مجتمع ما بعد الحرب: التأثّر لا التأثير

آراء وأفكار 2020/02/29 06:41:04 م

مجتمع ما بعد الحرب: التأثّر لا التأثير

 د. أثير ناظم الجاسور

في مرحلة مهمة من عمر التحول الذي يطرأ على شكل ومضمون الدولة يجعل منها عرضة للتأثر بجملة من التجارب والتوجهات سواء التجارب التي يتخيلها المواطن في ذهنه ويحلم أن يعيش كل تجلياتها أو من خلال النماذج التي تقترحها أو تتبناها القوى الجديدة

التي تأتي بفعل التغيير الحاصل أو كما يسميها البعض القوى الجديدة الحاكمة، هنا يبدأ البحث عن نقاط للانطلاق نحو الأفضل على اعتبار أن المجتمع كان يعيش حالة من الانغلاق والتقوقع والانعزال عن العالم الخارجي إضافة إلى أنه يعاني من الوصول لمبتغاه لنيل حياة كريمة، بالتالي فهو ينتظر من القوى القادمة التي عاشت الغربة والنفي والاضطهاد إلى جانب إنها عاشت التجارب الحية لمجتمعات وأنظمة مستقرة أن تنصفه وأن تبدأ بجدية في التفكير بمرحلة التحول هذه، هذه المرحلة التي تتضمنها جملة من المشاريع تبدأ بعملية الإعمار وتنطلق إلى كل ما له علاقة بالتنمية والانفتاح والحياة الكريمة، لكن الواقع غير ذلك بالتأكيد فالبرامج التي تحملها القوى الجديدة الحاكمة التي بطريقة أو بأخرى هي متأثرة بأسلوب وتوجه تلك الدول الحاضنة لها تلك الدول التي مولت ورعت وخططت من أجل الوصول لهذه اللحظة التي ستنفذ من خلالها مشاريعها ومخططاتها.

التأثّر هنا يحمل جانبين الجانب الأول التأثّر الذي يتعرض له المجتمع والثاني الذي يتعرض له النظام السياسي، فالأول تحكمه مجموعة من السلطات مثل الدينية والثقافية والاجتماعية وأيضاً السياسية وكل سلطة من هذه السلطات تعمل على أن تجعل من المجتمع يسير وفق رؤياه وتصوراته التي بالنهاية تصب في تعزيز وجوده والسيطرة على مدخلاته داخل النظام كي لا تعرقل عملها الساعي إلى أن تكون لها الغلبة على الأخرى، فهي تبعث رسائل مختلفة إلى المجتمع من أجل التأثير على مزاجه وسلوكه حتى يكون اكثر فاعلية في تحقيق رغبة هذه السلطة أو تلك، بهذه الحالة يصبح المجتمع جزءاً من بيئة تصنعها هذه السلطات التي تؤثر في تفكيره وأكثر هذه السلطات تأثيراً هي الدينية التي تكون سلطة روحية تعمل على مساحة العاطفة التي تلعب دوراً في تحجيم كل الرغبات والمطالب والتأييدات بالنسبة للمواطن الفرد ومن ثم للجماعة فهي تركز على المحلل والمحرم وتعزز من فكرة التضحية التي تبذل في سبيل قضية قد لا تكون جوهرية لكنها بالنسبة لها ضرورية لاستمرارها، أما السلطة الثقافية فهي تحاول الاستمكان من خلال فكرة القناعة التي في الكثير من الأحيان تجد تصدعاً للفكرة من خلال مستوى تفكير الجمهور الذي يحاول أن يكون جزءاً منها، بالتالي فإن جمهور القناعة في أغلب الأحيان هو جمهور متعب غير مستقر فيما يخص النظرية والتطبيق، أما السلطة السياسية فهي تعمل على ترسيخ وجودها ضمن الدولة غير أبهة بالنتائج ، ومخرجاتها في الكثير من الأحيان بعيدة عن مطالب وتأييدات المجتمع، أما التأثير الذي يتعرض له النظام السياسي فهو الأقوى والأصعب لا بل هو الأكثر تعقيداً وتشابكاً على اعتبار أن النظام السياسي كفيل بان يقوم بمجموعة من الإجراءات التي من خلالها يتم تقيم عمله وهل يستحق الاستمرار أم لا، هنا يبدأ النظام السياسي عمله وفق الوحدات القرارية التي تعمل على تكوينه سواء الأحزاب أو الأشخاص ويكون رهينة التوجهات التي تتبناها هذه الوحدات، بالتالي نجد في الكثير من تفاصيل الدولة تداخل في السلطات لأن القوى القابضة على السلطة في حالة صراع مستمر من أجل إثبات الأيديولوجيا التي تتبناها والسيطرة على المشهد بكل تجلياته، هذه الأفكار والأيديولوجيات تجعله عرضه للتدخلات الخارجية خصوصاً والنظام الفتي هذا لا يعمل وفق الإطار العملي والمنطقي إنما وفق الانحياز والانجذاب والسياسات التي تحدد مساره، بالمحصلة هو مستمر بالتأثر ولا يستطيع التأثير مما يجعله نظاماً ضعيفاً غير مرن لا يستطيع التكيف مع الأزمات ولا يستطيع طرح الحلول، وهذا يساهك في زعزعة الاستقرار الداخلي الذي بدوره يضعف العمل الخارجي مما يجعل من الدولة بشكل عام غير قادرة على أن تكون عند مستوى الطموح.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top