مقتدى الصدر بين أمان الإصلاح ومخاوف التغيير: هل يختار الثورة أم الثورة المضادة؟!

آراء وأفكار 2020/02/04 08:22:28 م

مقتدى الصدر بين  أمان  الإصلاح ومخاوف التغيير: هل يختار الثورة أم الثورة المضادة؟!

 فارس كمال نظمي

أن يوصف السلوك السياسي للسيد مقتدى الصدر بالمتقلب أو المتناقض أو المحيّر أو الغريب، فهذا أمر بات معتاداً لدى جزء مهم من الرأي العام العراقي.

وهو يستتبع سؤالاً جوهرياً: ماذا يريد الصدر؟ وما سر تقلباته بين المشاركة في ثورة تشرين ودعمها وحمايتها لأسابيع طويلة، وبين التشكيك بها لاحقاً ووصفها بالانحراف عن مسارها؟ أهو عدم استقرار نفسي؟ أم تذبذب فكري؟ أم حنكة سياسية؟ أم مسايرة لإملاءات خارجية تفوق تحمله؟ أم رغبة بإخضاع الحراك الاحتجاجي لشروطه؟ أم عرفان ديني غير متاح لعامة الناس؟

والحق أن الإجابة الشافية عن كل هذه التساؤلات تستدعي مقاربات متعددة الاختصاصات، تبدأ بسوسيولوجيا السياسة واستقطاباتها المتغيرة، للبحث في ديناميات السلطة، والتنافس على حيازة الفراغ السياسي المتزايد، والفجوة الثقافية المتعاظمة بين ولائية التيار الصدري ومدنية الحركة الاحتجاجية الحالية، ودور المباني العقائدية والإلهامات العرفانية، والتأثيرات الإقليمية الصراعية داخل العراق، وصولاً إلى العوامل السيكولوجية الشخصية، بما يتيح إمكانية شاملة لتأويل مواقف السيد الصدر عبر تفكيك سلوكه السياسي وإعادته المجهرية إلى مسبباته وعناصره، أي فهمه وتفسيره بهدف إبطال غرائبيته.

إلا أن محدودية السطور الحالية يجعلها تسعى للتركيز على ثيمة سيكوسياسية واحدة دون إنكار أو تجاهل بقية التفسيرات الموازية والمكملة لبعضها. هذه الثيمة لا تقتنع بـ"جوهرانية" أو "تأصيلية" التقلّب المزاجي في سلوك السيد مقتدى، بل تهتم بالسياق السياسي الوعر الذي وجد نفسه فيه، ما يجعل هذه التقلبات أمراً مفهوماً بوصفها ردود أفعال حادة لمواقف مستجدة صادمة وغير مسبوقة بالنسبة له.

أود التركيز على ما يمكن تسميته بثنائية "الإصلاح- التغيير" التي باتت تفسر معظم قرارات الصدر ومواقفه الأخيرة. والتحليل هنا سينصب على أدائه الشخصي حصراً بوصفه فاعلاً سياسياً، ولا يطال بنية التيار الصدري المتعددة الأبعاد، بما فيها قاعدته الاجتماعية الموزعة بين تراتبيات طبقية وثقافية متعددة لا تتماهى كلياً بالضرورة مع قائدها في جميع الأحوال والمواقف على الرغم من ولائها الكاسح له. 

فطوال السنوات العشرة الماضية خاض الصدر مواقف احتجاجية كثيرة وشديدة جعلت منه أحد أهم صانعي قيم الاحتجاج وتكنيكاته في الحياة السياسية العراقية. كما قدم مبادرات تفصيلية كثيرة تدعو للمواطنة والعدل الاجتماعي ومكافحة الفساد والتسامح الديني ونبذ الطائفية وتوكيد الهوية الوطنية وتقوية الدولة وحل الميليشيات، فضلاً عن تقاربات وصداقات وتحالفات معروفة مع مدنيين وشيوعيين وليبراليين. إلا أنه في كل الحالات ظل "إصلاحياً" حيال النظام السياسي (أي مع إبقاء بنية النظام وتغيير في وظيفته فقط)، ولم يتجه إلى تفعيل "التغيير" (أي تبديل البنية والوظيفة معاً) بالرغم من توافر فرص شبه مؤكدة لذلك من بينها اقتحام أنصاره للمنطقة الخضراء ومبنى البرلمان في نيسان 2016. وقد وصف هذه الواقعة بنفسه فيما بعد بأن عدّها "جرة إذن" لا غير.

