ثورة الشباب قانون الانتخابات في ضوء مطالب المحتجين

آراء وأفكار 2020/01/13 07:41:58 م

ثورة الشباب قانون الانتخابات في ضوء مطالب المحتجين

وثاب داود السعدي

تحت ثورة عارمة أثبت فيها شباب العراق وعياً وبصيرة أذهلت أركان أحزاب الفساد العلني والسري، ودكت معاقل التفكير المتحجر للمسؤولين السياسيين دكاً، سواء من أصحاب أحزاب نهب المال العام المهيمنة، أو من معارضاتها الهيكلية الصورية، اضطر مجلس النواب العراقي على التصويت على قانون جديد للانتخابات يوم 24 كانون الأول الجاري.

ولكن هذه الطبقة الحاكمة المتمسكة بامتيازاتها وسرقاتها لا يمكن أن تمنح الثوار ما يريدون، وهو إسقاط هذا النظام المزري، نظام المحاصصة والنهب وكواتم الصوت.

شباب العراق لا يرضون مطلقاً بحلول تخديرية، أو إجراءات ترقيعية، وهذا لم يفهمه الكثير من الديمقراطيين، الذين يدينون بدون شك دولة النهب والسلب، ولكنهم قاصرون عن فهم أبعاد المعركة الحقيقية.

وأكبر دليل على ذلك لجوء بعض الديمقراطيين، مع بالغ الأسف، للدخول في سوق ترشيح شخصيات ديمقراطية لرئاسة الوزراء للفترة الانتقالية.

لم يفهم هؤلاء أن شعار حل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة، يعني تصميم الشباب على الانتهاء، الى غير رجعة، من عهد السمسرة المحاصصاتية. وفهمهم القاصر ليس سوى امتداد لحملاتهم الانتخابية السابقة المداهنة، حيث لم يرفع مطلقاً أي شعار يدين الفساد ويطالب بمعاقبة الفاسدين.

وكيف وفقاً لهذا التفكير من الممكن تصور أن الطبقة السياسية الحاكمة ستحفر قبرها بيدها.

مشاركة أي ديمقراطي في أية حكومة تشكّل من طبقة الفساد هو خيانة لدماء الشهداء ولثورة الشباب. الهدف الأساس هو حل مجلس النواب واجراء انتخابات مبكرة. وعلى طبقة الفساد القبول بشروط المنتفضين : تشكيل حكومة من المستقلين لإدارة الفترة الانتقالية تمهيداً للانتخابات.

كيف يستطيع أي كان أن بصدق ان هذه الجماعات الحاكمة ستسمح للحكومة المؤقتة بمتابعة الفاسدين وحصر السلاح بيد الدولة وإجراء الإصلاحات المطلوبة. أي إصلاح مستحيل إذا لم يتم حل مجلس النواب.

القانون الذي تم التصويت عليه البارحة يستجيب شكلياً لمطالب ساحات الاحتجاج. ولكنه في الواقع غير ذلك تماماً.

سنركز هنا على المادة المتعلقة بنظام التصويت الفردي، وتحديد الدوائر الانتخابية

منذ عام 2003 كنت ادافع عن نظام انتخابات يعتمد على الترشيح الفردي بدورتين. وقد خضت في هذا المضمار نقاشات معمقة ومثمرة مع الكثير من الأصدقاء والاختصاصيين، وأخص بالذكر منهم القاضي هادي عزيز والصديق حسان عاكف.

ينص القانون على أن القضاء يمثل الدائرة الانتخابية، ويجري الانتخاب على أساس الترشيح الفردي، بواقع نائب لكل 100000 مواطن.

معنى ذلك، إذا أخذنا مثلاً مدينة الثورة أو الصدر، فإن عدد السكان غير معروف تحديداً، ولكنه في كل الأحوال يتجاوز المليون شخص. فمعنى ذلك أن هذا القضاء سينتخب لنفترض 10 نواب. إذاً الترشيح هنا ليس فرديا. والمرشحون لا يتنافسون على دوائر انتخابية محددة وإنما على منطقة واسعة غير معروف تحديدا من هو مرشح المنطقة المعنية بالعتبة الانتخابية، لأنه سيكون واحداً من عشرة.

