نقطة ضوء: الاستثمار في الرياضة

د.علي عبد الزهرة الهاشمي 2020/01/15 07:35:35 م

نقطة ضوء: الاستثمار في الرياضة

 د.علي الهاشمي

التقيت مع وزير شباب عربي كلّفني بإعداد صيغة لعقد مؤتمر وطني للنهوض بالرياضة في بلده ، وقدّمت ورقة عمل إبتداءً بشعار المؤتمر ومروراً ببحوثه وإنتهاءً بأهم التوصيات ،

وعندما جرّنا الحديث الى جوانب تمويل المؤتمر أبلغني أن وزارته لا تمتلك المبالغ اللازمة للمؤتمر أو لتطوير الرياضة ، قلت له إن لم ترصد الدولة ميزانية للرياضة تساوي ما يُرصد لوزارة الدفاع لن تتطوّر الرياضة في بلدكم، قال لي لو طرحتُ هذا الكلام في اجتماع مجلس الوزراء ربّما سيتم إعفائي من الوزارة وأُتهم بأنني لا أقدّر أهمية الأمن وأولويته بالنسبة للوطن.

هذا حال الرياضة العربية التي تستند بشكل مطلق الى ما تمنحه الدولة لها من أموال لا تتناسب مع النشاطات والمشاركات وإعداد الفرق الرياضية. وعادة ما تجود هذه الأندية وتنفق ما يصل إليها على عقود اللاعبين ولا تبحث عن موارد مالية تعزّز بها ميزانيتها ، ولهذا أسباب عديدة أولها وأهمها فقدان ثقافة الاستثمار من قبل الميسورين الذين يوظّفون أموالهم في مجالات شتى غير الرياضة ، كذلك عدم قيام المتصدّين لقيادة الحركة الرياضة بالجهد اللازم في توضيح أهمية الاستثمار في هذا الوسط ، كما إن مواقع الأندية جغرافياً غير ملائمة لاستثمارها من قبل الآخرين أو من قبل الأندية نفسها لتدرَّ عليها مبالغ تعزّز رصيدها المالي وتوظّفه في تطوير الرياضة فيها .

لقد ارتفعت أسعار اللاعبين بشكل يفوق التصوّر ، ففي السبعينيات من القرن الماضي عندما كان يطلق على بيليه البرازيلي الجوهرة السوداء كان هناك من يقول أنه يستحق أن يلعب في أي مكان مقابل مليون دولار في حين يرى فريق آخر أن هذا الثمن مبالغ فيه كثيراً وعند مقارنة أبسط لاعب في الوقت الحاضر ربما لم يكن بمستوى مهارة الجوهرة السوداء يجد أن المبالغ أصبحت خيالية تدفعها أعرق الأندية للاستحواذ على كبار اللاعبين الموهوبين وتستطيع أن تحصل على مردود مالي أكثر ممّا تنفق ، بل وتحقق أرباحاً من جرّاء انضمام هؤلاء اللاعبين الى صفوفها ، فإذا كان هناك من يرى مبلغ المليون دولار كبيراً بحق بيليه الجوهرة السوداء يرى غيره أن مبلغ ( 222 ) مليون يورو عادي بالنسبة لمواطنه البرازيلي نايمار في الوقت الحاضر والأمثلة كثيرة على ذلك.

لا نغفل اللاعب المصري محمد صلاح الذي بلغ عقده (150) مليون يورو وهو أكبر مبلغ يتقاضاه لاعب عربي في الوقت الحاضر إذا ما استذكرنا اللاعب زين الدين زيدان الفرنسي من أصول جزائرية يوم أهدى بقدميه الذهبيتين كأس العالم عام 1998 إلى فرنسا وكان عقده لا يتجاوز (75) مليون يورو .

ترى الأندية الكبيرة وخاصة الأوروبية إن ما تقدّمه من مبالغ هو تقدير للمواهب التي يمتلكها بعض اللاعبين والذين يشكل وجودهم عامل جذب للجماهير في متابعتهم كمتفرّجين في الملاعب وكمشاهدين من خلال شاشات التلفزة والتي نقلت اللاعبين من مستوى النادي أو الدولة الى مستوى العالمية فتوزّع الناس في أقطاب الأرض بين ريالي وبرشلوني برغم المسافات النائية ، ولهذا فإن الأندية تستثمر هذا الانتشار العالمي لتحقّق مكاسب مادية. فعلى سبيل المثال لا الحصر تم بيع فانيلات تحمل اسم رونالدو ورقمه بوارد قدره (30) مليون يورو.

تنفق الأندية الكبيرة ما يقارب (400) مليار دولار سنوياً على نشاطاتها المختلفة على عقود اللاعبين وبناء ملاعب تتوفر فيها عناصر الراحة والاستجمام وجذب المواطنين وتغطي رواتب المدربين وعقود اللاعبين وأجور الحكام وتحصل مقابل ذلك على مبالغ تسدّ احتياجاتها وتزيد من أرباحها خاصة أندية مانشستر يونايتد وبرشلونة وريال مدريد وبايرن ميونيخ حيث لا تقل أرباح كل منها عن (700) مليون دولار سنوياً وتعتبر هذه أغنى أندية العالم وهذه الأرباح تأتي من خلال إنشاء الملاعب استثمارياً فيها مطاعم متنوّعة ودور استراحة ودور سينما ومسارح ومحلات التسوق وصالات اللياقة البدنية وبناء المصانع لإنتاج الملابس والأدوات الرياضية ومبالغ التذاكر التي تحصل عليها كريع المباريات واشتراكات أعضاء الأندية وحقوق البث التلفزيوني وبيع شعارات وأعلام الأندية وقمصان اللاعبين وكذلك تنظيم لقاءات أسبوعية بين اللاعبين والجماهير مقابل تذاكر تحدّدها إدارة النادي إضافة الى جوائز البطولات فبطل أوروبا يحصل على (40) مليون دولار.

نستنتج من ذلك أن علّة الرياضة العراقية والعربية في عدم قدرتها على التمويل الذاتي واعتمادها على التمويل الحكومي الشحيح ما يجعلها تراوح في مكانها .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top