بيت (المدى).. يستذكر شاعر الاحتجاج وفقيه الشعراء محمد سعيد الحبوبي

بيت (المدى).. يستذكر شاعر الاحتجاج وفقيه الشعراء محمد سعيد الحبوبي

 بغداد/ محمد جاسم

 عدسة/ محمود رؤوف

كما عودنا بيت المدى في شارع المتنبي، الاحتفاء برموز الثقافة والسياسة والفن خصص جلسته يوم امس الاول لزعيم المجاهدين والمحتجين الشاعر والسياسي الوطني والفقيه "محمد سعيد الحبوبي" الذي تشهد ساحته في الناصرية اليوم اسمى معاني البطولة والاحتجاج والتظاهرضد حكم القتلة والفساد وسرقة المال الحرام. كما اصدرت جريدة المدى ملحقا خاصا من "عراقيون" بعنوان شاعرالفقهاء وفقيه الشعراء.

شاعر ومجاهد من قادة التنوير

عُقدت الجلسة بحضور كثيف غصت بهم مقاعد بيت المدى من المثقفين والادباء والاكاديميين. قدم لها الباحث "رفعة عبدالرزاق" فقال:- نحتفل اليوم بشخصية وطنية كبيرة، جمعت بين العمل الوطني والجهادي والادبي. وما يحدث اليوم في ساحة الحبوبي الشهيرة ورمزها تمثال الحبوبي في الناصرية، دخل التاريخ من اوسع ابوابه. لذلك جاء اختيارنا لهذه الشخصية لاحتفال اليوم، لما يمثله الحبوبي من قوة ومكانة في نفوس الوطنيين ليس في الناصرية حسب بل في العراق كله، لانه رمز البطولة والاحتجاج والثورة على الظلم. ونتوقع في قابل الايام انتصارا كبيرا للمتظاهرين ضد الظلم والفساد. والحبوبي شاعر كبير وقائد من حركة التنوير واليقظة الفكرية في العراق، ومجاهد قاد حركة الجهاد ضد الاحتلال البريطاني. وحتى وفاته جاءت كمدا بسبب انكسارحركة المجاهدين في الشعيبة ونقل الى النجف مثواه الأخير في تشييع جماهيري كبير. ودفن في الصحن الشريف القريب من باب القبلة.

ترك الشعر وتفرغ للجهاد

واضاف: وانقطع الحبوبي في سنواته الاخيرة عن الشعر. وكان تلميذا للمرجع الديني محمد كاظم الخراساني الذي كان قريبا ممن يحكم العراق ويضع شروطا على من يتولى الحكم فيه لمكانته الوطنية والدينية. وذات مرة اثير موضوع فقهي في حلقته قال فيه الحبوبي رأيا مخالفا لاستاذه الخراساني الذي قال (انت شاعر مالك ومال الفقه) ومن يومها انقطع عن الشعر الى حد وفاته. وكان قبلها اشتهر بشعر الخمريات والغزل وقال عنه محمد مهدي البصير ان هذا الشعر الغزلي لا يقوله الا من اكتوى بالحب وعاش فصوله.

من مؤسسي الحداثة الشعرية

الدكتور نجاح كبة قال: كان الحبوبي من مؤسسي الحداثة الشعرية. وهو من احيا المدرسة الاحيائية في العراق، التي تعنى بمواءمة الشعر العمودي للحداثة الشعرية المعاصرة. كانوا يقولون ان الحضارة الشعرية الحديثة مثلها المصريون، في حين كانت في العراق ممثلة بالرصافي والحبوبي وغيرهما ممن ادخل العصرنة في الشعر الحديث. وهو(حسني) من مواليد النجف 1849 وتربى فيها ويعود الفضل في نبوغه الادبي لوالده. وكان شعره ومواقفه الوطنية بوصلة للمجاهدين اشعلت ثورة 1918 في النجف ثم ثورة العشرين الشهيرة. وشعره يختلف عن غيره، فقد طرق المخمسات (بيتين ونصف بيت) وهذا الشعر يعد تجديدا للشعر الجاهلي. كما طرق الموشحات بصورة اكثر تهذيبا وترتيبا. وتختلف عن الموشحات الاندلسية، ويقول النقاد ان موشحات الحبوبي لا تجري مع ما جرى عليه الوشاحون الاندلسيون.

شاعر متفرد ومجدد

وقال الناقد "علي حسن الفواز" رمزية الحبوبي ورمزية المكان والمنجز كلها تدخل في استعادة الحبوبي كظاهرة ثقافية واجتماعية ونضالية وطنية. وما كان له ان يكون لولا بيئة النجف الثقافية، التي كانت تمور بكل علامات الحضارة والفقه والادب والشعر. والجرأة التي تحلى بها اتت من البيئة الحاضنة المرتبطة بالجرأة العربية عموما، كما في مصر التي كانت متلازمة مع النجف بحكم التأثير المتبادل. وكان النقاد يعطون لدور الحبوبي الشاعر قيمة اكبر من نشاطاته الاخرى باعتباره مجددا في الشعر. وانا ميال لاستعادته شاعرا متفردا. وبالرغم من تركه للشعر فقد ظل على رأس الحركة التجديدية العراقية والعربية. وقد تجاوز الكلاسيكية في هذا المجال بقصيدته المفعمة بالرقة والغنائية والوجع الانساني والشجن والتجديد.

