التهديد المالي والنفطي للعراق :هواجس وأحاسيس

آراء وأفكار 2020/01/12 07:23:29 م

التهديد المالي والنفطي للعراق :هواجس وأحاسيس

 مظهر محمد صالح

ثمة سؤالين مباشرين وجها لي لكوني من العاملين (المخضرمين) في الإدارة الاقتصادية العراقية ، شهدت فيها البلاد شتى الحروب والحصار والأزمات في سلسلة افقدت العراق أربعة عقود من التنمية والازدهار الاقتصادي ، فالسؤالان هما:

1. هل تستطيع أميركا مصادرة أموال العراق ...وتفقدها الحماية ؟

2. هل يبدأ العراق منذ الآن كحكومة وبرلمان الذي طلب ان تنسحب الولايات المتحدة قواتها هي وغيرها من قوات التحالف ..ان يتخذ اجراءات ويضع أمواله وهي من عائدات النفط اغلبها ...الى دولة أخرى محايدة ؟وكيف يتم ذلك

١- عدت سوق النفط منذ نشأتها في الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الاولى ودخول النفط والوقود الناجم عن تعاملاتها كسلعة ستراتيجية في صناعة الحرب والمصالح ،عدت وحتى الوقت الحاضر سوقاً دولارية في التسعير والتداول والمدفوعات والسلوك. وقد دخل العراق سوق النفط مجدداً في العام ٢٠٠٣ ولكن من أبواب قرار مجلس الأمن رقم ١٤٨٣ في مايس٢٠٠٣ الذي حجب حرية العراق في التصرف بعائدات نفوطه وقيدها بممر رقابي وعملياتي مصرفي أمريكي يسمى : حساب المقبوضان النفطية OPRA وهو الحساب المفتوح لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيوريوك بعملة الدولار.اذ يتيح ذلك الحساب استقطاع حصة الكويت من عائدات نفط العراق عن كل برميل نفط جرى تصديره تبلغ نسبتها حالياً ٣٪ .وان إزالة هذه الآلية وتحويلها بمرونة الى منطقة مالية أخرى خارج الولايات المتحدة ،يقتضي في الاحوال كافة توفير قرار أممي بديل يحل محل قرار مجلس الامن آنفاً ويقضي بقبول تغيير آلية الاستقطاع والتسديد المذكورة لدى مؤسسة مالية في دولة آخرى سويسرا أو بريطانيا او أي دولة أخرى من دول الاتحاد النقدي الاوروبي مثلاً. وحتى بافتراض أن العراق على استعداد كامل لدفع المتبقي من مبلغ تعويضات حرب الكويت مرة واحدة (التي هي ربما بنحو 8.2 مليار دولار)فان ذلك يتطلب أيضاً قراراً من مجلس الأمن يكون بمثابة (براءة ذمة)لإخراج العراق من آخر ذيل من ذيول الفصل السابع ويمنح العراق حرية التصرف بموارده النفطية كيفما يشاء.

في ضوء ما تقدم ، ومن خبرتي المتواضعة في إدارة شؤون العقوبات والحصار والأزمات الاقتصادية منذ أمد بعيد فان مثل هذا التوجه سيستغرق بعض الوقت .

وبخلافه ،اذا ما اقدمت حكومة الولايات المتحدة على تصرفات مؤذية للعراق بشأن أمواله بقرار طائش أو عطلت آليات النظام المالي لإدارة عوائد النفط OPRA التي اشرت اليها أعلاه بأفعال غير محسوبة وذرائع تتذرع بها الدولة الكبرى المهيمنة ،معنى ذلك ادخال العراق في فوضى وباتجاهين الأولى بعثرة عوائد صادرات البلاد النفطية وإدخال الصادرات النفطية في ممرات ومسالك تصدير يهيمن عليها بالغالب المضاربين وغيرهم من قراصنة النفط إزاء العمل خارج المنظومات والسياقات والضمانات المألوفة حالياً في تسويق النفط والتصرف بعائداته المالية وبأقل قدر من المخاطر . والأخر ، هو العمل خارج إسناد اطراف المنظمة الدولية وقرارها الأممي رقم ١٤٨٣ سيؤول بالوضع الاقتصادي الانحدار نحو الاضطراب والهوان داخل مفاصل الاقتصاد و تعثر دينامياته جراء اخفاق مصادر التمويل النفطي وهو التمويل الأساس في تغذية الاقتصاد الحكومي الذي تمتد اثاره الى ٨٠٪ من النشاط الاجمالي للاقتصاد الكلي .وهنا ستكون الحالة الاقتصادية العراقية اقرب الى حالة البلاد في اوضاع المقاطعة والحصار الاقتصادي السابقة .

ختاماً، لا ادري كم يستطيع النظام الديمقراطي الراهن أن يوفر بالضرورة الانسجام الكافي داخل المؤسسة السياسية لاتخاذ قرارات اقتصادية مصيرية منقذة للبلاد.وإن أي إشارة خاطئة أو طائشة تتصرف بها بعض الإدارات العراقية (بغليان أعصابها في الفترة القصيرة الحالية )سيفقدنا الكثير ولاسيما في ظل حياة نيابية غير متماسكة وحكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات ترافقها إدارة حكومية رخوة في بعض مفاصلها المهمة.فالعراق بحاجة الى مركز قرار ستراتيجي موحد يفكر بعقلانية عالية ويبعد الخطر عن البلاد ويجنبها الاصطدام بمحاور إمبريالية عديمة الشفقة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top