لا جديد تحت الشمس

آراء وأفكار 2020/01/12 07:22:08 م

لا جديد تحت الشمس

 د. جاسم الصفار

منذ صبيحة يوم الجريمة، أي يوم الجمعة الماضية 03/01/2020، ولمدة يومين رقص البعض فرحا بتصفية أحد قادة الحشد الشعبي البارزين (أبو مهدي المهندس) مع الجنرال الايراني المعروف (قاسم سليماني)،

واطلقوا على ذلك اليوم الذي سفكت فيه الدماء واستبيحت سيادة العراق بأنه "جمعة مباركة"، وقد وصلت رسالتهم، سواء بتخطيط أو دون تخطيط، الى اسيادهم ومشغليهم، ليعلنها بفرح وغرور وزير الخارجية الاميركي بومبيو " العراقيون فرحون بتصفيتنا للارهابيين" ومن قصدهم بومبيو بالارهابيين هم قادة معركة التحرير ضد داعش.

بعدها، في 05/01/2020 عقد البرلمان العراقي جلسته الاستثنائية بغياب النواب السنّة والكرد ليتخذ قراره المعروف بسحب القوات الاجنبية من العراق بتوصية من رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي. ومع ان القرار المذكور الذي اتخذ بأغلبية شيعية، لم يكن شديد اللهجة ولا حتى حاسماً في موقفه السياسي الخارجي، كما كان يتمنى زعيم التيار الصدري (حسب رسالته الموجهة للبرلمان في جلسته تلك)، إلا أن الحملة الإعلامية المعادية للقرار، في القنوات التلفزيونية، ذات الولاءات المعروفة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت مباشرة بعد اتخاذه. 

فمن جهة، سعى البعض الى الطعن بقانونية القرار الذي صوّت عليه البرلمان العراقي بخروج القوات الاجنبية من العراق وشككوا بصلاحيات حكومة مستقيلة أوكل اليها أمر تنفيذه، ومن جهة أخرى جرى إلباس القرار لباساً طائفياً لجعل الشيعة وحدهم رأس حربة في التصدي للعدوان الاميركي، لتذكير الامريكان بمن هم أصدقاء امريكا في العراق وما الذي يستحقونه مقابل ذلك. 

عدا ذلك كانت هنالك ملاحظات تشير الى أنه كان من الافضل لو ان الاحزاب الشيعية في البرلمان قد بذلت جهداً أكبر من اجل اشراك السنة والكرد (ولا اقصد هنا الطوائف والقوميات عموماً، بل الاحزاب المهيمنة على قرارها) لكي لا يخرج القرار شيعياً بامتياز. ومع أن هذا الرأي حكيم في ظاهره إلا أنه عصي على التنفيذ في واقع يضع فيه كل مكون مصالحه فوق مصالح وكرامة الدولة العراقية، ثم أن الوقت لم يكن يسمح بالمماطلة والتأجيل.

الرئيس الامريكي دونالد ترامب، لم ينتظر طويلاً ليرد بصفاقته المعروفة، مهدداً بالعقوبات على العراق والمطالبة بدفع تعويضات عن المعسكرات التي انشأها الامريكان في العراق. وكان من الممكن أن توضع ردة فعل الرئيس الامريكي في مكانها الطبيعي كتعبير انفعالي سريع عن غضبه واستياءه من قرار دولة لم يكن يوماً مهتماً بسيادتها واستقلالية قرارها السياسي.

كل هذا عادي ومفهوم لولا تلقف البعض للتهديد الامريكي كاشارة لتصعيد حملة اعلامية لتخويف العراقيين من مستقبل أسود ينتظرهم يفوق حتى حالة الحصار التي مروا بها بعد احتلال الكويت. وقد نجحت هذه الحملة في خلق حالة رعب حتى في الصف الوطني وعند العقلاء من الناس. ساعدتهم في نجاحها ذاكرة ما زالت تحتفظ بتفاصيل الحياة البائسة التي مروا بها في تلك الفترة. هددوهم باعادة العراق الى الفصل السابع وذكَروهم بحياة العوز التي عانوا منها في ذلك الوقت بكل تفاصيلها متبلة باراجيف صنعها خيالهم المريض.

