نادية لطفي... سيرة أيقونة متوهّجة

نادية لطفي... سيرة أيقونة متوهّجة

فخري كريم

برحيل الفنانة المصرية العظيمة نادية لطفي، تُشَيِّع القاهرة وجهاً من أكثر وجوهها تحضُّراً وتدفقاً بالمُثل والقيم الإنسانية السامية، والخصال التي تشكل فرادتها وتُضيء مساحة حياتها. وأجمل ما في هذا الوجه توهُّجُه وامتلاكُه لأكثر من سبب للبريق.

ومنذ أنْ تعرَّفتُ عليها خلال حصار بيروت في عام 1982، لم تخلُ زيارة لمصر من موعدٍ معها أتابع فيه ما تنشغل به بعد أن اختارَتْ الابتعاد عن الأضواء وأرادتْ لجمهورها أن يحتفظ لها بصورتها البهيّة، اختار لها لقب «الحلوة» لتظل فتاة أحلامِ جيلِ البهجة والرومانسية المتفتّحة على المستقبل.

وأجمل ما في حلاوة نادية أنها ظاهرة وباطنة، تنعدم المسافة بين حضورها الفني وحضورها الإنساني الذي ظلَّ «نَدِيّاً»، فيه كثير من معاني الاسم الفنّي الذي اختارتْهُ لنفسها، وهو نادية لطفي، والذي لم يُغيِّبْ اسمَها الحقيقي بولا محمد شفيق الذي كانت تجاهر به في اعتزاز.

امتلكت بولا لطفاً يشي بالمحبة الصادقة العفوية، لمَسَهُ كلُّ مَن تعامل معها، واكتشفَ في سلوكها «جمالاً» يصعب غضُّ النظر عنه وتفاديه.

لكن أكثر ما يمكن افتقادُه برحيلها مواقفُها وتمثُّلُها لنموذج فكرة «الالتزام» الإنساني الأرقى خارج أطر الانتماء الآيديولوجي بما ينطوي عليه من ضيقٍ وانغلاق.

لم يُعرَف عنها مسايرُة الديكتاتورية، لتنحاز إلى فضاء الحرّية بلا قيدٍ أو شرطٍ أو مِنّة على من تُداري وتحبّ. ومِن خيارها هذا حدّدتْ مواقفها التضامنية مع الشعب الفلسطيني، ومع العراق الأسير في ظل نظام البعث، ومع سائر الشعوب والحركات المناهضة للديكتاتورية. منطلقة على الدوام من التزامها الإنساني و«الالتفات إلى ألم الآخرين» الذي صاغتْه كمفهومِ الروائية الأميركية سوزان سونتاغ.

رحلتْ نادية لتتركَ بصمتَها الفريدة في فضاءات الفن والسياسة والعمل النقابي تتشابكُ مع بعضها لتسجِّل التاريخَ المضيء لها في كلِّ ميدانٍ من ميادينها.

وإذا كان المصريّون يذكرون لأمّ كلثوم وقفَتَها خلفَ الجيش المصري عقب هزيمة يونيو (حزيران) 1967، وسعيَها لتنظيم حفلات المجهود الحربي وإعادة تسليح الجيش المصري، فإنّ الشعوب العربية وحركاتها السياسية، تحتفظ لنادية لطفي بصورها الكثيرة في جبهات المواجهة والتحرّر الوطني. كانت «أمّ الجنود» في حربَي الاستنزاف وأكتوبر (تشرين الأول) 1973، إذ كانت تتشارك مع عدد من الفنانين في تنظيم زيارات على الحدود خلال الحرب، لتسجِّل ذلك في الفيلم التسجيلي «جيوش الشمس» مع المخرج العظيم شادي عبد السلام، وظهرت من خلاله بشخصيتها الحقيقية مع الجنود، تخفِّف من آلامهم وتقوم بتوصيل خطاباتهم إلى أُسَرِهم. ولارتباطها القوي بشادي عبد السلام مثّلت بطولة فيلمه الشهير «المومياء» وظلت إلى جواره إلى أنْ فارق الحياة لتقدِّم نموذجاً للإخلاص والصداقة المنزّهة يندر أن يتكرر.

