قناطر: يحرقون الخيام.. هم يحرقون الروح

الأعمدة 2020/01/25 08:21:45 م

قناطر: يحرقون الخيام..  هم يحرقون الروح

 طالب عبد العزيز

بما أن قوات الصدمة في البصرة أقدمت فجر أمس، على حرق مخيمات المعتصمين في ساحة البحرية، وبما أن البلاد سائرة برمتها الى جملة المجاهيل، فالتظاهرة المليونية انتهت على أفضل ما يرام،

لا طعنات بالسكاكين ولا قنابل مسيلة للدموع، ولا رصاص الطرف الثالث، وعبّر الجميع عن وجهة نظرهم بحرية كاملة، وبما أن الحياة العراقية لا تشبه أي حياة أخرى في العالم، فالشعب المظلوم يتظاهر ضد ظالميه، ليقتل برصاص مجهول لكنه معلوم أيضاً، فيما تتظاهر الأحزاب الحاكمة ضد الذي جاء بها الى السلطة، فتحرس نفسها بنفسها، وتخرج العشائر عن بكرة شيوخها محيّيةً، لا يعنيها من أمر القتل والفساد والخراب وسوء الخدمات شيء، وبما أن الله والأولياء والمراقد والمرجعية مجتمعين، غير قادرين على تغيير أحوالنا، لذا سأذهب في الحديث مذهب من لا يملك حولا ولا قوة، وأتحدث في ما تهجره أقلام الكتاب، وتعافه ذائقة القارئين، وأقول:

السماء اليوم، بقطع داكنة وبيضاء من الغيم، والشمس خلف أجمة النخل ناحلة، تطل لحظة وتختفي اخرى، قلتُ :هذا وقت يصلح لتأمل الأشياء، فرصة لتهيئة أرض جديدة، بغية غرسها بغلة الموسم، حيث لم يبق من الشتاء إلا الشهر أو الشهرين، وما خاب من كانت ضالته في الأرض. كنت تركتها العام قبل الماضي، بسبب مد الملح، الذي استوطن الأنهار أكثر من ثلاثة أشهر، أما اليوم فهي جاهزة لتزرع، بعد أن حسّن المطر ومدُّ ماء العام الماضي تربتها. كل الذين حوالي باعوا بساتينهم، قطّعوها فصارت مساكن لغيرهم، وطرقات بعد أن كانت غابةً، بعد أن كانت أشجارها مآوي للطيور والثعالب والقنافذ، وبعد أن كانت أنهارها مطامح للاسماك والضفادع والخنازير الوحشية.

تركت هاتفي في البيت، لم أشأ حمله معي، المكان لا يحتمل الالكترون، ثم أنني كرهت متابعة أخبار الفيسبوك، وتعقب صفحات الاصدقاء، فالأخبار لا تسر، والناس على الصفحات الافتراضية يعيقون بناء الذائقة، ثمة ما يستحق التأمل هنا، الحيطان والطابوق والاسمنت والأسلاك أشياء تشوه أنساق الطبيعة، تخرب الفطرة، لذا، وجدت في الابتعاد عن مثل هذه الاشياء تخفيف عن النفس، ومصاحبة النخل والظلال والسواقي خير من ذلك كله. هناك فاختة تحط على عرجون قديم، تبحث في قلبة النخلة عن تمر، تساقط العام الماضي، لكنه مايزال طعاماً، تذكرت الغربان السود الصغيرة، التي كانت تأتي أسراباً، أسراباً تلتقط ما أهمله الفلاحون في عاليات النخل، تذكرت ما كتبه أبا عثمان الجاحظ وأبا حاتم السجستاني والشيخ عبد القادر باش أعيان في كتبهما عنها، عن التمر العالق بين السعف لا يفسده المطر، وما يستبقيه الزمن من طعام لها.

آلمني مشهد النهر، فقد خيط بالقصب من ضفتيه، دائرة الري تراجعت تكريه مرة كل سنتين، أما ما يلقيه الناس فيه من قناني الماء الفارغة وأكياس النايلون، ما تتخلص منه الأسر، التي حلت بيننا، بعد بيع وتقطيع الأرض، من الذين لم يجاوروا نهراً في حياتهم، فهذا ما لا تقدر على انتشاله دوائر الري في العراق مجتمعة، لقد مضى الى غير رجعة، زمن القوارب والابلام والمهيلات التي كانت تمخر أنهار البصرة وأبي الخصيب، محملة بالتمر والفاكهة والبطيخ، ها قد عدت الى حزني القديم، حيث ابتدأت.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top