آمال مشروعة ومستقبل عراقي غير متيقن منه

آراء وأفكار 2020/02/11 07:47:05 م

آمال مشروعة ومستقبل عراقي  غير متيقن منه

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

أنتقلت مطالب الحراك الجماهيري من مطالب واضح ، محدد ومهم يغطي في الغالب الأعم البعد الاقتصادي في الصميم :

"نازل أخذ حقي" إلى مطلب أكثر عمقاً واتساعاً في المفهوم، الابعاد والتداعيات : "نريد وطناً". عبارة في طياتها تحمل رمزا معنويا كبيرا يؤكد أهمية الانتماء لإغلى قيمة جليلة ونبيلة سامية هي الوطن "العراق".

السؤال هل حقاً هذا الذي سنحصل عليه؟؟ ضمن هذا التصور يمكننا أن نتحدث بداية عن قضايا حيوية في مقدمتها "الكرامة الانسانية" بما تحمله من معان عميقة التأثير على رأسها : "الكرامة الاقتصادية-الاجتماعية " ، الرخاء الاقتصادي –الجتماعي" " والسعادة المنتظرة تعتمد على شرعية الانجاز . من المناسب في هذا المقال أن أشير إلى مقتبس من كلمة وردت على لسان الامير الحسن بن طلال تؤكد أهمية الكرامة الانسانية في معناها الأمني والتنموي كما وردت في مقالته التي نشرتها جريدة الدستور في عددها الموافق في 11 ايلول 2019 تحت عنوان: "الكرامة الانسانية معناها الأمن والأمان" : لايمكننا مقاربة الواقع التنموي الراهن بأزماته ومشكلاته، أو الواقع المأمول في المستقبل وإمكاناته، دون الاعتماد على خط بياني حواري تتمثل فيه سيرورة بناء الوطن ، وتمكين المواطن وتوضيفه ليكون شريكا اساسيا في صنع ذلك المستقبل القائم على الكرامة الانسانية". ضمن سياق كهذا يمكننا أن نؤكد مدى عمق الانتماء للوطن تماما كما أشار اليها الكاتب مظهر الحلاوي في عبارة مهمة تحمل بعداً جدلياً ولكنه متوقع عن أهمية الانتماء للوطن وردت في مؤلفه مسيرة فكر – اوراق من حياتي : " الانتماء إلى الوطن حاجة مهمة لايمكن للانسان أن يعيش بدونها ، ولكن ظروف الوطن قد دفعت العديد من الناس للعيش في الغربة ، وهذه الامتيازات مسألة نسبية.." .

اتساقاً مع هذا القول يتبين لنا أن ما يحدث حالياً من حراك جماهيري بكل ما يحتويه من مضمون وتعقيد يشير بما لايدع للشك أنه مسار مختلف عن مسارات تبتدئ وسرعان ما تتوقف آنياً دون إنذار مبكر ، بعبارة أخرى عقب مضي أكثر من 4 أشهر للحراك الشعبي الذي قاده نخبة من شباب واع بعمر الورود يؤلفون عينة سكانية واسعة تمثل مايقارب 50 ألى 55% من مجموع سكان العراق يصر هؤلاء الابطال الاستمرار بالتظاهر السلمي وممارسة كل انواع العصيان المدني المسموح به قانوناً من أجل نيل حقوقهم المشروعة في العيش الكريم ضمن إطار وطن يفتخر به ويعتز به كل عراقي كونه يحقق الكرامة الانسانية بكل ما تتضمنه من معنى معنوي – قيمي سام. تصور متجذر في النفس العراقية التي تأبى الاستسلام للقدر وترى أن الانسان مسير وليس مخير مصداقاً لقول الكاتب مظهر الحلاوي الذي لم يرَ في الغربة عن الوطن حلاً يغني للسعادة ويعنيني أن اذكر بمقولته التي اقتبس منها ما يلي : " كنت دائما أشعر بالغربة خارج الوطن رغم المآسي التي مر بها هذا الوطن". نموذج واحد فقط ينمي عن عمق محبة الوطن الازلية التي يستشعرها كل إنسان يحب وطنه بصورة تجعله يغلب كل مصلحة آنية أو أمتياز مادي مهما بلغت قيمته. هذا بالضبط ما نشهده في سوح التظاهر السلمي حيث نرى هؤلاء الشباب يتسابقون للموت حتى بلغت الاعداد بالمئات أمام آلة القمع الوحشي التي تمارسها جهات خارجة كليا عن القانون بل وعن كل قيم االحضارية.