وبالفعل تمكنت تلك الحملة الاعلامية من خلق حالة اضعفت الموقف الوطني، فتراجع زعيم التيار الصدري عن فحوى رسالته الى البرلمان وكتب المقرب منه محمد صالح العراقي رسالة يؤكد فيها على ان الاولوية للجهد الدبلوماسي، وبدأ الاعلام الرسمي ينشر توضيحات يخفف فيها من أثر قرار البرلمان، وكأن قرار سحب القوات الاجنبية من الاراضي العراقية لا علاقة له بخرق امريكا لسيادة العراق أو، والعياذ بالله، ان تكون ردا على اغتيال عراقيين وايرانيين على الاراضي العراقية. 

فالموضوع بمجمله، حسب الاعلام الرسمي الذي ساد بعد التهديد الامريكي، ليس سوى تحصيل حاصل، ونتاج للوقائع على الأرض بعد تحرير العراق من داعش والتي كان احتلالها للعراق هو الذي دعا وقتها الحكومة العراقية لطلب مساعدة قوات التحالف. وبما ان السبب قد زال بتحرير الاراضي العراقية، فلا جدوى بالتالي لوجود قوات التحالف على الاراضي العراقية. ولزيادة التطمين اكد الطرف العراقي على ان "اتفاقية الإطار الستراتيجي" مع امريكا تبقى فاعلة كما هي تجنباً لفراغ امني قد يحصل في العراق، على حد تعبير عضو البرلمان رياض محمد علي، في حديث لموقع VOA الاميركي.

وصلت الرسالة الاخيرة الى صناع القرار في امريكا، فطمأنت وزارة الخارجية الأميركية العراقيين، يوم الثلاثاء 07/01/2020، بنفيها للانباء المتداولة بوجود مناقشات لفرض عقوبات على العراق، مؤكدة أنه لاتوجد نية لفرضها حالياً. وقالت المتحدثة باسم الخارجية مورغان أورتاغاس في تصريح متلفز ان العراق حليف الولايات المتحدة والخيارات الدبلوماسية مازالت مطروحة معه. وأضافت أورتاغاس ان المشاكل قد تحدث بين الحلفاء والخيار الدبلوماسي هو الأفضل لحل الازمات والمشاكل بينهم. ثم اعلن بعدها ترامب، بلهجة توبيخ وتهديد: "اذا عاملنا العراق باحترام فلن نفرض عليه أي عقوبات". 

ومع إني ايضا اؤمن بضرورة الحفاظ على علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة الاميركي، إلا أني كنت منذ البداية غير مصدق لأية عقوبات يمكن أن تفرضها اميركا على العراق. فالساسة من الشيعة الذين اتخذوا القرار في البرلمان العراقي يعلمون جيداً بأنهم أول من يتضرر بالعقوبات الاميركية، التي ستشمل حتما التهديد بمصادرة اموالهم المنهوبة وضياع نعيمهم الذي وفره لهم نظام المحاصصة الاثنية والطائفية وانهم سيسارعون لطمأنة الطرف الاميركي.

وأخيراً، فلابد من التذكير بأن العالم قد تغير يا سادة، واصبح اليوم من المستحيل على امريكا فرض حصار كذلك الذي كان بعد احتلال الكويت، ولكن يبقى بالتأكيد ثمن الحرية واستقلالية القرار العراقي والدفاع عن السيادة الوطنية غالياً، قد نضطر يوما لدفعه كما تدفعه اليوم دول كبرى ولكن دون مغالاة وبلا انفعالات وبعد عمل صبور لبناء دولة تملك مقومات الصمود والمناورة. وهذا لن يكون الا باسقاط نظام المحاصصة الاثنية والطائفية وتشييد دولة المواطنة. دولة يحترمها الصديق ويخشاها العدو.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top