ماوراء البعد الجيو- ستراتيجي- الاقتصادي في علاقة العراق بالصين

آراء وأفكار 2020/01/19 07:39:28 م

 ماوراء البعد الجيو- ستراتيجي- الاقتصادي   في علاقة العراق بالصين

 د. أحمد عبد الرزاق شكارة

تناقلت الأيام الأخيرة نقاشات وتعليقات وتحليلات متنوعة ومختلفة في مدى أهميتها حول طبيعة المعطيات ، الأبعاد والتداعيات الجيوسياسية والاقتصادية لعلاقة العراق بالصين .

منها ما عُد مؤيداً تعضيداً لتحالف ستراتيجي منافس للولايات المتحدة ومنها معارضاً تحسباً لهيمنة صينية متوقعة على القرار العراقي وأخرى لم تحدد موقعها بعد من الاعراب كما يقال . علما بإن مسك العصا من المنتصف صعب وقد لايمكن أن يوصلنا لنجاح او لنجاحات مثمرة متبادلة على قاعدة مكسب متبادل إلا في حالة تفاوض مهني جدي مثمر يستفيد من تجارب العالم الناجحة ويعتمد على خبرة ومهنية عراقية قيمة . 

نقطة الانطلاق يمكن توصيفها على أنها حيوية لمستقبل الدولتين العراقية والصينية معاً كونها تعزز مبدئياً المصالح الاقتصادية "النفطية وغيرها" المتبادلة حيث العراق الذي يعد وبرغم او بسبب ما يواجهه من تحديات وأزمات داخلية "ثورة شعبية منذ اوكتوبر 2019" أو"خارجية – اقليمية" بحاجة لحليف ستراتيجي منافس للدور الامريكي المهيمن جيوبولوتيكياً وإقتصادياً على منطقة الشرق الأوسط بل وما ورائها من مناطق حيوية ستراتيجياً – إقتصادياً . مع الأخذ بالاعتبار تعقيدات المشهد الاقليمي الاستقطابي بين إيران من جهة والسعودية من جهة أخرى. ولكن من منظور مكمل للصين نظرة جيوسياسية – إقتصادية ترى في العراق دولة محورية في ستراتيجتها العالمية التي تعرف ب"ستراتيجية الحزام والطريق الواحد" معتبرة العراق دولة مهمة جداً لإي نجاح ذا معنى للستراتيجية الصينية العالمية. الخطة الصينية تحدد وفقاً لرؤية ستراتيجية – اقتصادية متسعة مترامية الاطراف هدفها استثمار الفرص المتاحة كنتيجة مثلا لطبيعية إنسحاب امريكي جزئي من ساحة التنافس الجيوستراتيجي أو نظراً لإتخاذ الولايات المتحدة الاميركية مواقف معنوية مضادة للصين كونها لاتراعي حقوق وحريات الانسان الاساسية. برغم ذلك ، لايمكننا أن نقول بإن سجل الولايات المتحدة الاميركية غير حافل بخروق أو إختراقات لحقوق الانسان حرياته الاساسية ولكنها تبريرات مهمة تندرج في ظل توصيف وتحليل لإبعادعلائق مهمة حرجة متارجحة نسبيا بين الصين وواشنطن . الكلام هنا ليس على ما يحدث حالياً فقط في الداخل الاميركي بقدر ما هو مرتبط بإدوار اميركية بعيدة كل البعد عن الدفاع عن حقوق وحريات البشر اينما كانوا بل مرتبطة بانتشار نفوذ اميركي مهيمن عالمياً. وبالعودة إلى مسار الموضوعي في علاقات الصين والعالم الخارجي نرى إنها ترتبط بقضايا متنوعة على رأسها المصالح الاقتصادية والجيوسياسية تلك التي تؤكد أهمية التعاطي مع المسآلة الراهنة بكل موضوعية ودون التدخل بتفصيلات مشروعية صناعة القرار مع أهمية البحث في تداعياتها. من المنظور العراقي اعتبر رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي أن زيارته للصين في سبتمبر الماضي -2019 تعد او توصف بانها Quantem Leap مايعني انها داينمو لتغييرات جيوستراتيجية صادمة للعراق مع الصين في مسار طويل المدى . لاشك أن زيارة عبد المهدي الرسمية التاريخية التي أتت في إطار سياق علاقات مصالح متبادلة بين العراق والصين اسست لها حكومات عراقية سابقة (المالكي والعبادي) ضمت وفداً عدده قارب أوتجاوز ال55 شخصاً ، زيارة إعد لها مسبقاً من قبل وفد عراقي مصغر وضع الأسس والمبادئ والآليات العملية لتنفيذ بنود الاتفاق Accord العراقي – الصيني. 