زاوية حرجة بالفعل وضع فيها المكلف الجديد لرئاسة الوزراء الاستاذ محمد توفيق علاوي الذي أوضح إنه وحال تسنمه المنصب فعلياً عقب مصادقة مجلس النواب عليه وعلى كابينته الوزارية سيتجه لمحاسبة قتلة الشعب العراقي المنتفض منذ الاول من أوكتوبر للعام 2019 محاسبة حسب قوله "لن تستثني أحدا" . دون ذلك فإن الكرامة الانسانية للعراقي لن تستعاد بصورتها المعهودة او المتوقعة طالما وضعت عصي التكتلات الحزبية والاسلام السياسي في المنشار . ولكن ما المضمون الحقيقي لما نعنيه بالكرامة الانسانية ؟ الجواب ورد على لسان عبارة للامير الحسن بن طلال عرفت بالكرامة الانسانية بالصورة التالية: "إحترام الذات الفردية والجماعية ، والاحترام المتبادل بين هذه الذات والآخرين ، والحرص على الواجبات وضمان الحقوق ، مايعني أحترام القانون ، وتفعيل المواطنة ، ومآسسة المشاركة والتكامل القطاعي في إطار دولة القانون".

ضمن هذا السياق أشار الرئيس الامريكي جون كندي في خطاب تنصيبه للرئاسة في عام 1961 : " لا تسأل عما يمكن أن يفعله بلدك لك ، أسئل ما يمكنك القيام به لبلدك" حيث أهمية بل حيوية أحقاق معادلة متوازنة بين الحقوق والواجبات مجللة بمبدأ أخر مهم الا وهو تكافؤ الفرص بين مختلف شرائح وأجناس الشعب العراقي . من أمثلته ضرورة تمكين المرأة في إدارة شؤون البلاد سياسياً – إقتصادياً وإجتماعياً إلى غير ذلك من حقول ومرافق الحياة العامة خاصة وأن ما تنتجه المرأة من الناتج القومي الاجمالي عالمياً لايتجاوز ال20% . من هنا ، ضرورة أن يطبق فعليا مبدأ المساواة والعدل الاجتماعي بصورة تمنع التمييز الجندري "بين الأجناس" بل وأي نوع آخر يمكن أن يؤدي إلى إضعاف التماسك الاجتماعي والاقتصادي والذي بدوره يضعف أو يهدد بناء دولة المواطنة – المدنية. يضاف إلى ما تقدم لابد من الاهتمام بمبدأ يعرف ب"الكرامة الاقتصادية" وهو مفهوم لم يجد له تعريفاً واضحاً محدداً ولكننا يمكن أن نتبين سماته وبالتالي توصيفه بصورة مقربة لإذهان العامة من السكان حيث الاهتمام بقيمة مايعرف ب"الكرامة الاقتصادية"Human Dignity . ترتيبا على ماتقدم ، يتضح لنا بإن للكرامة الاقتصادية" الى جانب تركيزها على البعد الاقتصادي المادي للثروة يوجد سياق آخر قيمي آخر لها هو السمو الاخلاقي في التعامل مع الاخرين افرادا وجماعات ومن ضمن ذلك أهمية إنتشال فئة "المحرومين" من خط الفقر المطبق حيث تحصل على 1.90$ يوميا والارتقاء بأوضاعهم الانسانية مستقبلاً خاصة وأن الكثير منهم من فئة الاطفال والشباب ، علما بإن المتظاهرين يودون حاليا أن يرتقي العراق وشعبه إقتصاديا لحالة من الرخاء الاقتصادي الذي يوفر العيش الكريم بمعناه الواسع مادياً ومعنوياً.

