بيت (المدى).. يحتفل بالشاعر المغني والمتأمل جليل حيدر

بيت (المدى).. يحتفل بالشاعر المغني والمتأمل جليل حيدر

 بغداد/ محمد جاسم

 عدسة/ محمود رؤوف

احتفى بيت المدى برمزثقافي آخر من الرموز الابداعية الذي اشرت خطواته لمحات مجيدة من تاريخ الثقافة العراقية، وكان ضيف المدى الشاعر الكبير جليل حيدرهو وقصائده الشعرية الجميلة والمعبرة في جلسة غصت فيها المقاعد بجمهورعريض من المبدعين والادباء والمثقفين.

شاعر توهج بالإبداع

الشاعر عمر السراي مقدم الجلسة قال:- مرحبا بكم في مؤسسة المدى وهي تفتح ذراعيها للادباء الذين تحتفي بهم دائما. المدى عودتنا على الاحتفاء بعراقيين توهجوا في الثقافة العراقية، وقدموا ابداعا انتشر على مساحة الوطن وفي خارجه. جلسة اليوم مميزة بحضوركم البهي، ولانقول نحتفي بضيفنا العزيز الشاعر جليل حيدر بل الشاعرهو من سيفتح قلبه لنا بقصائده وكلماته. الشاعر الذي يحمل روحا متفائلة منذ الستينيات الى الان. فمرحبا بشاعرنا العراقي المبدع الاصيل برونقه الانيق. جليل سينقلنا بعوالم قصائده الى مجرات قصية، وهو يمتلك من القصيدة الموجهة التي تحمل بعدا داخلها يدفعنا للكونية بلغة صافية شفافة ما بين الشعر الحر والشعر المحض.

نبت أبيض يدعو الفجر

وقال الدكتور كاظم الواسطي:- عرفته في السبعينيات شاعرا مشاكسا في شعره كما في حياته اليومية. ومشاكساته لها طعم خاص سرعان ما تكشف حميمية انتمائه، لاجواء صداقة غير مقيدة باقنعة زائفة. صداقة لا تبدد تذوقاتها الضغائن والتجارب المخاتلة. وهو صديق لا يحتال على تهويمة الامسيات، ولايهدد اسرار احلامنا الملبدة بالغموض والارتياب. كما اغرم بحمام بغداد فوق سطوح المنازل، وقدم الحمام لاوراق الشاعر هناك لتطير كلماته بوجوهنا، بقلب لا يستطيع الا ان يكون قريبا من ماء الورد والجواهري وقوارب دجلة. وظلت معه نكهة مرور الصيادين على الشاطئ، الذي لا يبعد عن حارة كاردينيا ومقهى ابراهيم وصور الاصدقاء العالقة على الروح. ترك الشاعرمساحة واسعة من ديوانه للاصدقاء من بلادي، ليكون على مقربة من العراق، وليكونوا ضيوفا عنده بايقاعاتهم المتنوعة.. مظفر النواب.. عريف الحفل.. عزيز الحاج.. ضيف القتلة.. فوزي كريم.. ضيف بغداد.. عبد القادر الجنابي.. ضيف الفجر سركون بولص.. ضيف فحمة العشاء وعبد الرحمن طهمازي الذي كان هناك بلا جلبة. كما كان لظل بغداد واسرارها اكثر من مساحة، ووقفة تذكر، فهي تلك النومة الباردة في قارب او اصطياد جري في دجلة، وهي المخدع في بار او العودة الى الصيف، وثمرة زجاجية في حقل من الصخور. ولكي لا يكون خطأ في امضاء اسود للاوقات الداكنة، علينا ان نمدد اذرعنا لنحتضن هذه الثمرة ونحميها من الانكسار تحت ثقل الصخور السود.

أسد بابل 

قال الدكتور جمال العتابي:- استحث جليل رغبتي في دخول مملكته الشعرية في (استحضار لارواح الاسرى). دعاني لغير سبب متابعته متخطى الابعاد المحرر من القياس ليمنحنا التأمل لما يريده لاحقا بـ(قصائد الضد) المشحونة برؤى مبدعة جديدة. البداية كانت سهما ناريا اخترق فضاء الشعر، وتحديا تجاوز المألوف، وقدرته على الابتكار. وهو يحمل منذ بداياته سر اكتشافه لهويته، باعتبارها مشروعا مضمونا، اذ تصدى لـ(الابقار المقدسة) في الشعر. ويؤكد على ان الانفعال لا يمنح التسويغ الكافي للاقتناع بقيمة الاثر الفني. والجدوى هي الانسجام والتوافق بين التجربة الشعرية المنطلقة من ذات الشاعر بعمق ما يطرحه من فكر واستبطان. هذا ما أراد جليل البوح به في ديوانه(اسد بابل).

