعني بها ولكن كونها عرفت من قبل الطرف الإيراني على إنها بمثابة إعلان حرب شنتها إدارة ترامب على الجمهورية الاسلامية الايرانية هذا من جهة .

 

في حين أن نظرة الجانب الأميركي العدائية الى إيران تمثلت في ضربة مفاجئة ودقيقة عدت لابد منها وآن أوانها منذ فترة ليست بالقصيرة كون القائد الإيراني إعتزم سابقا أو يعتزم فعليا تنفيذ أعمال عدوانية على الولايات المتحدة الاميركية ومصالحها الستراتيجية علما بإن الدلائل الرصينة والمؤكدة حول ذلك الأمر لم تقدم بشكل تفصيلي حتى كتابة المقال سوى "الرأي الترامبي" بإن السفارة الاميركية في بغداد عرضت لمحاولة تفجير . إدارة ترامب تعتقد ان مثل هذه الضربة ستشكل رادعاً ستراتيجياً مناسباً وكافياً للطرف الايراني تمنعه مستقبلا من القيام بأية أعمال تعد في عرف الإدارة الاميركية "عدوانية" على الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها في منطقة الشرق الاوسط بخاصة إسرائيل . مسألة من الصعب القطع بنجاحها على المدى البعيد لإن الخسارة الايرانية تعرف بإنها فادحة حيث كان سليماني شخصية قيادية عالية المرتبة في سلم القيادة الايرانية نظراً للدور الجيوسياسي الذي لعبه في تلبية المصالح الستراتيجية الإيرانية. علماً بإن واقع الحال حتى كتابة المقال يقول بإن الاستجابة الايرانية الاولى جاءت محدودة نسبياً على قاعدتي عين الاسد في محافظة الانبار وقاعدة حرير في محافظة آربيل) حيث لم تحدث خسائر بشرية امريكية . 

أما المادية فمن السهل تعويضها . مايهمنا أن نتحدث عنه مستقبل العراق ومنطقتنا الشرق أوسطية التي ستعاني الكثير من المشكلات والأزمات الناجمة عن الأفعال وردودها المتبادلة من قبل الطرفين الايراني والأميركي والتي جعلت العراق أولاً والمنطقة الشرق أوسطية ثانيا ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران المسألة التي تجعل العراق والمنطقة الشرق أوسطية في عين عاصفة مدمرة لاسامح الله إذا لم يتم تدارك الأمر بحكمة من خلال حكم رشيد متوازن متضمنا إرادة سياسية قوية تستطيع إخراج العراق من آزماته المتنوعة والمتعددة المتداخلة على طول الساحة الجغرافية – المكانية والزمانية واضعة مصلحة العراق على سلم الأولويات الوطنية ودونها أي شيء آخر وهذا ما أكدت عليه المرجعية في النجف الأشرف . فنياً من جهتها حددت طهران أهدافا أميركية مابين 13 إلى 32 يمكن مهاجمتها بينما حددت الولايات المتحدة الامريكية مايقارب 52 هدفا ايرانيا تحت مرمى النيران الاميركية. علما بإن اولوية الاهداف الامريكية التي ستتعرض للهجمات الايرانية تقع معظمها في العراق في عدة مناطق للقواعد العسكرية الاميركية (عين الاسد في الانبار، بلد والتاجي وحرير في آربيل وغيرها) إضافة إلى المنطقة الخضراء التي لواشنطن فيها اكبر سفارة امريكية في الشرق الاوسط . 

