أسبريسو: الشعبوية العراقية

علي وجيه 2020/02/29 08:31:05 م

أسبريسو: الشعبوية العراقية

 علي وجيه

لأنّ العراقيّ "يُسرفُ في شحّه والندى"، بتعبير الجواهري، فكلّ ما يمارسه، ويُمارسه بنو البشر الآخرون، يمارسه بشكلٍ أكبر، وأعنف، وأشدّ تأثيراً، في حالةٍ هي الملمح الأبرز لكلّ عراقي على امتداد تاريخهم في هذا الأرض، مُختلفاً عن كلّ الذين يجاورونه.

وبينما يُفاجئُ العالم الذي كان أنيقاً نسبياً، بصعود موجات الشعبويّة، التي يغذّيها اليمين المتطرف في أنحاء العالم، ولعلّ أبرز ملامحها كان تولّي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئاسة، بوعود اقتصاديّة، وإشارات عنصريّة متعلّقة بالشرق الأوسط والمكسيك، يكون العالم قد وصل مدىً عالياً في الشعبويّة، التي تنعكسُ على سلوكيّات الزعماء من جهة، والمجتمعات التي تكون "على دين ملوكها" بالضرورة.

ولأنّ الشعبويّة أصلاً نسقٌ ثابتٌ في السياسة العراقية، بعد 2003 خصوصاً، فإنّها ازدهرت مع وجود محرّكات جانبيّة تقوم بتغذيتها، مثل اللاهوت الشعبوي، والنسق العشائري، والنبرة الطائفيّة، والمناطقية والطبقية، الأمر الذي جعل السياسيّ الأنيق نسبياً خاسراً بشكلٍ مؤكد، حتى إن قام بكلّ شيء كما يستوجب، حيث رأينا كثيراً من السياسيين وهم يعتلون مناصب فقط لأنهم شعبويون، ولا تستطيع انتقادهم إلاّ بصعوبة، نظراً لِما لهم من جماهير تمّ تنويمها بهذا النوع من السلوكيات.

لكن الأشد إشكالاً كان تحوّل الشعبوية من النسق اللفظي إلى السلوكي، عبر عددٍ من أبرز العلامات السياسية العراقية، وتقريباً لم يخلُ سياسيّ من إشارات شعبويّة سلبية، من أربيل إلى البصرة، ولعلّ تصريحات الزعيم بارزاني في الاستفتاء، وتصريحات "الجيل الجديد" في السليمانية، مروراً بـ"شاحنة الشعبوية" المؤلّفة من السادة: مشعان الجبوري، أبو مازن، ولا ينتهي الأمر بتصريحات الحلبوسي الأخيرة مثلاً، عن العشيرة وضرورة دعمها، والأمر لا ينتهي بتصريحات السيّد مقتدى الصدر، الشيخ قيس الخزعلي، وبالتأكيد مجموعة نوّاب عديدة تشكّل الطيف السياسي، حتى وصل الأمر إلى أن تكون الصورة الأساسية للسياسة العراقية هي الشعبويّة بشكلها المُضر، الذي يحفر في الأنساق السلوكية الاجتماعية ويضع بيوض الخراب التي تنمو كلاماً شعبوياً، يشبه كثيراً الفن الرديء في الشارع "الكيتش"، مع خلطة واضحة من قلّة الأخلاق، والكلام الجارح، الذي لا يكتفي عند حد.

الشعبويّة العراقية نتاجٌ طبيعي لانهيار قواعد السلوك الكلاسيكية بعد سنوات الحصار الاقتصادي، السنوات التي أسقطت المجتمع وأناقته بضربةٍ قاضية، حين توقف الصبيانُ عن الهرب من أمام المدرّس، وبدأوا يشاهدونه يبيع السجائر في السوق، وحين يكفّ الوالد عن الإنفاق الكافي على أطفاله، الأمر الذي يخدش سطوته داخل المنزل، وأثره، وهؤلاء الأطفال الذين انهارت أمامهم سياقات السلوك: صاروا آباءً الآن! 

استسهال الشعبويّة أخطر من كلّ شيء جانبي، بما فيه الإرهاب، فتدميرُ قواعد السلوك، والأناقة، واللفظ الحسن، والتصرّف المؤدي إلى دولة مؤسسات، كفيلٌ بتأخير أيّ مستقبل ممكن لهذه البلاد، حتى إن كان بعد قرنٍ من الآن، حيث ستكبر طبقة سياسية حزبيّة، تجدُ أن ليس من العار "البصق في وجه رئيس الجمهورية" حين نعارضه سياسياً، أو "رمي السياسيين في الزبالة" حين لا يمرّرون حكومتك، وأن تُرسل رسائل صوتية بذيئة لسياسيّ خصم، كما في نهائيات شتائم مشعان الجبوري وأبو مازن، التي سمعناها جميعاً. 

هناك طيفٌ بسيط داخل هذا الوضع السياسي مصرّ على عدم الركون للشعبويّة، لأنه لا يجيدها ابتداءً، ولأن خسارتها على المدى البعيد أكثر من ربحها الآنيّ، ولعل الأناقة في الكلام والسلوك والتفكير الستراتيجي ستكون جزءاً من ماضٍ كما نرى ماضي الملكية العراقيّة، أو مرحلة فتوّة الاتجاهات الليبرالية العراقية، أو حتى الأجيال الأولى من الأحزاب الإسلامية، التي كانت أنيقة داخل نسق الإسلام السياسي، قبل أن تتحوّل كل الأحزاب إلى ظهيرة حارة من سوق هرج، حيث يتقاذف الباعةُ أسماء الأمّهات وما اختفى خلف الملابس الداخلية، بكل وضوح! 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top