الديمقراطية بين النص الدستوري والواقع الراهن

آراء وأفكار 2020/02/08 06:55:05 م

الديمقراطية بين النص الدستوري والواقع الراهن

القاضي سالم روضان الموسوي

"الديمقراطية ليست حكم العدد وإنما هي حكم القانون"

جورج غريفتش

عند مطالعة دستور العراق لعام 2005 النافذ ستجد إن كلمة ديمقراطية قد وردت في ستة مواضع الأولى كانت في ديباجته عندما وصف نظام الحكم في العراق بأنه ( نِظاَمٍ جُمهورِيٍ إتحاديٍ ديمقْراطيٍ تَعْددُّيٍ)

ثم أكد ذلك في المادة الأولى، كما أشار إلى إن الديمقراطية من المحددات للسلطة التقديرية للمشرع حيث منع سن أي قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية وعلى وفق ما جاء في المادة (2/أولاً/ب) من الدستور، ثم كرر استعمال كلمة الديمقراطية مرة أخرى في المادة (6) عندما أشار إلى آلية تداول السلطة بالوسائل الديمقراطية وعلى وفق النص الآتي (يتم تداول السلطة سلمياً، عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور) ثم جعلها من مفردات اليمين الدستورية التي يؤديها رجالات الدولة عند تسنمهم مناصبهم السيادية بأن يحافظوا على النظام الديمقراطي الاتحادي للعراق وعلى وفق ما جاء في المادة (50) من الدستور، ثم جعل كلمة الديمقراطية من بين واجبات السلطات الاتحادية وعلى وفق ما جاء في المادة (109) من الدستور التي جاء فيها الآتي (تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي)، لذلك فان الدستور قد جعل من الديمقراطية إطاراً لكل أبوابه سواء في شكل نظام الحكم أو عند ممارسة الحكم وفي التشريع وفي الالتزامات الدستورية سواء على الأشخاص أو على المؤسسات، لكن الدستور لم يبين لنا ماهية الديمقراطية التي يجب أن يكون عليها عمل سلطات الدولة أو الأشخاص القائمين عليها، وإنما ترك الأمر للاجتهاد عند العمل وهذا يعد من سمات كتابة الدساتير والتشريعات، إذ يبتعد النص عن التعريف ويتركه إلى اجتهاد فقهاء وشراح الدستور أو القانون، ويشير احد كتاب القانون الدستوري (الدكتور وحيد رأفت) بان الديمقراطية هي فكرة مجردة لا نستطيع الاستدلال عليها إلا عبر صورها، وفي الفقه الدستوري تتجلى بصور عدة منها الحكومة الديمقراطية وهي حكم الأغلبية التي يتولاها الشعب بنفسه أو بواسطة نوابه ويبقى الشعب مصدر السلطات وهذا ما أخذ به الدستور العراقي في المادة (5) التي جاء فيها الآتي (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية) لذلك فان المقصود بأغلبية الشعب الذي يضفي الديمقراطية على الحكومة أو السلطة القابضة هو أغلبية الأفراد البالغين الذين لهم حق استعمال الحقوق السياسية في الدولة، ويرى الكاتب ذاته بان فائدة الأحزاب تظهر لتحقيق الأغلبية ويقول لو لم توجد الأحزاب لتعذر تكوين أغلبية ثابتة لاختلاف الآراء، ووجود الأحزاب يسمح بانضواء أفراد الشعب تحت لوائها ويصفها أستاذ القانون العام المرحوم الدكتور سليمان الطماوي بأنها " مدارس الشعوب" لأنها تعمل على تكوين ثقافة سياسية لدى الأفراد تمكنهم من المشاركة في المسائل العامة والحكم عليها حكماً اقرب إلى الصحة، كما تعتبر همزة الوصل بين الحكام والمحكومين ويرى البعض أن الأحزاب السياسية تنشأ على شكل مجموعات برلمانية للدفاع عن مصالح الأفراد المنضمين تحت لوائها والمرشح الذي نال رضا وتزكية جمهور هذه الأحزاب وتقلد منصبه في البرلمان فإنه كان قد قدم لهم برنامجه الانتخابي الذي بين فيه أهم النقاط التي سيعمل على تحقيقها بواسطة تشريع القوانين وستكون هذه القوانين معبرة عن وجهة نظره أو فلسفته تجاه مشكلة القانون ذاتها ولا أقصد النائب المفرد بل قد يكون مجموعة من النواب بأي مسمى كان (حزب، جبهة، كتلة ـ تيار...