هذا ومن منظور مؤسسات الدولة العراقية وعلى راسها البرلمان العراقي والحكومة العراقية نجد أن البرلمان قد نجح في إصدار قراره المهم بإنهاء الوجود العسكري الاجنبي "الامريكي بخاصة" في العراق . قرار لم يتبلور بعد بصورة تشريع ملزم من قبل الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي التي تفضل تشكل قرار جديد يحمي التزامات العراق الامنية مستقبلا هذا من جانب. كما وأنه من جانب آخر لم يعد شاملاً جامعاً للمحافظات الغربية والشمالية التي لم ولن تلتزم به ولكنه قرار ان تحول مستقبلاً الى قانون سيكون بالقطع ملزما للعراق وللطرف الامريكي برغم إعتقاد واشنطن أن حكومة عادل عبد المهدي لاتملك شرعية ومشروعية مناسبة كونها "حكومة تصريف اعمال" وبالتالي لن يتخذ قرار حيوي ينهي كلياً الوجود الاميركي في العراق الذي شرع بموجب إلتزامات سايقة من ضمنها دعوة حكومية عراقية في العام 2014 لطلب المساعدة العسكرية "الامنية" من قبل الولايات المتحدة الاميركية ومن قوات التحالف الدولي بهدف قتال داعش الذي احتل مايقارب ثلث اراض العراق. قتال انتهى بهزيمة داعش عسكريا ولكن ليست نهائية كون العراق لازال يعاني من تغلغل داعش في بعض اراضي العراق غربا وشرقاً وشمالاً . 

ما يمنع من مشروعية وشرعية نفاذية القرار كونه لم يحظ بإصوات كافية من قبل معظم ممثلي سكان المناطق الغربية وكذلك من قبل ممثلي سكان المنطقة الشمالية "ذات الغالبية الكردية".. المسألة ببساطة أن العراق بوضعه الحالي ضعيف جداً سياسياً وآمنياً نتيجة للصراعات الداخلية- الحزبية المريرة . من المنظور الجيوستراتيجي لايبدو انه في موقف يستطيع من خلاله مقارعة الدورين الاقليمي الصعب والحساس لايران تجاه العراق هذا من جهة وللدور الجيوستراتيجي العالمي للولايات المتحدة الامريكية من جهة اخرى. مايعني من الصعوبة بمكان إنهاء او تخلي دور التحالف الدولي عن كامل الالتزام الامني بتعهداته تجاه العراق . جدير بالذكر أنه وحتى في حالة افتراض انسحاب الولايات المتحدة الامريكية من العراق بصورة سريعة فإن الاخير ليس في موقع مناسب لسد الفجوة الجيوسياسية – الامنية لمجابهة الارهاب الداعشي الذي لازال يمثل خطراً على الامنين الوطني العراقي والاقليمي. جدير بالاشارة إلى أن العراق لم يستغل منذ 2003 عددا من الفرص المتاحة لتنويع قدراته أو إمكاناته الدفاعية مع أطراف أخرى –غير الاميركي- روسية ، صينية واوروبية او غيرها ما جعله تحت رحمة الطرف الاميركي بكل جبروته. مضافا لدور اميركي حاسم في توجيه عقوبات إقتصادية صارمة ضد العراق في حالة استمرار العراق بدور يستشف منه رغبة عراقية وطنية في إنهاء كل انواع الوجود الامني – العسكري الاميركي من الاراضي العراقية. إن التهديد بإيقاع عقوبات اقتصادية اميركية ضدالعراق بحاجة للمراجعة الجدية لطبيعة البدائل المتوقع توافرها مستقبلاً وذلك نظرا للتداعيات السلبية التي قد تواجه العراق في حالة تنفيذ مثل تلك الاجراءات .

