الروائي شهيد شهيد: وظيفة المثقف الأساسية أن يكون محرِضاً على الحياة

الروائي شهيد شهيد: وظيفة المثقف الأساسية أن يكون محرِضاً على الحياة

حاوره : عامر القيسي

روايتان لشهيد شهيد (كش وطن ، سرقة العمامة ) منعتا من العرض في أكثر معارض الكتب في البلاد العربية وأثارتا جدلاً واسعاً بين الأوساط الأدبية وتابوهات المنع الفكري وسلطاته ،

لأن شهيد تعرض فيهما ، بمشروع جريء ، مواجهاً الانساق الحاكمة وأولها النسق الاخلاقي ، ويقول شهيد ،لم يكن المنع على مستوى المعارض فقط وإنما على المستوى المجتمعي أيضاً..اقتحم شهيد في روايتيه المحظور وعبر الخطوط الحمر لسيادة أيديولوجية.. حساسية الموضوع والجرأة في الطرح جعلت روايتيه تحت سلطة المنع .

 انتقلت من الرسم الى الشعر ثم هجرتهما معا الى عالم السرد الروائي ما الذي أغراك في هذه المساحة؟ 

- من المعروف أن الانسان في سعي دائم لتحقيق وجوده , لذلك نجده في رحلة طويلة لابتكار وسائل تحقق له ذلك الوجود , لا يختلف اثنان على أن الوسيلة المثلى لتحقيق الوجود هو "التعبير" ولاشك أن "الفن" يمثل وسيلة التعبير الأكثر تاثيراً من ناحية التلقي , بالنسبة لي تنقلت في أكثر من مساحة فنية وكان لكل مرحلة عمرية جنسها الفني الملائم لها , مرحلة الطفولة كانت مرحلة "ملونة" لذلك كان الرسم وسيلتي للبوح بالخزين اللوني الذي يموج داخل ذاتي , بعدها بدأت مرحلة الرومانسية أو طغيان الشعور وهي مرحلة الشباب فلجأت الى الشعر , بعدها كانت مرحلة "الأفكار" وفي هذه المرحلة أدركت أن الأجناس الفنية السابقة لم تعد تستوعب ما أطمح للتعبير عنه لذلك انتقلت الى السرد , ربما تكون هناك مرحلة أخرى فأنا اعتقد بحركية الوعي ولانهائيته وضرورة عدم الوقوف في مكان واحد . 

 أولى رواياتك التي صدرت عام 2015 عنونتها بـ " كش وطن " التي أثارت جدلاً واسعاً في الوسطين الثقافي والديني، كما منع دخولها الى بعض معارض الكتب ..ماقصة هذه الرواية ولماذا منعت؟ هل كانت هذه الجملة في الصفحة 110 "إن رجل الدين قواد مقنع وأنت أيضاً ياسيادة القاضي\ وأرجو ان لاتزعل مني \قواد مقنع" سبباً للمنع أو أحد أسبابه؟

- في البداية أود أن أقدم فكرة بسيطة عن مشروعي الكتابي , مشروعي الكتابي يتعلق بالوعي , حيث أدركت أننا بحاجة الى وعي جديد وهذا ما يتطلب إنتاج مفاهيم جديدة , إدراكي لضرورة إنتاج مفاهيم جديدة مثـّل الركيزة الأولى في المشروع الخاص بي ككاتب مما جعلني اختار طريق مواجهة ومصادمة "الأنساق الحاكمة" , النسق الأول الذي اخترته للمواجهة هو النسق الأخلاقي , انتجت رواية كش وطن التي تتحدث عن سيرة مختصرة لسيرة قوّاد , من خلال تلك الرواية أردت توجيه عدّة رسائل أولها إن ماهو مرفوض اجتماعياً وأخلاقياً يمكن أن يكون مقبول إنسانياً وكذلك أردت أن انقل صورة توضح ضرورة التخلي عن الاحكام الصارمة فحتى المناطق التي نحمل عنها صورة سيئة يمكن أن نجد فيها النزعة الانسانية المثالية , حساسية الموضوع والجرأة في الطرح جعلت الرواية تحت سلطة "المنع" , اعتقد أن الخطاب بمجمله كان سبباً للمنع وليس الجملة التي ذكرتها في سؤالك فقط , لم يكن المنع على مستوى المعارض فقط وانما على المستوى المجتمعي ايضا , سمعت قصصا كثيرا بعضها يحمل شيئاً من الطرافة , أحد القراء حدثني عن الطريقة السرية التي أدخل بها الرواية الى بيته خوفاً من أن تقع أعين زوجته عليها وكيف إنه اتبع احتياطاته الكاملة لحين انهاء الرواية وبعدها تخلص منها , كش وطن حملت معها ردود أفعال عنيفة وهذا ما شكل لي تجربة مركبة , الضغط النفسي كان عصيباً بالنسبة لي خصوصاً واني كنت حديث العهد في الساحة السردية ولكن الدرس المهم الذي خرجت به هو أن دور الكاتب لا يقتصر فقط على الانتاج الكتابي وإنما يجب يتعداه الى مرحلة أخرى اكثر أهمية وهي أن يكون متلقياً ناجحاً عندما يكون تحت سلطة القارئ. 