ورغم مواقفها النضالية المشهودة لها في ميادين المواجهة والعطاء الإنساني، يبقى أكثرها تأثيراً ومغزى قيادتُها الوفدَ الذي ضمَّ نخبة من الفنانين المصريين وزار بيروت للتعبير عن التضامن مع منظمة التحرير وياسر عرفات والمقاومة المحاصَرة في بيروت عقب الاجتياح الإسرائيلي.

كان لقائي الأول بها في ساحة توديع المغادرين إلى مواقع الهجرة الجديدة في سوريا وتونس واليمن. ومنذ لحظة ذاك اللقاء، تكرَّسَت صداقة ظلّت تتألّق فيها نادية الإنسانة في مواقف على امتداد أربعة عقود، عكست التزامَها وشجاعتَها وأصالة ما يجمعها بمن تكتشف فيهم مودّة خالصة ًمنزّهة عن الغرض.

أخبرتْني باعتزاز عن زيارة عرفات لها في شقتها، وما شعرت به من ارتباك وهي تُفاجأ بموكبه ومرافقته الرئاسية غير المعهودة لها. وبهذا التقدير والاهتمام استقبلها في بيروت وأشركها في اجتماعٍ للقيادة الفلسطينية وطلب منها أن تأخذ الحديث بما ترى في الأوضاع والمواقف العربية.

قالت بكلّ براءة: «كانت تلك لحظة محرجة لم أعرف كيف أداري فيها موقفي وأخرج من الوضع الذي حَشرتُ فيه نفسي. وكان مصدرُ قلقي أنّ القائد عرفات تعامل معي بوصفي ممثلة مصر الرسمية».

وسألتني في لقاءٍ آخر: «أريد أن أكتب مذكّراتي، فهل أشير فيها إلى أنني نظّمتُ الوفدَ للتضامن مع الشعب الفلسطيني بعد أن تابعتُ الحصار والضَّيم الذي يلحق بأبطال المقاومة، ولم أكن أمثّل لا الحكومة ولا أي حزب؟!».

لم يكن غريباً أن تحظى نادية بمكانة خاصة لدى الفلسطينيين، إذْ كانت قد حضَرَتْ المجلس الوطني الذي انعقد في الجزائر في عام 1986. وكنت مدعواً لحضوره أيضاً. وكان لافتاً أنْ يشيرَ إلى كلينا في خطابه الافتتاحي قائلاً: «لا بدّ لي من الترحيب بالفنانة الكبيرة نادية لطفي وبـ(فلان) اللّذَين جاءا إلى بيروت المحاصَرة للتضامن معنا في الوقت الذي يتفنّن البعض من بيننا للتسلّل منها!».

جرى قبل سنوات منح الفقيدة وسامَ القدس الذي لم يُمنَح إلا لقلّة من السياسيين والمعنيين بالشأن العام.

وأنا أودِّعها، أشعرُ بحزنٍ عميق لتعذُّر زيارتها في أيامها الأخيرة بسبب الموت الذي صار طقساً يومياً لحُكّام الصدفة الذين صادروا إرادة العراقيين واغتصبوا وطنهم المبتلى من الغرباء. وما يخفف عني تخلّفي عن وداعها، منعُ الأطباء الزيارات عنها كما أخبرتني مرافقتها الأمينة رضا، وهي تُسمِعُها صوتي، وأسمع تحيتها بما يشبه الهمس.

أفتقدُ الصديقة بالقدر الشخصي نفسِه الذي أفتقدُ فيه الفنانة، وعزائي الوحيد أنّ أعمالها ومواقفها كانت كلها قطعة من زمنٍ جميلٍ مضى.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top