موسيقى الاحد: أغمونت وحرب الاستقلال

موسيقى الاحد: أغمونت وحرب الاستقلال

ثائر صالح

ألف لودفيغ فان بيتهوفن موسيقى أغمونت في سنة 1810 لمصاحبة عمل غوته (1749 – 1832)

المسرحي الدرامي الذي ألفه سنة 1775 عن الكونت الفلمندي أغمونت الذي قاد المقاومة الفلمندية ضد محاكم التفتيش واضطهاد البروتستانت في الأراضي الواطئة من قبل الاحتلال الاسباني، وعن الإمساك به وسجنه ومحاكمته بتهمة الهرطقة ثم قطع رأسه في بروكسل يوم 5 حزيران 1568. كان اعدام الكونت الشرارة التي فجرت الثورة الهولندية ضد الحكم الاسباني والملك فيليب الثاني (من فرع هابسبورغ الاسباني)، وبالتالي استعادة الأراضي الواطئة استقلالها في حرب الثمانين عاما (1568 – 1648).

كان بيتهوفن من المعجبين بغوته، لذلك اعتبر هذا التكليف تشريفاً له الى جانب الأسباب الشخصية الاخرى. فجده فلمندي، ثم أن الدراما بحد ذاتها تتحدث عن الثورة ضد المحتل والتحرر الوطني، في إشارة واضحة الى احتلال نابليون للنمسا (وقد احتلها في أيار من العام السابق 1809، وكتبت عن ذلك في المدى عدد 11/5/2019).

أرسل بيتهوفن نسخة من أغمونت الى غوته ربيع سنة 1811، والتقيا شخصياً صيف 1812 في مصيف تبليتسه. لم يقتنع غوته بعبقرية بيتهوفن، وأستمر في اعتبار موتسارت العبقرية الأولى في الموسيقى، أما بيتهوفن فهو "شخصية جامحة تماماً" حسبما قال. نذكر هنا أن غوته السبعيني التقى لاحقاً في 1821 فيلكس مندلسون وهو بعمر 12 سنة، وشجعه على كتابة سيمفونيات للوتريات، فكتب درزناً منها بين 1821 – 1823 تعد من أولى أعماله الناضجة.

تكون عمل بيتهوفن في الأصل من افتتاحية وتسعة قطع أخرى لتغطي الفصول الخمسة التي احتوتها مسرحية غوته بضمنها أربعة قطع موسيقية بين الفصول الخمسة واغنيتين للسوبرانو. ومن النادر تقديم كل العمل وتكتفي أغلب الفرق بتقديم الافتتاحية التي لخصت كل القصة كأنها قصيدة موسيقية. فهي لا تستعرض الصراع الرئيسي فحسب بل تتعداه الى الخاتمة وحل التناقض مثلها مثل افتتاحيات اوبرا فيديليو (ليونورا). إذ يمكن تمييز الجور الذي جلبه الحكم الاسباني في مقدمة الافتتاحية الثقيلة البطيئة، ثم لحظة اعتقال الكونت، ومداولات القضاة الاسبان في المحاكمة التي عبر عنها بيتهوفن بالوتريات الواطئة، بينما عبرت الهوائيات عن زوجة الكونت وهي تطلب لزوجها الرحمة. بينما هدرت النحاسيات بنغماتها المنقوطة (منفصلة بعضها عن البعض الآخر) عن النطق بالحكم: مذنب، يليه توسل أخير من قبل الكمان الأول بصوت خافت قبل أن تؤدي كل الأوركسترا بصوت واحد: الحكم بالإعدام، ثم ضربة السيف التي عبر عنها الكمان الأول والثاني وموت الكونت الذي أشارت اليه لحظة الصمت. لكن الأمر لا يتوقف هنا بل تستمر القصة من خلال بناء تصاعد صوتي تدريجي بالسلم الكبير للتعبير عن مواصلة ما بدأه الكونت واستمرار شعب هولندا في النضال لطرد المحتل، الخاتمة التي تحمل ملامح بطولية سيمفونيته الخامسة التي ألفها قبل عامين. وكعادة بيتهوفن يحل اللون الصوتي البطولي محل اللون الداكن كناية عن الانتصار على الظلم والظالمين. 

ولعبت القطع البينية دور الرابط بين الفصول في تهيئة الحاضرين للمشاهد القادمة الى جانب دورها في شغل الفراغ بين فصول المسرحية، بل تتعدى مهمة الربط الى الاسهام المباشر في العمل الدرامي نفسه، مثل مشهد الموت، أو "سيمفونية الانتصار" وهي القطعة الأخيرة، في تكرار لختام الافتتاحية نفسها. 

بقي أن نذكر ارتباط موسيقى الافتتاحية بثورة 1956 المجرية بشكل وثيق، وكانت تقدم بشكل مستمر من الراديو، لربما دون انتباه الى المضمون التاريخي الذي عبر عنه عمل غوته وبيتهوفن هذا، فالشحنة الدرامية للافتتاحية تكفي لشغل هذا الدور.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top