 بطل " كش وطن " عبد الرزاق الجبران الذي حاولت أن تجعل أفكاره مادة قابلة للاحتكام الجدلي،كما قلت في وقت سابق ، ماشكل ومحتوى العلاقة التي تربطك به خصوصاً وانك بدأت وانهيت الرواية به؟

- الشخصية المحورية في رواية (كش وطن) شخصية موازية لشخصية الكاتب عبد الرزاق من حيث الأثر أو دلالة المعنى , الرواية تتكلم عن شخص قرر أن يحول النظرية الى تطبيق على أرض الواقع وأن ينقل بعض أفكار عبد الرزاق من الورق الى صورة عملية , وهذا ما جعل المتلقي يبحث عن تفسير للارتباط بين ثلاث شخصيات (عبد الرزاق الجبران , كاتب الرواية , بطل الرواية) ما اريد قوله هنا هو أن حضور عبد الرزاق الجبران في رواية كش وطن كان حضورياً رمزياً وإنه يمثل فكرة متداولة تم الاشتغال عليها سردياً بابعاد فكرية تهدف لخلق رؤيا تتعلق بقيمة النظرية وما يترتب عليها في حالة تطبيقها على ارض الواقع . 

 في قراءة للرواية نفسها ، الـ"كش" في الشطرنج تعني وجود ملكين ، لكنك في الصفحة 42 اهتممت باضافة ثلاث نقاط للحرف الأول الذي كان مكتوباً في غرفة عاهرة دون نقاط ، أي علاقة تربط بين المفردتين بالنقاط ومن دونها ؟ 

- هذا السؤال ربما يقودنا لقضية "الاحتيال على اللغة" , وسعينا الدائم الى تغطية ما نخشى أن يؤذي انساقنا الحاكمة , الفكرة النهائية التي قادنا اليها سؤالك تتلخص بأننا عندما نحاول التخلص من مأزق قد نقع في مأزق آخر , بطل الرواية أراد أن يتخلص من ضغط نسق المصطلح المحافظ ولكنه عندما وضع ثلاث نقاط على الكلمة الاولى من العبارة المكتوبة على جدار المبغى وجد نفسه أسيراً لنسق أخطر يتعلق بمفاهيم العلاقة بالوطن حيث تحولت الدلالة الى عبارة مختلفة مضمونها يتعلق بموت الوطن. 

 هل تتفق مع إحدى التقييمات النقدية لرواية " كش وطن " التي وضعتها في إطار " الواقعية النقدية" ؟

- نعم اتفق مع ذلك , رواية كش وطن لم تكن رواية أحداث وإنما رواية أفكار , لذلك يمكن وضعها في خانة الروايات "الغنائية" التي تعتمد على التصميم أكثر من اعتمادها على الحبكة , سرديات "الذات الآثمة" منطقة مهمة وتقع ضمن المسكوت عنه بسبب الحرج الذي يسببه الخوض في هكذا مواضيع واقتحام هكذا منطقة يعتبر مجازفة كبيرة , الإطار النقدي في الرواية يتوجه للوعي العام الذي يكوّن أحكاماً صلدة تجاه شريحة الخارجين على القوانين والأعراف الاجتماعية السائدة بدلاً من البحث في المسببات التي أدت وجود تلك الشريحة التي يمكنني وصفها بالمظلومة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top