مؤتمر لدراسة شعره

واضاف الفواز: كان منفتحا على العوالم الجوانية للبيئة النجفية المحافظة رغم صعوبة وخطورة ذلك. وحتى في خمرياته كان دقيق الوصف رغم انه بعيد عن الخمرة كما بقية الشعراء، الذين تناولوها كالشريف الرضي. وعاش قريبا من الشاعر جمال الدين الافغاني اكبر المجددين في الشعر العربي، ودرس معه في الحوزة النجفية لاربع سنوات كانت كافية لتعطيه الشيء الكثير من افكار وعلم وادب الافغاني. كل ذلك التأثير جمعه الحبوبي في شعره، ويجب ان نستعيد الحبوبي شعريا حتى نفهم مواقفه الفقهية والسياسية والوطنية والاجتماعية واطالب بعقد مؤتمرحول ذلك.

غزلياته إنسانية ولا ضير فيها

وقال الكاتب "شكيب كاظم" لقد خسرنا النبض الشعري الذي جادت به قريحة الحبوبي، خسرنا هذا النبض الذي كان بستان شتى فنون الشعر. لاسيما في الغزل والخمريات. واذ يرى " زكي مبارك" ان الحبوبي غادر الشعر لانه لم يستطع ان يكون ضمن شعراء الطبقة الاولى بسبب دروسه الفقهية، وبالتالي اثرت على شعره وتألقه، ومن ثم الانغمار في دروس علوم الدين. وقرأت ان قضية فقهية عويصة نوقشت مع المرجع الخراساني وكان رأيه راجحا. لكن الخراساني قال له مقولته الشهيرة: انت شاعرمالك ومال الفقه؟ اي انك تحسن الغزل والخمريات فما شأنك بالفقه، او لست القائل: ياغزال الكرخ واوجدي علمك/ كاد سري فيك ان ينتهكا؟. وكان هذا التعريض اللماح الذي ساقه مبارك وغيره نهاية الطريق بين الحبوبي والشعر. وهو رأي لا اميل اليه. وكان الباحثون لايرون تآلفا بين اشعاره الخمرية والغزلية وبين شخصيته الفقهية والدينية، وتناسوا انه انسان ومهما بلغ من العلا لابد ان يساوره الضعف الانساني او سمها حوائج الانسان ونزعاته. والحبوبي ان احب او عشق فماهو بتمثال او حجر. وضحى بعضهم بعروش من اجل امرأة كما الملك ادوارد الثامن في بريطانيا. لذا ارى ان شعر الحبوبي جاء نتيجة خلجاته ونزعاته، رغم انه قدم اعتذارات عن ذلك الشعر. كقوله:- (لاتخل ويك من يسمع يخل/انني بالراح مشغوف الفؤاد). وزيادة في الاعتذار يصف شعره بـ(فسق الالسن) وانه نهج في شعره نهج الظرفاء الفكهين كقوله.. غير اني رمت نهج الظرفا/ عفة النفس وفسق الألسن.

كان واعيا لما يريد

وقال الدكتور "علي حداد" الدارسون وقعوا في اشكالية بشأن الحبوبي من شعره ومواقفه الفقهية والوطنية. لكنه مر بمرحلتين اعطته هذه الشخصية الاشكالية، الاولى مرحلة الشباب الى عمر الاربعين كتب فيها شعر الغزل والخمريات. والثانية تفرغه وتحوله للفقه والفكر والتنوير والجهاد. وكان واعيا لما يريد في المرحلتين. كان من عائلة ميسورة فلم يلجأ للمديح واغراض الشعرالاخرى، بل تحدث عن الذات والغزل والخمريات. حتى قضية الخمرة لم يكتب عنها بذاتها، بل كان يريد تجديدا عنها في الشعر، واضاف اليها نظام الموشح وكتبها على بحر الرمل الذي تأثر به الرومانسيون العرب. وحين تحول للفقه واقترابه من الافغاني ابتعد عن الشعر واصبح يراه غير مناسب للمرحلة اي وعى ان المرحلة ماعادت تتطلب شعرا بقدر ما تتطلب فكرا وجهادا وفقها. وتحدث اخيرا د.زهير البياتي عن تظاهرات الناصرية وغيرها فقال:- (يروح واحد.. تروح مية.. ابقى قافل على القضية) من هذه العبارة انطلقت تظاهرات ساحة الحبوبي، ولم تأت اعتباطا بل اعتمدت على ارث ثقافي ووطني بدءا من الحبوبي وثورة العشرين ونشوء الفكر الماركسي بفضل فهد وغيره. وتظاهرات ساحة الحبوبي لم تكن الوحيدة في العراق بل اخذت زخما من ساحة التحرير والبصرة وواسط وغيرها.ارتبطت فيها افكار الحبوبي والفنانين والمثقفين من اجل الصمود والثورة بوجه الظلم والفساد. وستبقى ساحة الحبوبي وغيرها رمزا للنضال الذي بدأه الحبوبي.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top