ودون الخوض في معاني الإصلاح السياسي وواقعيته أو وهميته، فإن السيد الصدر يرى في نفسه "مصلحاً" و"راعياً للإصلاح" و"محباً للاعتدال"، منذ أن بدأ تحولاته ما بعد 2008 في مغادرة "الشرعية" الميليشياوية والاتجاه نحو شرعية الدولة، ولكن دون أن يصل به الأمر إلى مواقف جذرية من النظام السياسي الحالي، على الرغم من استخدامه لمصطلح "شلع قلع" الشهير، الذي لم يكن إلا عبارة شعبوية مجازية غايتها التحشيد وبث الحماسة لا غير. ولذلك ظل حريصاً على تنويع تحالفاته، وممارسة المناورات السياسية بكل الاتجاهات، بما يحفظ له صورته "الإصلاحية" أمام نفسه وأتباعه، محققاً بذلك ثلاث غايات متداخلة وظفها في مراكمة رأسماله ونفوذه السياسيين، هي: تلبية متطلبات العقيدة الدينية، والاهتمام بالشواغل الاجتماعية والوطنية لتياره، والارتباط العضوي النفعي بالنظام السياسي مع نقده والاحتجاج عليه في آنٍ معاً.

لقد عاش السيد الصدر حياته السياسية كلها ضمن الحقبة الحالية التي أعقبت التغيير في 2003. وهذا يجعله متعلقاً من الناحية الذهنية بالنظام الحالي الذي قد لا يرى فيه "خيراً" كثيراً، لكنه قد يرى "شراً" كثيراً في نظام سياسي قادم غير معروف الهوية والتوجهات بالنسبة له. ومن هنا بدأت معضلته الحالية، عندما أنتج الحراك الثوري التشريني أوضاعاً مفاجئة وممهدة للتغيير الشامل (البنية والوظيفة معاً).

فقد انتقل السيد الصدر من كونه المتحكم السياسي الفاعل بالمنطقة الإصلاحية "الآمنة" طوال عشر سنوات مضت، إلى العيش الأفقي مع آخرين من غير أتباعه ضمن المنطقة الثورية "المقلقة" طوال الشهور الأربعة الماضية، دون أن يكون راغباً حقاً بشلع النظام الحالي وقلعه. هذا المعايشة المتوترة لواقعين نفسيين متجاورين ومتعاقبين معاً، أحلاهما مر، جعلته يتقلب بين إعجابه بالثورة ومجاراة الثوار تارة أملاً في احتواء الموقف لصالح تغييرات متدرجة في وظيفة السلطة لا في بنيتها، وبين قلقه منهم وانتقادهم من حين إلى آخر وصولاً إلى تهديدهم واستهدافهم – كما حدث مؤخراً- سعياً لإيقاف عاصفة التغيير الراديكالي واستبدالها قسراً بتيارات هوائية "وسطية" يعتقد أنها تكفي لتشغيل طواحين "الإصلاح" المتهالكة، بعد أن تعاظم المد الاحتجاجي الشعبي الرافض جذرياً لإعادة تدوير رئيس الوزراء.

الصدر له مخاوف جمة بشأن "تغيير" النظام السياسي الحالي. فبعض هذه المخاوف أساسه عقائدي إذ إنه مايزال مقتنعاً أن وجود نظام سياسي يُصلِح نفسه تدريجياً ويحافظ على نفوذ البيوتات الشيعية والثيولوجيا الدينية في الفضاء السياسي العام، هو أفضل من الذهاب إلى "المجهول" في تقويض بنية النظام الحالي واستبداله بنسق آخر – علماني ربما- قد ينهي "إلى الأبد" نفوذ رجال الدين ويعيدهم إلى فضاء المعابد فقط. ويتمحور البعض الآخر من مخاوفه حول بنية ثقافية فوقية إذ إنه ما يزال يعتقد أن الناس بحاجة إلى سلطة "أبوية" من نمط ما لتُصلِحَ لهم حياتهم، ولم يقتنع بعد أنهم بدأوا بالتغيير بعقولهم وأيديهم دون قدسيات مسبقة. 