الخ)، وحيث أن القوانين تقر وتشرع عبر التصويت عليها بالأغلبية المقررة لها فإن كثرة أعداد المصوتين تكون هي الفيصل في تشريع القانون لذلك توهم البعض أن حصول الأكثرية على التصويت هي الديمقراطية التي نص عليها الدستور في معظم مواده، وهذا مجرد وهم في ذهن من يؤمن بالشمولية حتى لو كانت بإطار جمعي، لأن العشرات من القوانين التي أصدرتها السلطة المختصة بالتشريع قد تم تعطيلها او إلغائها بسبب مخالفتها للدستور عبر آليات الرقابة الدستورية سواء في العراق أو في أغلب بلدان العالم، وكما يقول الكاتب الفرنسي جورج غريفتش بأن "الديمقراطية ليست حكم العدد وإنما هي حكم القانون" لأن السلطة التشريعية عند أداء مهامها ليس لها أن تخالف الدستور الذي يمثل إرادة الأمة العليا فإن المعبر عن الإرادة الأمة العامة والعليا هو الدستور، حيث أن مصدره في الغالب الأعم هو الشعب الذي صوت عليه، بينما القانون يعبر عن إرادة ممثلي الشعب من الأحزاب والتيارات السياسية التي يتكون منها البرلمان، فضلاً عن كون الدستور هو المصدر الذي خرجت من عباءته السلطات كافة بما فيها البرلمان، لذلك نجد أن الديمقراطية التي سعى إليها الدستور العراقي في أحكامه ونصوصه المتعددة لم تجد لها وفرة في العمل التشريعي وحتى في باقي مؤسسات الدولة الدستورية وفي سلطاتها الثلاث وإنما نجد أنها وظفت هذه المصطلحات لصالح مصالحها الضيقة وعلى حساب الشعب وهذا أدى بدوره إلى ظهور الأزمة الدستورية والسياسية الخانقة التي يمر بها العراق، لأن وجود النصوص التي تمثل بحدها الأدنى آليات التداول السلمي للسلطة وبظواهرها الديمقراطية وكيفية اختيار الرؤساء والقادة التنفيذيين لم تردع من تولى إدارة هذه الأزمة بالابتعاد عن الديكتاتورية الإدارية، وإنما أوغلوا في شخصنة المؤسسات التي يتولون إدارتها ، ويظهر أحدهم لوسائل الإعلام ويتكلم بلغة الأنا ويجير إليه كل انجاز للمؤسسة وكأنه هو الفرد الصمد الذي لم يكن قبله في تلك المؤسسة من أحد أو يزعم بأنه قد بناها من الصفر متجاهل تاريخها العريق، والسبب في ذلك لأنه يرى نفسه الأفضل وهو الأمثل وهو الزعيم الأوحد، مما أدى إلى التناحر وإبعاد شخصيات قادرة على إدارة دفة الأمور بشكلها الطبيعي اعتماداً على الكفاءة والمهنية، ومن ثم تعطيل مفهوم تداول السلطة السلمية عبر الوسائل الديمقراطية بل إن المشرع قد عطل ذلك بشكل صريح بموجب التشريعات النافذة عندما جعل من الإدارات لا معقب عليها ولا يوجد من يحاسبها على أخطائها وكأنما افترض فيها العصمة، لذلك فان الديمقراطية التي نص عليها الدستور العراقي النافذ لم تجد لها متسعاً للظهور بمظهرها الحضاري وإنما غطتها سحب الهيمنة والشمولية سواء في مجال التشريع أو في مجال الواقع اليومي والحياتي، ونرى إن البعض يفرض أفكاره ومطالبه على الآخر بالقوة المفرطة وبالأساليب القسرية ويحلل لأتباعه العمل الديمقراطي الذي من أهم صوره حرية التعبير عن الرأي، ويحرم على من يختلف معه ممارسة هذا الحق .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top