الإخراج والنص

الإخراج والنص

د. عقيل مهدي

(التزام الفنان المسرحي )

المسرحي الملتزم تراه يعقل اتجاهات المسرح المعاصرة بدراية وتيقن من جدارتها ومشاهدتها بعد الاحتكاك بها وتفكيكها .

فهو لا ينقاد الى سطحية ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي من افتراءات تدعي المغايرة لكنها لا تخص حداثة المسرح ، ولا معاصرته ، لذلك يندفع الفنان الملتزم لإقامة محاورة مثمرة مع قديم الفن الكلاسيكي ويتبنى طروحات تمثل انفتاحه الموضوعي الرصين مع الجديد لا لمجرد جدتّه بل لما يمهّد له من مسرح مستقبلي باعتماده معياراّ جمالياّ يلتمس القيمة النوعية للعروض المتمثلة في عمق تجربتها المنزاحة عن شكل الواقع السطحي أَو المباشرة النثرية بتفرد ابداعي عن سواه من التجارب العقيمة التي يتجسّم فيها البطل السلبي بطريقة تجعله يفارق صاحبه مع المفارقين أو يخذله ويخونه، ويتجرّد من الأمانة والوفاء سواء في أقواله أو أفعاله ويتبنى ضرها لا نفعها . وهذا ما يدفعني أنا وزملائي للبحث عن تجارب مسرحية جادّة، لكلٍ منا مبرراته ودوافعه وذرائعه الخاصة .

2- ( هوية العرض المسرحي ) 

لا يمكن لمخرج أن يرفض عرضاً مسرحياً لمجرد أنه ( بسيط ) وليس معقداّ ولا متناقضاّ Complexity And Contradiction لأن عروض المسرح تمتلك هوياتها الخاصة، سواء في القصدية الشكلانية أو في أسلوب تكوينها وإنشائها التركيبي ، لأنها توظّف عناصر ماهيتها الجمالية المنتخبة، بدراية ، تمس هواجس الإنسان وتطامن رغائبه في حياة مستقرة حيث تنتقي مضامين درامية لا يشوبها كدر سياسي تسلطي ولا مهيمنات محنطة من العادات المجتمعية المتخلفة .

( أحلام المسرح ) 

المسرح يخصّ تجربة الفنان الذاتية المتموضعة حسّياً في عالم معاش ، أو مبتدع من مخيلة المخرج لكي يقتنص من زمن الجمهور لحظات ثمينة استثنائية متفردة ليريهم أحلامهم الفردوسية وهي معاشة فوق الخشبة ، وبالتالي يمهد لهم إمكانية حرّة في اتخاذ موقف خاص ولكل متفرج الحق في كيفية التعامل مع معنى العرض ودلالاته، كذلك مع العالم وقوانينه الموضوعية العامة بعد خروجه من المسرح الى فضاء المجتمع الأوسع ليمارس فيه حقه وواجبه في الدفاع عن الحرية والعدالة ضد العنف والقمع والشقاء والموت .

(توهمات مسرحية )

من التوهمات الإخراجية هو ( خلط ) ، أسلوب برخت مع أساليب مخالفة لمنهجه عند بعض الهواة أو حتى عند بعض من المتمرسين في الإخراج . المطلوب هو أن نميّز ذلك الذي يتعامل مع نصوص برخت وتجربته بأسلوب مسرحي مبتكر من ذلك الذين يقدم أسلوب برخت، بطريقة عقيمة فهو يقدم العرض بضعف بيّن لا تظهر في تجربته ، تلك الملامح، ولا الخصائص الملحمية الجريئة التي حققها برخت عملياّ ونظرياّ ، فهو يذهب الى ما يشبه ( الكابوس ) الذي يتوهّمه ضرباً من (الحداثة )المسرحية والخروج عن المألوف !

(تفاعل المخرج ) 

يوظف المخرج مهاراته وقدراته عند ( تركيب ) العرض بهدف تحريك شغف المتفرج ، فكرياً و وجدانياً من خلال مواكبة تطور العرض ومتابعة حراك الشخصيات وأدوارها وما تصطفيه من ميول واتجاهات وأحكام إذ يحرص المخرج على اختيار الممثل الذي يصبح جزءاً حيوياً من عناصر العرض وكائناً عضوياً مكوناً لا للمجموعة الفنية المشاركة في تقنيات الإطار التشكيلي البشري في معمار مادي بصري أو في مسموعات وإيقاعات موسيقية مع المؤثرات. فالمخرج هو الذي ينجز خارطة العرض الإبداعية ويوزع شبكة خطّته الإخراجية الجامعة الخلاقة على الدرامي وعلى الممثل والتقني والمتفرج أيضا .

( المخرج والإطار المفاهيمي ) 

يتوفر المخرج على معرفة خاصة بالنصوص الدرامية يتمثّل ذلك في قدرته على تفسيرها لينقلها الى مجال التطبيق العملي الذي يقتضي منه القيام على تحليل عناصر العرض على وفق علاقات ومبادئ تأويلية تمكنه من إصدار أحكام تقويمية تمثله أو تمثل الجمهور في كلّ ما يسعى اليه حين يشرع بانجاز عرض مسرحي تتوفر فيه عناصر من الجودة و" الجاذبية " و" الرشاقة " الفنية التي توضع في إطار مفاهيمي تستهوي قيم المتفرجين وتخاطب مشاعرهم وأذواقهم الفنية واتجاهاتهم الحياتية أيضاً عند تقبلهم للعرض، أو عند رفضهم له.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top