قراءة في ديوان  تواطؤاً مع الزرقة  للشاعر حسب الشيخ جعفر

قراءة في ديوان تواطؤاً مع الزرقة للشاعر حسب الشيخ جعفر

د.ثابت الالوسي

يعد ديوان(تواطؤاً مع الزرقة) للشاعر حسب الشيخ جعفر , من الدواوين المهمة المتأخرة التي كتبت خلال إقامته أو عزلته الاختيارية في مدينة عمان ,ما بين أواسط التسعينيات من القرن الماضي الى ما بعد (2003)

أغلب قصائده في هذا الديوان , استذكارات لمرحلة فتوّته وشبابه حين كان طالباً في جامعات روسيا , وبعضها لقطات وتأملات حياتية ذات طابع وجودي , من خلال مشاهد قصيرة حاشداً الكثير من رصيده الثقافي عبر الإحالات والرموز و استدعاء جوانب من قراءاته التي ظلت ماثلة في تشكيل مفاهيمه ورؤاه , ما يجعل بعض تلك القصائد غامضة أحياناً غير قادرة على التواصل مع شريحة واسعة من المتلقين.

كثيرمن تلك القصائد , تستذكر بمحبة والفة زمناً ضائعاً عبر أجواء الحفلات والبارات و الشراب والرقص والأغاني الأجنبية التي كان يحياها ويألف أجواءها خلال الستينيات من القرن الماضي , عبر منزع رومانسي خفيض ,هرباً من واقع قاسٍ عاشه الشاعر خلال عزلته التي دامت سنوات , متشبثاً عبر انكساراته وإحباطاته بتلك اللحظات المضيئة والجميلة في حياته : 

" ربما كنت مرتبكاً ثملاً , ربما/ حينما/ كتبت لي المضيفة الغضة التلفون "ص29

ويقول في قصيدة " إبراقات: "

" تتموج) (مارينا(/ بالمبنى الراقص بالفتيات/ ..... اقتربت مني/ العينان الساطعتان لهباً "ص48

غير أن تلك الاجواء التي يسترجعها من ذلك الزمن الجميل واللحظات المتناثرة في ماضيه الذي يحاول القبض عليه , سرعان ما يجدها تهرب وتنفلت أمام كوابيس تطارده في يقظته ومنامه .

كثيراً ما يستخدم صيغة السؤال , الذي يعقبه قدرة عالية على التصوير والنفاذ الى المناطق الاكثر عمقا ودرامية , قد يستخدم تقنيات التشبيه والاستعارة القصيرة غير أن هذه التقنيات تتأزر غالباً مع تقنية (التضاد) من أجل أن تفضي الى كنايات ومعادلات موضوعية كبرى.

أغلب قصائده في هذا الديوان قصيرة ، غير أنها مكتنزة ثقيلة تحتشد بالرموز والاحالات والتفاعل النصي مع مراجعه الثقافية المتعددة ، لا سيما الاجنبية فضلاً عن بنائها وفق موجات مرتبطة غالباً بتجاربه المتنوعة ومزاجه الخاص ما يجعل بعض تلك القصائد غامضة ومبهمة

" تتذكر انك تكره في بعض هيجل/ لغوا صفيق/ عن ضرورة اسكندر آخر "ص(46)

وما الذي يريد أن يقول في قصيدة "الكيس" المثقلة بالاشارات في قوله :

" فاذا ما أصغى الكيس/ وطوح آخر قرش في البئر العكرة/ واستلقى الذئب الليلي الهرم

والتف المحتال القزم ، النكرة/ وافتتح (العدم) فصلا (ادغاريا)/ يتكشف عن مايكوفسكي

عن سريو جكا؟ص(54)

في هذا النص الغامض والمعقد ، لا يكفي توضيح في الهامش أن )ادغاريو(

معروف بالاجواء الكابوسية ، وإن سريو جكا شاعر مات شانقا نفسه وان مايكوفسكي اطلق الرصاص على نفسه لأن القصيدة قامت على الاختزال وحشد أجواء متفرقة غير قادرة أن تحفظ للقصيدة تماسكها وتدفقها وهكذا هو في قصيدة "القصبة" ص228 التي تسترجع بيت المتنبي الشهير 