ما نجم عن زيارة الأيام الخمس مايلي التوقيع على ثمانية مذكرات تفاهم Memorandum of Understanding (MoU’s) متنوعة الابعاد في حقول حياتية مهمة، إطار إتفاق أئتماني للطرفين ، وإعلان عن خطط إشراك العراق في المبادرة الجيوستراتيجية- الاقتصادية الصينية للحزام والطريق الواحد China’s belt and road initiative- (BRI)> . صحيح ان مذكرات التفاهم والاتفاقات التي عقدت بحاجة لبلورة إجراءات تشريعية تجعلها فاعلة ونافذة قانونا ولكنها وبغض النظر عن ما تقدم من تأييد أو معارضة تراوحت بين الشدة والاعتدال ومواقف اخرى مائعة تعد مرحلة سياق مهم هدفه إحداث نوعا من التوازن بين علاقات العراق مع الغرب (الولايات المتحدة الاميركية تحديداً) من جهة والشرق ممثلاً بثاني أكبر اقتصاد عالمي (الصين). 

مسألة إن عرفت بهذا المعنى من قبل صناع القرار في الدولتين فإنها تحتاج منا ان ندرسها بشكل مفصل وواضح مبني على معلومات حقيقية تستقى من بنود ما تم التعاقد عليه بين الطرفين العراقي والصيني مسألة ليست ميسورة في غياب المعلومات الكاملة عنها. بداية يمكن القول ان هذه الاتفاق بمفهومه العام وصف بأنه صفقة أمدها 20 عاماً تقع في إطار تجهيز العراق نفطا للصين مقابل إستثمارات مالية صينية هدفها الشروع ببناء مشروعات عراقية حياتية ترتبط بإعادة بناء ما تم تحطيمه من بنى تحتية في حروب العراق السابقة وآخرها للعام 2003. بعبارة واضحة "النفط مقابل الاعمار". 

جدير بالذكر إن التأسيس للاتفاق العراقي –الصيني بشكله الستراتيجي لم يكن وليداً لحكومة عادل عبد المهدي حيث أن زيارة العبادي للصين في عام 2015 وضعت البنة الاقتصادية الاولى المهمة له. ضمن هذا السياق تصاعدت قيمة التبادل النفطي مع الصين إلى ما يقارب 20 بليون دولار في عام 2018 ويقدر إنها بلغت 30 بليون دولار في عام 2019. ما يعني أن العراق احتل المرتبة الرابعة أو الثالثة عالمياً في تجهيز النفط إلى الصين. علما بإن العراق الذي يقع في موقع جيوبولتيكي حيوي في منطقة الشرق الأوسط ذاته يعد خامس إحتياطي عالمي للنفط أمر ليس غائباً عن الرؤية الجيوسياسية- الاقتصادية للصين. إن أهمية الموقع الجيوبولتيكي للعراق في منطقة الشرق الاوسط تجعله معبراً حيوياً بين الشرق والغرب ما يعني أن امتداد النفوذ الصيني إليه أضحى مسألة لابد منها في ظل رؤية الصين لمبادرة الحزام والطريق الواحد. ما سيمهد ويسهل انتشار النفوذ الصيني ما وراء منطقة الشرق الاوسط إلى شمال افريقيا ومن ثم القارة الاوروبية. 

علماً بإن القيمة الكلية المقدرة للاموال التي ضخت من قبل الصين في السنوات الاخيرة لعدد من دول الشرق الاوسط بلغت مايقارب ال28 بليون دولار بإعتبارها استثمارات ضمن المبادرة الجيوستراتيجية للحزام والطريق الواحد (BRI). أحد الأمور التي اثلجت قلوب الصينيين من تنامي العلاقات العراقية – الصينية ليس فقط ما تمت الإشارة إليه من أبعاد اقتصادية وماسبق من حيازة عقد نفطي "الاحدب" في جنوب العراق مع عقود اخرى في جولة الترخيصات النفطية عقب 2003 بل في بعد أخر مهم تمثل في عدم تقديم وزارة الخارجية العراقية أي اعتراض لما جري ويجري من إنتهاكات موثقة لحقوق الانسان لأقلية اليغور Uyghur المسلمة تم توضيحها في مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان . 