الترشيح الفردي يقتضي تقسيم المناطق وفقاً لعدد السكان، مع اعطاء متسع يسمح لتكوين دوائر انتخابية، يتراوح سكانها من 100000 الى 120000 نسمة مثلاً لتسهيل التقسيم الإداري.

في هذه الدائرة يتنافس المرشحون على مقعد واحد، بحيث أن الناخب يعرف بان المرشح الذي يصوت له هو من بين الذين يختارهم.

الهدف من الترشيح الفردي عن مناطق محددة لمقعد واحد، هو إعطاء الفرصة للناخبين بالاختيار بين أشخاص معروفين ومعرفين لديهم. ويتم الاختيار حينها بناء على تركيبة من عوامل متعددة. نوعية المرشح وكفاءاته الشخصية وبرنامجه العام والخاص، وحضوره بين ناخبيه.

وفي هذه الحالة سواء كان المرشح منتمياً الى حزب او مستقلاً فعليه أن يثبت وجوده بين الناخبين.

حينها لن يستطيع أي شخص لا يحمل بعضاً مهماً من هذه الصفات أن يصل الى سدة البرلمان.

وفي هذه الحالة لن تعاد بعض الذكريات الانتخابية سيئة الصيت. يتذكر الجميع السيدة التي رشحت في قائمة السيد نوري المالكي، ولكنها كانت تستحي من وضع صورتها أو حتى ذكر اسمها، وكانت دعايتها الانتخابية مع صورة زوجها. ومثل آخر، في مجلس النواب الحالي نرى عالية نصيف من أكثر النواب ضجيجاً وهي لم تحصل سوى على 3000 صوت ونيف.

ونرى كذلك أن اختيارات مجلس النواب لا تحل المشكلة اطلاقاً. فعدا أن الدوائر الانتخابية ليست فردية حقيقة، فإن الفوز بأعلى الأصوات يلغي تماماً كل أمل في الإصلاح. وقد كتب الكثيرون أمثلة للتدليل على ذلك.

النظام الذي لجأ إليه مجلس النواب معمول به في إنكلترا، وهو يعد من أسوأ الأنظمة الانتخابية في العالم. سبب استمرار الإنكليز في استخدامه يعود الى بطء التغييرات القانونية في بريطانيا والفلسفة السياسية لهذا البلد.

لدى البريطانيين استطاع هذا النظام حل مشاكل سياسية عويصة، لأنه يسمح بتشكيل حكومة أقلية. فان استطاع حزب ما الحصول على 40 بالمئة من المقاعد، ولم تستطع الأحزاب الأخرى من عقد ائتلاف بينها، فان الحزب الأول يحكم بحكومة اقلية، ولا يحتاج الى إعادة الانتخابات إذا تعذر تكوين أكثرية.

اختيار أحزاب السلطة لنظام أعلى الأصوات، بدورة واحدة، بدلاً من 50+1 بدورتين )ان اقتضى الامر( يخدم مصالحهم لأنهم أكثر قدرة من غيرهم على دفع مرشحيهم للحصول على المراكز الأولى. ولكنهم يفقدون هذه الأفضلية إذا كان هناك دور ثاني يسمح للمرشحين المستقلين والديمقراطيين للالتفاف حول المرشح الأوفر حظاً والأكثر تمثيلاً لمصالح المواطنين.

في الوقت الذي يبدو فيه واضحاً أن الثوار الشباب عازمون على إجبار مجلس النواب على تغيير هذا القانون، إلا أن الهدف الرئيس للثورة العارمة يبقى حل مجلس النواب واجراء انتخابات حقيقية، ستنهزم فيها أحزاب نهب المال العام مهما كان شكل القانون الانتخابي.

الشباب بنوا حضورهم بتصميم وإصرار عجيبين، ولن يتراجعوا إلا ببناء عراق جديد يسمو على ما دمره السرّاق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top