( والقى الشرق منها في ثيابي دنانيرا تفر من البنان

ثم سرعان ما يحشر اسم الممثلة الاوربية المشهورة "سارة برنار" مع حكمة عن الرعد والكمأ ما يجعل الرؤية مضببة من خلال نثار الرموز والإحالات 

كل قصائد الديوان اعتمدت أسلوب التفعيلة ، الاحتفاظ بالوزن وأحياناً بالقافية ، غير أنها في مواضع أخرى اقتربت من قصيدة النثر ، وبالغت كثيراً في استثمار السرد الشعري والقصصي ، وغالباً ما تعتمد قصيدته في هذا الديوان على رصد مشهد منتزع من ذاكرته النشطة أو من مشهد يومي أو من مفردات ثقافية ، يصور جانباً منه ، يضيف اليه يستبطنه ، يلتقط المغيب فيه ثم يفاجئك بالمدهش عبر بنية التضاد أو كسر التوقع 

"فاذا ما خبت توامضها ، الكوة الماطرة/ وانطوى الحفل وارتحل الطارئون/ دقت الباب جنية زائرة" ص 26

هكذا حين يرحل الآخرون وتختفي مظاهر الحركة والحياة في ساعات الليل 

المتأخرة ، ولم يبق من الحفل الا الاصداء ، تدق عليه الباب 

الجنية الزائرة عبر احلامه وكوابيس عزلته ،

وفي قصيدة " حب في الطائرة " يقول :

لم اعد اتذكر في اي محفظة او كتاب/ اودعت يدي التلفون ص29

لكن المفاجئة تاتي فيما بعد حين يعود على نفس الطائرة تفاجئه المضيفة بإعادة رقم الهاتف مرة أخرى إليه بعد أن نسيه

"ارجعت لي المضيفة التلفون/ وهي تضحك خالية البال/ ممعنة في العتاب 

أغلب قصائده التي استثمرت تقنية التضاد قائمة عبر مفارقات وتضادات بين الزمن الماضي والزمن الحاضر بين الحلم والواقع بين رغباته المختزنة وامكاناته المحدودة 

وفي قصيدة (لم نقل شيئاً عن)ستربندبرغ يقول :

"والى الجنب مني ، على مقعد/ في انتظار الجواز ، فتاة سويدية/ ..لم تجد (مثلما اعترفت لي/ أصابع أدفأ بين اصابعها/ من أصابعي الناحلة/ أو جليسا الذ الى النفس مني أنا/ ثم القت على كتفي الرأس / أشقرمسترخيا ، موهنا" ص (100)

غير أنه بعد هذا الجو الرومانسي الحالم ومتعة اللذة والاقتراب والسخرية المبطنة 

تنتهي القصيدة : 

" غير انا انفصلنا اتجاهين/ (ليلى ) الى االطائرة/ (والملوح) /ملقى الى غيرها / يتصيد قائلة الجن ص (101)

معززاً ثيمة الزوال ، زوال الاشياء ولا سيما البهجات السارة

حيث إن كل لقاء مهما كان قوياً وعاصفاً مهدد بالافتراق والانتهاء ربما بسبب الظروف الجغرافية أو الحياتية وربما وهو الأهم بسبب تسرب سنوات العمر وهجوم الشيخوخة 

ويبقى حسب الشيخ جعفر شاعراً كبيراً بدءاً من ديوانه الاول (نخلة الله) مرحلة الستينيات ومروراً بالقصيدة المدورة في ديوانه (الطائر الخشبي) الذي كان أحد روادها المتميزين الى دواوينه المتاخرة 

ومن غيرشك أن قصائده في ديوانه(تواطؤاً مع الزرقة)

تراجعت فيها العاطفة المشهوبة ، وتقلصت فيها مساحة الوجدان المتدفق ، لكنها من الجانب الآخر تمثل نمطاً مختلفا في اكتنازها وتعدد إشاراتها واتساع روافدها وتحول دلالاتها حتى غدت عبر استثمارها السرد الشعري صوراً للأفكار والرؤى الأكثر بعداً وخفاء.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top