يلتقط ماهو جمالي في اللغة

في حين اشار الناقد علي الفواز الى:- الحديث عن حيدر يجرنا للحديث عن التحولات الشعرية العصيبة فنيا وسياسيا، لاسيما ان جليلا يجاهر بوعيه الصاخب، وبانتمائه العنيد، ما جعل قصيدته كأنها خطاب او رؤيا للعالم. وارتبط بمرحلة التجديد والتحول الحاصل في القصيدة العراقية في الستينيات وبداية السبعينيات. وهي تجربة تأصيلية ينبغي ان تقرأ هي ورموزها. رغم ان البعض يرى فيها غلبة الانفعال السياسي على شعرائها، لكني اجد ان الانفعال الفني اعطى لجليل وعيا ورؤية مبكرة جعلته يلتقط بوعي ماهو جمالي في اللغة الشعرية السائدة. لذلك القدرة على الانعتاق من الهيمنة لوحدها مغامرة وجرأة. فجليل من الشباب الذين ادركوا اهمية السؤال الشعري مبكرا، كما ادركوا اهمية ان يحوز الشاعر على اهمية خاصة ومتفردة، وان يجعل المغامرة فعلا للانتقال ومواجهة العالم باشياء جديدة. ولاننسى ايضا تأثيرات ادونيس على بعض شعراء هذه المرحلة كحسب الشيخ جعفر وفوزي كريم .

الشاعر المغني والمتأمل

واضاف الفواز:- هذا الاشتباك مابين جليل حيدر وهذا الفضاء الشعري جعل قصائده توحي انها تكتب ضدا بالمعنى السياسي والاجتماعي وحتى الثقافي. وتؤشر وعيا مبكرا، وهو ما التقطه ادونيس عندما نشر شعره في مجلته (مواقف). واشر فاضل العزاوي امتلاكه لخصوصية وحساسية لغته، وهو من الذين نفروا عن هذه التشابهات التي اتسم بها جيله. وهو من الذين اسسوا وتركوا لمحات ولبنات في مرحلة السبعينيات. ومن جيل الستينيات الذي اخذ بالقصيدة الى عوالم اخرى توضحت لدى الجيل اللاحق. وعانى من التعتيم والحذف الذي مس جيلا كاملا من جيل الستينيات بسبب الموقف السياسي. لكن يبقى هو الشاعر المغني والشاعرالمتأمل، الذي يمتلك العاصفة لتغيير الاشياء. كما كان شاعرا ثائرا داخل اللغة، واحدا ممن قادوا قضية التجديد من عتبات الرخوة الى المتحركة.

قصيدته مضادة

واشار الناقد فاضل ثامر الى انه اسم نابت في ضمير الشعرية العراقية، وان تعرض لبعض الاهمال من الدارسين للنقد العراقي والعربي. منذ ديوانه الاول (قصائد بالضد) كشف عن مراده بتشكيل قصيدة مضادة لما هو سائد، وهو ينتمي للقصيدة الستينية وليس السبعينية كما ذكر. وانشغل بالهم الشعري والسياسي بحكم تواجده في عائلة تمتهن الادب والسياسة خصوصا الاخ الاكبر عزيز الحاج. بالرغم من صغر سنه قياسا لابناء جيله كان لماحا ومتألقا وقادرا على تقديم رؤية جديدة. وبدا يشتغل على شعره ليس بطريقة العاصفة كما زميله فاضل العزاوي، انما بطريقة سركون بولص، مع تأثره الشديد بالشاعر انسي الحاج. قصيدته لم تكن تعني التخلي عن الايقاع والوزن. والمكان لديه يحتل موقعا مهما في شعره. ويتحول الى اشعاع دلالي كبير. وقد اشتغل باناة وهدوء على التجديد ولم يحفل بالاضواء لذلك بعيدا الاخرين. لكن التجربة بمرور الزمن اكدت اهميتها وعلو كعبها في المشهد الثقافي العربي.

قصيدة 8 شباط

وقال المحتفى به الشاعر جليل حيدر:- اربعون عاما وانا ابحث عن مدينتي، مدينتي التي ضيعت، وضيعت انا بين بيروت ودمشق وقبرص والسويد وفي كل الفترات كانت بغداد حاضرة في روحي وشعري. وعندما عدت للحبيبة وجدتها ممزقة وجائعة وضائعة. وقرأ جانبا من قصيدته (8 شباط) كتبها في وقت مضى ونشرها له ادونيس في حينها كانت الظروف آنذاك مقدمة لما يحدث في عراق اليوم. فقال (تنمو في مقهى/ والالفاظ ارانب تهرب/ ثم تطالك ايدي المعتذرين برعب قاس/ ابنية بطراز غوطي/ تستجدي تصيح تصيح/ ومرايا تغضب للسيل/ حيث التنجيم لهاب الحمى الذهبي للراقص خلف صهيل محموم/ الجسد الحر كجنجول صارم/ كره منذ اوى ثمرا ازرقا في عينيه/ حتى بادر بالسير على حبل مقطوع/ وهنا يجدر ان توحي للاشباح بلعبة استقصاء/ هرم ابن الجنية وحبيبي مضغ التبغ/ وصوتي طاووس مذبوح/. ثم قصائد اخرى منها مقطع من قصيدة اسد بابل.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top