ليس الامر إهتماماً مادياً أو مالياً يقرر بقيمة الدولار فحسب بل وبطلب الخروج من عقلية الحسابات المالية والاقتصادية الضيقة إلى دائرة الفعل الاجتماعي – الثقافي – الاقتصادي النشط حيث يتفاعل العراق مع كل ما يستجد من أحداث مهمة وعلى راسها مايجري في سوح التظاهر من إحتجاجات مشروعة ستنتهي إن أجلا أم عاجلا بإضفاء بصمة وطنية بعيدة كل البعد عن المحاصصة المقيتة بكل مسمياتها واشكالها للانطلاق للدولة المدنية العادلة التي توفر عدالة إجتماعية شاملة في ظل القانون والدستور الذي يحتاج هو الآخر لتعديلات اساسية تضفي عليه طابعاً وطنياً خالصاً دون ذكر لشيء اسمه "دولة مكونات". العراقيون جميعاً يرنون لعراق موحد متماسك في بنيته قوي في شكيمته يستطيع أن يتعامل مع جيرانه من منطلق سياسة الجار الطيب مع الأخذ بالاعتبار توفر إمكانية الردع الدفاعي ضد كل المخاطر الداخلية والخارجية المحتملة من خلال بناء جهاز أمني وشرطي مهني وطني يوفر حماية واسعة لكل المواطنين ولجميع من يقطن أرض العراق الطيبة. وطن يستطيع من خلال سلطاته الوطنية الاحتكام للقانون لمكافحة الفساد في كل اشكاله ، مستوياته وصنوفه ولن يتأسس ذلك إذا لم يحاسب الكبير قبل الصغير من هؤلاء الفاسدين العابثين بالامن الاقتصادي – السياسي والاجتماعي للبلاد مع استرداد ما يمكن من أموال منهوبة . من هنا، على الجميع مسؤولية مواجهة الوجه الثاني لعملة الارهاب الذي لابد من الاستمرار للتصدي له بكل اقتدار وكفاءة . 

أمور أكدت عليها مرجعية النجف الاشرف في كل خطبة جمعة في ظل مسار قيمي – أخلاقي – حضاري يستحقه العراق وشعبه الابي الصامد الذي يواجه يومياً تحديات جمة داخلية وخارجية. سيكون المستقبل أفضل عندما تحسن النوايا ويجهد المجاهدون في عمل الصائب من الخير أمر مركون لإهل الحل والعقد في بلادنا وسيكون المستقبل بالفعل جميلاً وشعبه سعيداً ويكون ربما ضمن أول عشرين دولة في مقياس السعادة العالمي وليس هذا بمستغرب طالما تكاثفت الجهود للبناء وللاعمار ونظر لمستقبل الابداع والابتكار التقني كما ينظر لشبابنا واطفالنا نظرة تفاؤل حذرة على أنهم عدة الغد عدة وعماد تقدم وإزدهار العراق خاصة وأن للعراق إمكانيات وقدرات ليست فقط مادية – كتيجة لإمتلاك ثروة النفط والغاز الطبيعي الهائلة بكل المقاييس بل والفوسفات والكبريت وغيرها الكثيرمن المعادن الكامنة غير المستغلة ولكن لإمتلاكه وهذا الاهم كفاءات مهمة في مختلف حقول التخصص يمكن أن تجعله يلج مجالات التنافس الدولي في ميادين الحياة الاقتصادية – الاجتماعية والثقافية . كي تتحقق هذه الآمال بأنتظارنا عمل وجهد جيوستراتيجي يرتبط بتلبية كاملة لحقوق وحريات الانسان الاساسية وينتهي بتبلور مجتمع عراقي خال من العقد ومن التأثيرات الاجتماعتية - السياسية غير المرغوب بها سواءً أكانت من نتاج مراحل التخلف أو من تاثيرات التفاعل مع العالم الخارجي دون تمحيص وفلترة لأفكار ومناهج سلوك بعيدة عن حضارتنا وقيمنا الانسانية. 

من هنا ، يمكن القول أخيراً إننا نريد جميعاً وطناً مستقلاً حراً مزدهراً ينعم ابنائه بكل الأمن والأمان وطناً يتعايش مع الجميع مهما كان مصدره الثقافي من منطلق الاحترام والتقدير والاستفاده المتبادلة من نتاجه الحضاري في عصر سريع الايقاع عصر تقنياته متنوعة نحتاج منها الكثير كي نوظفه إتساقاً مع مصالح بلادنا الوطنية وآخذا بالاعتبار ما يمكن أن يوفر لنا من أسباب الابتكار والابداع العلمي في ظل تنمية أنسانية مستدامة محورها وقلبها النابض يردد عراق واعد . فهل يتحقق ذلك أم نحن مجبلين بحب وطن آمالنا كبيرة فيه وفرص تحقق جزءا يسيرا منها صعب جدا نتيجة لحالة عدم التيقن السائدة وفي ظل حكم غير رشيد أو فاسد ودون وجود مصادر كافية وأمكانات توفر لنا ولأجيالنا المقبلة إطمئناناً للنفوس وللقلوب؟؟ ولا ضمانات مناسبة لعيش كريم مستدام يوفر لنا غنى اجتماعي – إقتصادي وسياسي بعيداً عن التبعية أالاقتصادية – السايسية والامنية "عسكرة الدولة من خلال ميليشيات منفلتة" وبعيداً عن إهدارا للمزيد من موارد بلادنا الحبيبة بشريا ومادياً ومعنوياً. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top