أما مخاوفه الأكثر أهمية وتأثيراً في اللحظة الراهنة، فهي اقتناعه القهري بنظرية المؤامرة الخارجية التي "تدعم" الثوار، وباحتمالات الحرب الأهلية "الوشيكة"، وبـ"المعاصي" و"الانحرافات" التي طالت مسار الثورة بسبب "المندسين". هذه المخاوف نتجت بشكل أساسي جراء مغادرته للمناخ الاجتماعي المنفتح والتنويري مع النخب السياسية والثقافية والإعلامية والمدنية التي كانت تتفاعل معه بشكل شبه يومي في النجف طوال السنوات التي أعقبت اندلاع الحركة الاحتجاجية في 2015، واستبدال ذلك الانفتاح بعزلته اليوم في قُم الإيرانية محاطاً بسيناريوهات إيهامية تُملى على مسمعه كل يوم دون أن يكون قريباً من حقيقة الحدث في العراق. ويضاف إلى ذلك حادثة اغتيال سليماني والمهندس، بما تركته من جرح نرجسي في الذات الشيعية الدينية، إذ مثّلت صدمة تحذيرية من احتمال زوال الهيمنة الشيعية السياسية على الحكم إذا ما استمر الحراك الاحتجاجي براديكاليته الباحثة عن التغيير لا عن الإصلاح التدريجي، حتى وإنْ كان حراكاً يقوده فقراء الشيعة بشكل أساسي. 

هذه الانعطافة النكوصية في مواقف السيد الصدر، والتي خيبت آمال الكثيرين من محبيه ومؤيديه (من خارج التيار الصدري وحتى بعض أتباعه) ممن كانوا يرون فيه زعيماً عراقياً قادراً على حماية المشروع الوطني المتصاعد لإنقاذ البلاد، إنما تشكل سلوكاً مفهوماً من جانبه لمقاومة التغيير، والاكتفاء بـ"ـإصلاحات" بات معظمها لفظياً لا أكثر. إلا إن هذه الانعطافة– إذا ما استمرت في قادم الأيام- ستعني تآكل رأسماله الرمزي وشعبيته المهمة خارج تياره إلى الحد الأدنى، وهو تآكل بدأ بالفعل وعلى نحو سريع وغير مسبوق. 

أما المحصلة السياسية النهائية لموقفه الحالي- في حال استمراره- فسوف تعني اصطفافه مع قوى الثورة المضادة، وتحول أجزاء مهمة من تياره إلى أداة عنفية للمحافظة على الرثاثة والفساد، لا أداة للتحرر والتغيير كما كان يدعو لها لسنوات مضت. وهذا ما حدث بالفعل خلال الأيام القليلة الماضية، حينما تحول تنظيم "القبعات الزرق" التابع له من رمزيته "البطولية" الحامية للحراك التشريني إلى فصيل تسلطي يعمل على تخوين ساحات الاحتجاج ويمارس "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في سلوك ميليشياوي أعاد تنشيط الذاكرة السياسية السلبية للناس حيال الانتهاكات التي مارسها جيش المهدي في سنوات العنف الطائفي 2006 - 2007.

وبصرف النظر عن طبيعة المواقف المستجدة القادمة للسيد الصدر، وما إذا ستكون استمراراً لخطه الحالي المضاد للزخم التشريني أو تداركاً إيجابياً لإعادة ضبط بوصلته ضمن علاقات القوى الجديدة التي فرضتها رياح الثورة، فإن مواقفه الانعطافية خلال الفترة القصيرة الماضية سوف تترك تأثيرات عميقة لاحقة في علاقة التيار الصدري ببقية الجسد الشيعي والعراقي الذاهب إلى التغيير من جهة، وفي بنية التيار الصدري عامة ولا سيما لدى فئاته المستميتة للتغيير ممن ضحوا بمئات الشهداء وآلاف الجرحى طوال الشهور الماضية من جهة أخرى. 

فالزلزال التشريني الذي طال الثقافة السياسية والبنى القيمية لملايين الشباب في وسط العراق وجنوبه، أعاد بناء الفضاء السياسي للبلاد، بما يتطلب من الحركة الصدرية (أو أي حركة سياسية أخرى) إذا كانت ترغب بالديمومة وتنمية رأسمالها المجتمعي واحترام رصيدها الاحتجاجي المشرف، أن تعيد موضعة نفسها – سياسياً وفكرياً- بشكل تجديدي وواقعي على الخارطة المستحدثة دون أن تحاول مقاربة الحاضر تعسفياً بعقلية الماضي الراحل دون رجعة. 

فالثورة بلا قيادات وبلا ايديولوجيا منهجية صارت أمراً واقعاً يملأ الفضاء العراقي العام اليوم، ولا يمكن إنكاره بصرف النتائج عن مآلات الثورة وسيناريو نهايتها. ودون التعامل الموضوعي المتزن مع هذا الواقع الجديد، فإنها (أي الحركة الصدرية) ستبقى تلهث خلف الحدث، أو تسعى لاختطافه إلى الخلف ليتطابق قسرياً مع ساعتها المتوقفة على توقيت مندثر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top