اما الاطراف الاخرى في التحالف الستراتيجي وحلف الناتو ايضاً فهي في مجملها تفكر جدياً بتقليص التزاماتها في العراق نظرا للتخوف من إحتمالات مواجهة امريكية – ايرانية قد تنتهي بمقتل اعداد من افرادها. من هنا ومن منظور مكمل من المتوقع مرحليا إعادة تموضع نوعي للقوات الاجنبية داخل العراق خاصة في مناطق الشمال والغرب من العراق حتى مع وجود قرار عراقي بإخراج القوات الاجنبية وعلى رأسها الاميركية من العراق طالما يستمر خطر داعش هذا من جهة مضافا للدور الايراني المستقبلي من جهة أخرى الذي بات يشكل شكلا من مخاطر أمنية غير محسوبة العواقب لأستقرار وأمن منطقة الشرق الاوسط . ترتيبا على ذلك تستمر إدارة ترامب بأتخاذ مبادرات جيوستراتيجية دون إمكانية واقعية لقبول أي تقييم دقيق نسبيا لردود أفعال مضادة لها من قبل أقرب حلفائها من الاوروبيين. السؤال المهم برسم الاجابة كيف يمكن للعراق ان يشكل قوة يعتد بها في مجابهة التحديات والمخاطر والتهديدات الامنية الداخلية والخارجية؟ الجواب يعتمد لحد بعيد على مدى إمكانية العراق من خلال نظامه السياسي الديمقراطي بلورة وتنمية إمكانات ذاتية بشرية متخصصة ومادية تمكنه من توفير استراتيجية شاملة من الاعتماد الذاتي على النفس من خلال تنمية علائق وثيقة مع مختلف دول العالم (في اوربا ، آسيا ، افريقيا واميركا اللاتينية) وهذه معادلات جديدة من الصعوبة بمكان تصورحصولها في المرحلة الراهنة دون استعدادات وتحضيرات مسبقة. كل هذا يجري في وقت تخطط وتنفذ الولايات المتحدة الامريكية لبناء مدارج جديدة لطائرات B52 داخل العراق في محاولة لتعزيز وجودها النوعي الستراتيجي . 

السؤال المطروح حالياً هل من قدرة للسلطات العراقية لأتخاذ مبادرات فاعلة توقف واشنطن وطهران عن التدخل السلبي في الشان العراقي؟؟ كما هل من إمكانية عراقية سياسية – دبلوماسية وأمنية تمكن العراق من التاثير على قوى التحالف الدولي كي يعدل عن قراره الحيوي في سحب الدعم الامني لمواجهة داعش مع استمرار مواجهته إعلامياً –ومالياً وأمنياً لحدود تقدرها واشنطن هدفها حماية قوات التحالف بعيداً عن مصالح الشأن العراقي؟ مسألة أخرى عاجلة تقلق العراق والعراقيين تتمثل بكون كميات ونوعية السلاح "خارج الدولة" بعيداً عن إمكانية تحكم الدولة يؤثر سلباً على أمن واستقرار ورفاهية الشعب العراقي . مسائل أخرى على رأسها ضرورة تقليص شامل وكبير لمساحات الفقر والمجاعة والاتجاه نحو تنمية إنسانية بشرية مستدامة يؤكد أهمية تتمتع الدولة برؤية استراتيجية واضحة تستخدم آليات فاعلة لإنجاح فرص التنمية والاستثمار والتواصل المجدي المتكافي مع العالم الخارجي؟ ما يستدعي ألى مزيد من وعي والاهتمام بالتوصل لتشكل معضلة اختيار رئاسة وزراء مستقلة كفوءة ذات رؤية استراتيجية ولها امكانات وقدرات يمتلكها العراق او يستطيع امتلاكها وتسخيرها لخدمة عراق المستقبل من خلال نظام سياسي ديمقراطي لبرالي حقيقي يلبي تطلعات العراقيين بدولة مدنية مستقلة قوية بإمكاناتها البشرية والمادية والمعنوية التي تتجسد من خلال ثورة الشباب العراقي التي تطالب بوطن حر آمن سعيد بعيدا عن كل الفساد والمحاصصة مع استخراج وتفعيل وتنمية كل انواع المواهب من كل الطيف الجميل المتنوع الكفوء لأن مستقبل العراق هو الاجدى ما يدعونا لتمثل الايجابيات وترك كل السلبيات التي تهدد مصلحة العراق من خلال تكتلات احزاب سياسية تحكمت بثرواته ووجهته توجيها خاطئا بعيدا عن مصلحة العراق الاساسية وبعيدا عن سيادتة الوطنية التي خرقت مرارا دون رادع سيادي ودستوري قانوني. نآمل بعراق آمن عادل في توجهاته ومتوازن في سياساته تجاه كل أفراد العراق كونهم يستحقون الحصول على عيش كريم عادل في إطار نظام سياسي – إقتصادي –بيئي- إجتماعي – تربوي –علمي – تقني "ستراتيجي" يخدم مصالح العراق ويلبي طموحاته في خلق منطقة شرق اوسطية – خليجية أمنة من كل انواع التهديدات والمخاطر الداخلية والخارجية.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top