رؤيـــة: عمق المحاصصة

آراء وأفكار 2020/02/12 07:04:03 م

رؤيـــة: عمق المحاصصة

 ساطع راجي

ادعاء القوى الشيعية أنها على استعداد للتخلي عن حصتها في التشكيلة الوزارية المقبلة غير صادق بل هو مخاتلة كبرى، فهذه القوى وخلافاً لمطالب المتظاهرين الذين اسقطوا حكومة عبدالمهدي،

لم تكلف شخصاً خارج مدى سيطرتها بتشكيل الحكومة الجديدة رغم أن الصفة الاولى لرئيس الوزراء المطلوب هي الاستقلالية، وبالتالي فإن القوى الشيعية وليس الشيعة المواطنون قد حصلوا أولاً على الجزء الاكبر من حصتها، أي رئاسة الوزراء، هذا بالإضافة الى منصبي مدير مكتب رئيس الوزراء والأمين العام لمجلس الوزراء، وهما المنصبان اللذان يتحكمان فعلا بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء وإعداد جدول أعماله وإخفاء القرارات في الادراج أو إعلانها فضلا عن أن الامانة العامة ومنذ سنوات تصدر قرارات وتعليمات لاتقل أهمية عن قرارات مجلس الوزراء نفسه.

لقد سيطرت هذه القوى على مفاصل الدولة والوزارات بطريقة أصبح فيها منصب الوزير منصباً ثانوياً، فهناك الكثير من الوكلاء والمدراء العامين والمستشارين ومدراء المكاتب أقوى من الوزراء، ولا تخلو معظم الوزارات من شخصيات حزبية وميليشاوية هي التي لها اليد العليا في الوزارات والدوائر التابعة لها، وهي صاحبة القرار الفعلي، كما تبين في استقالة وزير الصحة السابق علاء العلوان أو تصريحات وزير الاتصالات الحالي.

التركيبة السكانية للعاصمة وتماسك التنظيم الحزبي لأي فصيل شيعي مكن القوى السياسية الشيعية من التواجد البنيوي الثابت داخل الوزارات والمؤسسات الاتحادية وهذا غير متاح للقوى الكردية والسنّية التي لا تقل في حرصها على المحاصصة من نظيرتها الشيعية لكنها بقيت تعتمد على الشكل البدائي البسيط للمحاصصة ولذلك هي مضطرة اليوم وفي كل وقت للتمسك علناً بحصتها من المواقع الوزارية، وهي غالباً ما تفشل حتى في تحقيق هذا المستوى الشكلي، فبفضل الإرباكات والأزمات التي حدثت في حكومتي المالكي خسر السنّة والكرد الكثير من مواقعهم لكنهم نجحوا في شيء آخر.

ركزت القوى السنّية والكردية على عدد محدود من المواقع التي تحفظ لها مصالحها العليا، أي مصالح هذه القوى وفي مقدمتها المال، وتركت القوى الشيعية لتفشل أو هكذا تمكنت من إقناع جزء مهم من جماهيرها وحمت نفسها أيضاً من غضب الشارع العراقي في مناسبات التوحد والتماسك، فمثلاً ليس هناك حزب سني محدد يمكن تسميته كمسؤول عن أي مشكلة بل يوجد أشخاص يتغيرون بإستمرار، يظهرون ويختفون، يحصلون على المكاسب والشتائم على حد سواء، لكن أياً منهم لم يمكث في مؤسسات صنع القرار رغم محاولات بعضهم المستميتة للتحول الى رموز للطائفة لكن كل ماحققوه هو الحصول على تحالف مع قوى شيعية.

الكرد يأخذون حصتهم جغرافياً ومالياً وينجحون دائماً وضع حد لغوصهم في القضايا الاشكالية العامة، الى حد أن الاقليم صار ملاذاً للجميع ويشاع أن معظم الساسة العراقيين ومن مختلف المكونات يستثمرون أو يتملكون فيه ولديهم علاقات شخصية بالقيادات الكردية لا تتأثر بالجدل العام وصمدت في وجه أعنف الخصومات بين بغداد وكردستان.

القوى الشيعية وحدها القادرة اليوم، فيما لو أرادت، على تغيير نمط إدارة الدولة، وهي ليست بحاجة الى من يدلها على الطريق فهي تعرفه لكن حساباتها الخاصة تمنعها من سلوكه رغم أنه طريق نجاتها واستمرارها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top