إذ على العكس من ذلك انهال عقب ذلك القرار المديح العراقي على الصين كجزء من مواقف 50 دولة اخرى امتدحت كيفية تعامل الصين مع هذه الاقلية المسلمة التي تقع في اقليم زنجيانج Xinjiang . ضمن هذا السياق ايضا قد لايبدو مستغربا أن العراق الذي لم يعش (إلا في حالات استثنائية منذ فترة طويلة) أجواء ديمقراطية حقيقية تترافق مع حالة تحترم بها سيادة العراق الوطنية وأمنه منذ 2003 أن تنحو قيادته بخاصة في عهد الحكومة المستقيلة الراهنة تعرف بإنها (حكومة تصريف الاعمال) إلى إستخدام العنف المفرط في التعامل مع الانتفاضة الشبابية – الشعبية التشرينية مسألة تسيترعي الانتباه فعلا. أعداد كبيرة جداً من القتلى والجرحى العراقيين قسم منهم أضحى معوقاً طوال عمره مآساة إنسانية بكل المقاييس. ضمن أجواء التظاهر السلمي نجد أعمالا للعنف من "أطراف ثالثة" لم تحدد ولم تحاسب على ما قامت به من عنف دموي جابه ويجابه شباب في مقتبل اعمارهم جيل جديد يتطلع للحرية وللاستقلال الحقيقي ولحقوق جوهرية يسعى لنيلها وحرم منها. المعنى أن العراق من جيل الشباب وكل شرائح المجتمع كباراً وصغاراً رجالاً ونساءً واطفالاً يمثلون جيلنا المقبل بحاجة لاستعادة وبناء وطن عراقي جديد. مايعني أن علاقات العراق مع الصين مثلها مع علاقات دول العالم كله يجب أن تبنى على أسس ومعايير تحترم من خلالها حقوق الإنسان وحرياته الاساسية. من هذه الحقوق الحقوق الاقتصادية – الاجتماعية التي ترتبط بمستقبل الطاقة مع الصين ثاني اقتصاد عالمي عدد سكانها 1.4 بليون نسمة تتمتع بانتشار اقتصادي – سلمي في مناطق العالم المختلفة شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً ولا يمكن للعراق أن يكون بعيداً عنها لأسباب ومبررات مشروعة تجعله قطباً اقتصادياً اقليمياً مهماً يعيد له هيبته الاقتصادية التي تستطيع نقله من الاقتصاد التقليدي "الاحفوري" إلى اقتصاد انواع الطاقة المتجددة وغيرها من أنواع الطاقة الخضراء بعيداً عن الاستمرار دولة ريعية –نفطية تداعياتها سلبية كلياً أو تكاد على البيئة الخضراء. أخيراً من الحيوي للعراق أن يحصل على نظام سياسي بعيداً عن الفساد والمحاصصة المقيتة لأحزاب اقتسمت ثروات العراق وبددتها ما جعل العراق في وضع حرج صعب خاصة مع إنخفاض اسعار النفط . مضافا لكل ذلك صراعات العالم على الثروات ومنها على العراق الذي يمتلك مصادر مادية وبشرية متخصصة مهمة لايمكن لدول العالم ولدول الجوار تحديدا الاستغناء عنها. إن توفر إدارة جديدة عراقية في 2020 ستعني تغيير العاب اللعبة بإتجاه إلاعلاء من قيمة الوطن بعيدا عن ساحة الصراعات الاقليمية (الايرانية- السعودية) أو الامريكية – الايرانية أو العالمية (الاميركية – الصينية وغيرها). من هنا، أهمية التطلع لما هو أبعد من البعد الجيوبولوتيكي – الاقتصادي لإبعاد إنسانية تحترم كرامة الانسان اولا في إطار الاهتمام الحثيث بدولة المواطنة الحقة = الدولة المدنية التي تلبي وفقاً للفرص المتكافئة حقوق الانسان وحرياته الاساسية ضمن مايعرف بالتنمية البشرية المستدامة. مطالب حققت الصين أجزاء مهمة منها وتتطلع دول العالم جميعا لتحقيقها ولعل الشرط المسبق لتحققها : تأسيس حكم رشيد من خلال وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. 

دولة بمؤسسات حقيقية تخضع للمكاشفة والشفافية وللمحاسبة وفقا للقانون في إطار دستوري ديمقراطي نجحت دول أخرى لاتملك مصادر مادية كبيرة بتحقيقها ولكنها حازت على حكم رشيد مسؤول وضع خططاً للتقدم المستقبلي في عصر الحساب الرقمي الجديد والطاقة المتجددة نجحت الصين في تحقق أجزاء مهمة منها تماماً كما نجحت دول أخرى مثل الدول الاسكندنافية الصغيرة الحجم أودول أخرى في جنوب شرقي آسيا كبيرة الحجم نسبياً مثل ماليزيا واندونيسيا أوسنغافورا صغيرة الحجم بتحققه على أعلى مستويات القياس والمؤشرات العالمية ..بقي أن أنهي المقالة بضرورة تحسب النظام السياسي العراقي المتوقع التوصل إليه عدم التعجل في عقد اتفاقات مع الصين أو غيرها لاتضمن حقوقه المستقبلية أو تجعله مثلاً مدينا للصين كما حصل في حالة دول اخرى تتسم أوضاعها الاقتصادية بضعف شديد الاقتصادية. . ما يعني أهمية التخطيط العلمي الرصين في معالجة موضوعية لكل التحديات والتحسب لإزمات مفاجئة بموازاة الاستفادة من الفرص والخيارات المتاحة في عالم مترامي يغطي دولاً عدة كل لديها خيارات ترتبط بما يمكن أن تقدمه من إنجازات للحضارة الانسانية ومنها العراق تحديداً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top