التلغراف: تراجع الأمن وتسلط الميليشيات يهدد بإفراغ البلد من المسيحيين

التلغراف: تراجع الأمن وتسلط الميليشيات يهدد بإفراغ البلد من المسيحيين

 ترجمة / حامد احمد

مع وجود حراسة امنية على البوابة وكاميرات مراقبة بداخلها فان كنيسة سانت جوزيف للكلدان الكاثوليك في بغداد تفعل ما بوسعها لحماية المصلين من المخاطر التي قد يتعرضون لها في عراق اليوم .

صفوف مقصورات مقاعد الكنيسة الخالية تكشف ان معظم المصلين الذين كانوا سابقا يملأون المقاعد قد فضلوا مغادرة البلاد بحثا عن الامان. من مجموع 5000 آلاف عائلة كانت ترتاد الكنيسة سابقا بقي منهم الآن 150 فقط بعد حدوث هجرات جماعية خلال العقد الماضي لكل من اوروبا وأميركا.

القس نذير داقو، كاهن كنيسة سانت جوزيف في بغداد، قال بعد انتهاء قداس صباح يوم الاحد الذي جذب 25 مصليا فقط بعد ان كان يستقطب اكثر من 1000 سابقا: "انهم يشعرون بانه ليس هناك سلام او سلطة قانون او عدالة، وان بلدنا قد تحول الى ساحة مجاميع مسلحة ."

القس داقو كان قد رجع توا الى بغداد بعد تنسيبه لمدة ست سنوات في كنيسة أيلنغ للرومان الكاثوليك في غرب لندن حيث كثير من المسيحيين العراقيين يعيشون الآن في المنفى هناك. اتباعه هناك يفوقون الـ350 عائلة أكثر من عدد العوائل الباقية في بغداد بمرتين.

قلة رواد كنيسة سانت جوزيف، وهي واحدة من عدد قليل جدا من كنائس مفتوحة الآن في العاصمة، هو أحدث مؤشر على الهجرة الجماعية لمسيحيي العراق من البلد. مع غياب سلطة القانون والطائفية التي سادت البلاد بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003، فأن ما يقارب من اربعة اخماس تعداد المسيحيين البالغ 1.5 مليون نسمة قد غادر البلاد، وحذر قساوسة خلال السنوات الاخيرة من احتمالية مجيء يوم لا يبقى فيه مسيحي في البلد.

كان المسيحيون يأملون انه بعد القضاء على داعش في الموصل والتحسن الامني التدريجي في بغداد قد يحد من موجة الهجرة، ولكن مجرد الأمل بمستقبل خال من سيارات مفخخة وعصابات اختطاف لم يعد كافيا لجعل الناس تفضل البقاء .

نصيب حنا جبريل 42 عاما، احد ابناء ابرشية كنيسة سانت جوزيف، قال للتلغراف "صحيح انه لم يعد هناك اختطاف للناس بالحجم الذي كان في السابق، ولم يعد وجود لداعش. ولكن البنى التحتية للبلاد مدمرة والناس يريدون مستقبلا افضل، وان لم يكن لانفسهم فهو لاطفالهم ."

موجات الهجرة اقل وضوحا وتفشيا في شمالي العراق، حيث رجع قسم منهم الآن الى تجمعات المسيحيين التاريخية مثل بلدة قرة قوش التي احتلها داعش عام 2014. ولكن بينما هناك اصرار على البقاء في تلك المناطق، فان الامر مختلف في بغداد حيث يشكل المسيحيون قلة ضئيلة فيها الآن .

وبغض النظر عن مشاكل الجرائم الجنائية الكبيرة في العاصمة، فان بغداد ذات التنوع الديني ماتزال تمثل مركزا رئيسا لأي عنف طائفي متجدد، والتي شهدت قبل عشر سنوات مضت عدة هجمات على كنائس. وعلى خلاف طبيعة المجتمع الاسلامي للعراق فان مسيحيي البلاد يفتقرون الى شبكة روابط عشائرية تقليدية فيما بينهم، التي تقوم مقام المناصر للدفاع عن النفس . ويضيف جبريل قائلا "ليست لنا عشيرة هنا، ولهذا اذا ساءت الامور ليس لنا احد نلجأ اليه للحماية. وهناك مشكلة اخرى بهذا الجانب هي ان اغلب اقارب المسيحيين الموجودين في العراق هم مقيمون في الخارج ."

ويقول القس داقو انه عندما يسمع الموجودون هنا روايات عن مدى أفضلية العيش في بريطانيا او السويد او الولايات المتحدة فانه من الصعب ان لا يتلهفوا او يفكروا بالهجرة. الامر لا يتعلق فقط الخوف من الاضطهاد او المضايقات بل من امور معيشية دنيوية مثل غياب وجود مدارس محترمة مرموقة كأبسط شرط .

ويضيف قائلا "عندما عدت الى هنا بعد غياب ست سنوات في لندن، شاهدت مدى التدهور الذي وصل اليه مستوى التعليم في جميع مدارس الابتدائية تقريبا في بغداد. الجيل الجديد لم يعد له امل بمزاولة حياة مرفهة هنا ."

الخشية هي ان المسيحيين قد ينتهي بهم الحال كحال الطائفة اليهودية التي اختفت من الوجود في البلد ومناطق بغداد. الدعوات من القساوسة لأتباعهم المسيحيين بالتشبث بأرضهم والحفاظ على ارثهم في البلد قد جوبه باتهامات وانتقادات بالنفاق .

هناء صاموئيل 45 عاما، التي اختطف ابن اخيها وقتل من قبل مليشيات، والتي تأمل بالهجرة الى الولايات المتحدة تقول "اغلب القساوسة يرسلون عوائلهم للخارج. لماذا اذا يطالبوننا بالبقاء؟".

مهران اوديشان، مهندس من ابناء الابريشة الذي قرر البقاء رغم هجرة اقاربه الى كندا والولايات المتحدة، قال بعد انتهاء مراسيم القداس في كنيسة سانت جوزيف ببغداد "أنا احب بلدي واذا غادرت وغيري يغادر فان ديننا سيختفي من البلد ."

وقال انه يأمل ان يكبر اولاده ويكونوا جزءا من جيل جديد من مسيحيي بغداد .ولكن القس داقو كان متشائما نوعا ما حيث قال "يا ترى هل سيبقى هناك مسيحيون في بغداد بحلول العام 2050؟ انه امر يصعب التنبؤ به."

عن: صحيفة التلغراف

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top